هكذا باعت إسرائيل مزاعم الارهاب للعالم ، تل أبيب علقت الآمال على تدمير العراق وإيران في حرب الخليج الأولى في نوفمبر 1986 انفجرت قنبلة سياسية, ما بين واشنطن ومنطقة الشرق الأوسط وعرفت يومها باسم (إيران ــ كونترا ــ جيت) وكان فحواها معاملات تمت في كواليس السياسة أو تحت جنح الظلام وضمت أطرافا من إيران وإسرائيل وإدارة الرئيس الأسبق ريجان وعصابات الكونترا المناهضة للنظام التقدمي الحاكم وقتها في نيكاراجوا وشملت توريد أسلحة قيل أن إيران كانت بحاجة إليها في حربها آنذاك مع العراق. والذي يعني مؤلف كتابنا في هذا السياق هو دور إسرائيل في هذه العملية حيث يقول (ص 44 وما بعدها ) أن إسرائيل كانت لها مصلحة مباشرة في الاحتفاظ بنوع من الصلات التحتية كما يسميها من أجل مساعدة اليهود الإيرانيين. لكن كانت لإسرائيل مصالح أعلى وأهم يصفها البروفيسور شلايم بأنها كانت تصدر عن اعتبارات جيو ـ إستراتيجية حيث طمحت إسرائيل إلى أن يخسر الحرب كلا الطرفين العراق وإيران بمعنى أن يخوضا حربا استنزافية طويلة الأمد إلى أن يدمر كل منهما الآخر ولذا كان دور إسرائيل في عملية إيران ــ جيت يرمي إلى تزويد آلة الصراع الدموي بوقود متجدد يدوم معه أوار الحرب ويصل بأطرافها إلى طريق مسدود بغير مخرج. وفي حالة العراق بالذات كانت إسرائيل ترمي إلى أن يظل غارقا في دوامات وأوحال حرب الخليج الأولى ومن ثم لا يستطيع الانضمام إلى سوريا أو الأردن كما يشكل الأطراف العربية الثلاثة جبهة شرقية ضد إسرائيل (ص 441). بيع (الارهاب) للعالم في الفترة نفسها أواخر الثمانينيات برز موضوع الارهاب ليحتل جوهر السياسة الإسرائيلية على نحو ما يوضح مؤلف الكتاب. كانت إسرائيل ( وهذا أمر مهم ) قد كسبت موافقة أمريكا وقبولها للصيغة التي اصطنعتها إسرائيل لشكل ومجريات وجوهر الصراع العربي ــ الصهيوني وهذه الصيغة كما يضيف البروفيسور آفي شلايم تقوم على الأسس التالية. ان العنف من جانب خصومها ( العرب ــ الفلسطينيون) ما هو إلا (ارهاب) أما العنف من جانب إسرائيل شخصيا فهو (دفاع مشروع عن النفس) تأمل, عزيزنا القارئ الكريم, حقيقة استمرار هذه الصيغة الصهيونية الخبيثة التي مازال باستطاعة إسرائيل أن (تبيعها) إلى العالم بفضل جهاز اعلامي سريع الحركة مسنود بالطبع من ميديا الغرب الأوروبي ــ الأمريكي. هذا بينما شيد اليعاربه الميامين فضائيات تتبادل الثرثرة (أو الفضفضة أو الحرب الأهلية الكلامية) أكثر من هذا فإن إسرائيل, كما افلحت زورا في تصوير نفسها تقف في مركز الطليعة لمحاربة (الارهاب الدولى) ويومها سارع نتانياهو وكان سفيرا لإسرائيل لدى الأمم المتحدة بنشر ترويج وقائع مؤتمر عقده تحت شعار واضح الدلالة هو: الارهاب: كيف يمكن للغرب أن يكسب المعركة؟ وكان في هذا النشر من الاكاذيب والاراجيف ما فيه, يقول مؤلفنا الاكاديمي الإسرائيلي الأصلي: شن الكتاب المنشور حملة شعواء على منظمة التحرير الفلسطينية وعلى ليبيا وسوريا بهدف تصوير أن أعداء أمريكا هم أعداء إسرائيل وأن العرب الذين يساندون العنف إزاء إسرائيل هم دول إرهابية ومن ثم استخدام القوة الغاشمة (بتعبير المؤلف الحرفي) أمر ليس مشروعا وحسب بل هو أمر مستصوب ومرغوب أيضا. ثم يضيف المؤلف قائلا: لقد كتب نتانياهو يقول: إذا ما عمدت حكومة ما إلى ايواء الارهابيين أو تدريبهم أو إطلاق عملياتهم , فإنها تصبح من ثم هدفا مشروعا لرد عسكري. وعليه, فقد نجم عن الكتاب أثر ضخم للغاية, في تشكيل مواقف أمريكا خلال ولاية ريجان الثانية في البيت الأبيض, بل إن الرئيس ريجان نفسه كان معجبا أيما اعجاب بكتاب نتانياهو وأوصى بأن يقرأه كبار معاونيه. وهنا يحرص المؤلف على اظهار مدى النفاق والتعامل المزدوج مع الظواهر والمواقف حين يوضح أن إسرائيل كانت تندد بسوريا, بدعوى سجلها الارهابي, فيما كانت تزود إيران بالسلاح (خلال عملية إيران كونترا جيت) رغم أنهم وضعوا إيران يومها على رأس قائمة البلدان التي تتبنى الارهاب المعادي للغرب. بعد نحو عامين من مستنقع إيران جيت طرأ متغيران أساسيان على معادلة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. المتغير الأول مع جبهة إسرائيل كان وصول اسحق شامير بتاريخه الارهابي المعروف إلى منصب رئيس الوزراء, والمتغير الثاني على الجبهة الفلسطينية حمل اسم انتفاضة الحجارة (الأولى) وبعدها تغيرت مسارات الأحداث حيث يردد المؤلف اسماء شخصيات كان لها أدوارها البارزة في الجمع بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني (الذي جاء بالذات مستقويا بواقع وأحداث ونتائج الانتفاضة) ومن هذه الشخصيات مثلا الرئيس المصري مبارك ووزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر. والذي حدث أن تقاطع همس المفاوضات العلنية السرية مع قعقعة السلاح في حرب الخليج الثانية التي جاءت بقوات أمريكية وغير أمريكية إلى المنطقة وكان الهدف كما هو معروف هو ( تحرير الكويت من الغزو العراقي). بدأت العمليات الحربية ضد قوات صدام حسين في منتصف ليلة 16 يناير 1991. وفي مساء 18 يناير انطلق وابل من صواريخ (سكود) العراقية ليصيب أهدافا في تل أبيب وحيفا. الزيارات المشبوهة في هذا السياق يقول مؤلف الكتاب: كان هذا أول هجوم على مدينة إسرائيلية منذ عام 1948. كانت الأضرار المادية محدودة, ولم يمت أحد نتيجة الاصابة بصاروخ سكود ولكن مات الكثيرون بنوبات قلبيه أو لأنهم نسوا أن يفتحوا صمام الهواء في أقنعة الوقاية من الغاز التي يلبسونها, كان الأثر السيكولوجي للهجوم عميقا. وفي الجلسة الطارئة التي عقدها مجلس الوزراء الصهيوني كان أعلى الأصوات التي تطالب بضربة عسكرية ضد العراق هو صوت ارييل شارون الذي ما لبث أن درج على زيارة المواقع التي اصابتها الصواريخ ليبلغ الأهالي (الصهاينة) أن الحكومة عجزت عن أن توفر لهم الحماية التي يستحقونها (لاحظ حكاية زيارات شارون للمواقع الملتهبة بقصد الاثارة وتأجيج المشاعر وآخرها زيارته المشئومة لحرم المسجد الأقصى في سبتمبر الماضي). على أن كتابنا يقف عند واقعة مهمة واكبت قصف صواريخ سكود العراقية حين يشير المؤلف إلى الدلائل التي جمعتها أجهزة الاستطلاع والاستخبارات الأمريكية عن استعدادات إسرائيلية من أجل نصف تأهب نووي ظل ساري المفعول على مدى أسابيع (ص 481) . وهنا يعلق المؤلف قائلا: إن ما التقطه الامريكيون في الميديا الاعلامية كان يتمثل في زيارة عدد الإسرائيليين الذين تصوروا أن أي هجوم عراقي بالأسلحة الكيميائية من شأنه أن يبرر استخدام الأسلحة النووية ( من جانب إسرائيل). وقد عمد الأمريكيون في مهارة حاذقة إلى استغلال هذه الأصوات لخدمة الجهود التي بذلوها لحمل صدام حسين على عدم استخدام السلاح الكيماوي وهكذا أعلن ريتشارد تشيني وزير الدفاع الأمريكي في 2 فبراير 1991 أنه إذا استخدم العراق اسلحة كيماوية ضد إسرائيل فقد ترد الأخيرة باستخدام أسلحة غير تقليدية. وإذا كانت بغداد قد احجمت, في رأي مؤلف الكتاب, عن استخدام الأسلحة الكيماوية, فقد استمر سقوط الصواريخ العراقية على سكان إسرائيل المدنيين. وهنا قام موشي ارينز وزير دفاعها ومعه ايهود باراك (اياه) بزيارة سرية إلى واشنطن في 11 فبراير لحث الأمريكيين على تكثيف غاراتهم على العراق واستطلاع الأفق من أجل ضوء أمريكي أخضر يسمح لإسرائيل بالتدخل في الحرب وكان أهم بنود تلك الزيارة هو اجتماع المبعوثين الإسرائيليين إلى الرئيس بوش الذي (ادعى) على حد تعبير المؤلف أن هجمات صواريخ العراق قد تناقصت وأشار إلى أن استطلاعات الرأي العام في إسرائيل تحبذ ضبط النفس, وأوضح أن إسرائيل لن تنجز أفضل مما أنجزته غارات التحالف ضد عراق ــ صدام حسين فضلا عما اضافه بوش بأن إسرائيل لابد وأن تجتاز المجال الجوى لقطر عربي في طريقها للهجوم على العراق وذلك كفيل بتدمير التحالف. وفي حين كان الرئيس بوش ومعاونوه مستعدين, كما يضيف المؤلف, لمساعدة إسرائيل عسكريا وماليا, إلا أنهم لم يكونوا متعاطفين مع رغبة إسرائيل في التدخل في سير الحرب وظلوا معترضين على فكرة تنسيق العمليات معها. ثم نصل مع مؤلفنا إلى حدث مفصلي كما قد نسميه في مسار العلاقات الفلسطينية ــ الإسرائيلية وهو (مؤتمر مدريد للسلام). فى هذا السياق يقول المؤلف: يعتقد البابا أن هناك اثنين من الحلول المتمثلة للصراع العربي ـ الإسرائيلي: الحل الواقعي, والحل الاعجازي. فأما الحل على أساس الواقع فيحتاج إلى تدخل من العناية الالهية في حين أن الحل على أساس المعجزة فينطوي على اتفاق طوعي يرتضيه الطرفان(!) لكن هناك حلا ثالثا لم يتصور قداسة البابا ان يشمل تدخلا أمريكيا وهو ما حدث في مؤتمر مدريد المعقود في 30 أكتوبر 1991 الذي كان أكثر الجهود جدية, من جانب أمريكا لدعم التوصل إلى تسوية شاملة للصراع العربي ــ الإسرائيلي. وبعد هذا المدخل البليغ يعود كاتبنا الاكاديمي المثقف إلى قراءة باردة للواقع حين يضيف قائلا: ولقد أتيح لأمريكا أن تقوم بهذا الجهد بسبب حادثين كان لهما أهمية فائقة وهما: هزيمة الاتحاد السوفييتي في الحرب الباردة, وهزيمة الراديكالية العربية في حرب الخليج. (وهنا نبادر احتراسا لنقول أن الذي هزم في حرب الخليج هو الغرور غير المسئول الذي دفع بقيادة بلد عربي إلى غزو بلد عربي آخر, وإذا كانت الراديكالية هي النظرة التقدمية المستنيرة إلى الظواهر والقضايا, فلا نحسب أن غزو الجار المنتمي إلى الجماعة نفسها القومية, ومهما كان عمق الخلافات معه, مدخل في مضمار الراديكالية, أو التقدم, أو الاستنارة من قريب أو بعيد. ويقف المؤلف بإعجاب موضوعي لا يخفيه بأداء الوفد الفلسطيني في مؤتمر مدريد. يقول انه فيما كان خطاب اسحق شامير رئيس وزراء إسرائيل وقتها مرددا للكليشيهات والمقولات المكرورة, فقد جاء خطاب الدكتور حيدر عبد الشافي رئيس الوفد الفلسطيني متوازنا ومعبرا عن فكر متطور جديد وحاملا رسالة أساسية واضحة مفادها أنه لابد من إنهاء الاحتلال الإسرائيلي ولابد من إعطاء الفلسطينيين حق تقرير المصير وأنهم عاقدو العزم على متابعة تحقيق هذا الهدف بغير هوادة إلى أن يعملوا إلى إقامة دولتهم المستقلة. فن إضاعة الفرص وفي هذا المضمار يستدعى المؤلف إلى الذاكرة مقولة ابا ايبان الشهيرة ساخرا من العرب بأنهم لم يضيعوا أي فرصة يضيعون فيها فرصة متاحة, حيث يقول المؤلف أن هذه المقولة أن صدقت أصلا فقد انطبقت على الجانب الإسرائيلي في مدريد. أكثر من هذا, يضيف المؤلف (ص389 و390) ففيما كان نصف أعضاء الوفد الفلسطيني أطباء وأساتذة جامعيين, كان الوفد الإسرائيلي- كما لاحظ يومها فاروق الشرع وزير خارجية سوريا ــ تحت قيادة ارهابي سابق (شامير) مطارد ومطلوب من البريطانيين بتهمة اغتيال (الوسيط الدولي) الكونت برنادوت ويومها رفع الشرع صورة شامير ــ حين كان في الثالثة والثلاثين عاما- وقال : ايها السادة هذا الرجل اغتال وسطاء السلام! يتطرق الكتاب إلى انتخابات عام 1992 التي اسقطت الليكود وشامير لصالح العمل ورابين وبيريز من المعلقين من وصفها بأنها جسدت اختيار السلام من جانب الرأي العام الإسرائيلي الذي رفض سياسات الليكود المتعارضة مع السلام. لكن المؤلف يحذر من هذا الانسياق في التحليل موضحا أن سقوط الليكود أيام شامير (ويوازيه سقوط الليكود أيام نتانياهو) لم يكن يرجع فقط إلى أن الأغلبية من صهاينة إسرائيل تحولت إلى حمائم تدعو للسلام مع العرب, وطبعا هذا الجانب وارد ومهم ولكن المؤلف يضيف إليه جوانب أخرى أدت إلى سقوط أركان الليكود سواء في عهد شامير أو نتانياهو: وقد تمثلت هذه الجوانب أو العوامل في تفشي الفساد وخراب الذمم عند النخب الصهيونية الحاكمة وقتها في إسرائيل بعد 15 عاما من حكم الليكود فضلا عما أدت إليه سياساته المتصلبة أو المتشنجة ــ في رأي مؤلفنا ــ من انقسامات وخلافات حاده ومن سوء ادارة المرافق الاقتصادية والانمائية ومن ارتفاع معدلات التضخم وزيادة معدل البطالة إلى 11 في المئة وعجز الليكود عن استيعاب المهاجرين الروس وتلبية احتياجاتهم. أما أهم الاسباب في رأينا فيسوقها المؤلف على النحو التالي (ص499). لقد فشل الليكود في اخماد الانتفاضة (الأولى) بالأساليب العسكرية, وعجز عن الخروج بحل سياسي معقول أو موثوق.. ومن ثم فقد ازداد عدد الإسرائيليين الذين تولدت لديهم القناعة بأن الوقت قد حان لتسوية سلمية للصراع العربي ــ الإسرائيلي فيما ظلت حكومتهم تحجم عن اتخاذ هذه الخطوة. أخيرا, كما يقول البرفيسور شلايم آفي, وليس آخرا: شعر كثير من الإسرائيليين أن شامير (ونضيف من جانبنا نتانياهو) قد ضحى بالعلاقة الخاصة مع أمريكا, وهي شريان حياتهم على مذبح الايديولوجية المنادية بإسرائيل الكبرى, وأنه قد آن الأوان كي يلتمسوا لأنفسهم قائدا يتصف بمزيد من النهج العملي البرلماني والواقعي.