بطاقات بالم بيتش (المثقوبة) تثير الفوضى الانتخابية

دخلت نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية في فوضى لا مثيل لها, ووضعت الديمقراطية الأمريكية موضع تساؤل, وفتحت باباً واسعاً للنزاع القانوني بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي, بسبب نظام فرز الأصوات. فلقد أثار التشكيك في دقة الفرز الآلي للأصوات موجة سخرية عالمية, حيث أفشل الأمريكيون الكمبيوتر وعادوا إلى الفرز اليدوي كوسيلة أخيرة لضمان نزاهة النتائج. وبدأ مراقبون في التطرق إلى قضية دأبت إدارات أمريكية متعاقبة على إبقائها سرا وهي نظام فرز الاصوات آليا. ويعتمد هذا النظام على مجموعة تطبيقات تكنولوجية تستخدم في 3,000 مقاطعة و50 ولاية أمريكية. وتستخدم بعض الولايات أربعة أنواع مختلفة من طرق الفرز داخل حدودها. وبعض التطبيقات التكنولوجية المستخدمة تعتبر من أحدث ما توصل له العلم وتناسب القرن الحادي والعشرين. ولكن الغالبية العظمى من هذه الوسائل التكنولوجية تعود في واقع الامر إلى ما قبل خمسين عاما ولم يطرأ عليها تغير يذكر حتى الان. وتتولى 27 شركة أمريكية مختلفة توريد الاجهزة المستخدمة في نظام الفرز الآلي بالبلاد. وبطبيعة الحال كان متعذرا على دول أوروبا وآسيا استيعاب سبب الدوامة التي دخلتها انتخابات الرئاسة الامريكية نظرا لاعتياد هذه الدول على استخدام نظام موحد في الانتخابات التي تجرى بها تموله حكوماتها المركزية ويشرف عليه موظفون تابعون لها. وتعود جذور نظام الاقتراع الامريكي الهائل إلى مبدأ اللامركزية وهي ركن أساسي من أركان النظام السياسي للولايات المتحدة. وبمقتضى هذا المبدأ أصبح لكل ولاية ومقاطعة قوانينها الخاصة التي تنظم العملية الانتخابية والاموال والافراد اللازمين لذلك. وفي واقع الامر, تعتمد مهمة إجراء الانتخابات الوطنية على اللوائح المحلية للاقتراع بل أحيانا ما تدرج أسماء مرشحي الرئاسة بعد أسماء مرشحين محليين أو قضايا محلية. وكان أكثر من مئة مليون أمريكي قد توجهوا إلى مراكز الاقترع في السابع من نوفمبر الجاري للادلاء بأصواتهم. ولكن هذا الرقم يقل بنسبة 50 في المئة عن عدد الامريكيين في سن الاقتراع البالغ 200 مليون أمريكي. وقال نورمان أورنستاين من معهد المؤسسة الامريكية في مقال نشرته صحيفة (يو.إس.إيه توداي) باستثناء بضعة مجالات فقط مثل قضية جمع القمامة, فإن مختلف القضايا لا مركزية شأنها شأن العملية الانتخابية. وأوضح تتباين النوعية والاهتمام والتفكير بصورة صارخة, وفي ظل هذا الوضع يتعرض عدد هائل من المواطنين الراغبين في ممارسة حقهم الانتخابي المقدس للاستغفال. وأوضح أن المثل الصارخ على هذه اللامركزية ظهر في انتخابات مقاطعة بالم بيتش التي تولت أكبر مسئولة انتخابية فيها تصميم بطاقات الاقتراع (المثيرة للجدل) فيها بمبادرة شخصية بحتة. وتسبب نظام الاقتراع في المقاطعة في حالة من الارتباك واسعة النطاق بين الناخبين الذين خرموا الدائرة الخطأ ببطاقة الاقتراع مرة أو مرتين لاختيار المرشح الديمقراطي آل جور, مما أدى إلى إبطال أكثر من 19,000 صوت. وتشتمل أنواع نظم الاقتراع المستخدمة في الولايات المتحدة على ستة تطبيقات تكنولوجية مختلفة تتراوح من الشبكات الالكترونية للتصويت باللمس وصولا إلى البطاقات الضوئية (داتافوت) وماكينات التصويت الامريكية التقليدية بنظام الروافع وأخيرا الاقتراع العادي بالبطاقات الورقية. وتتزايد الاصوات حاليا في الولايات المتحدة الداعية للاقتراع عن طريق شبكة الانترنت. ويتعذر تطبيق هذا حاليا بسبب مشكلات تتعلق بتأمين نظام الاقتراع. وهناك مخاوف من اكتساح طبقة الناخبين الامريكيين الاكثر ثراء لهذا النظام المقترح على حساب أصحاب الدخول المحدودة, أما أكثر هذه النظم استخداما في الولايات المتحدة فهو نظام البطاقات الضوئية. ويعتمد هذا النظام على تسويد الناخب دائرة أمام مرشحه المفضل ويتولى الحاسب الآلي قراءة العلامة, ويستخدم هذا النظام في 40% من المقاطعات لدقته, ودارت المعركة حول الاقتراع في ولاية بالم بيتش على مشكلة الاقتراع بنظام البطاقات المثقوبة. واضطر العاملون في الفرز إلى إعادة الحصر يدويا بدلا من الماكينات وكان عليهم أن يقرروا إذا ما كانت القطعة الورقية في البطاقة عالقة أم منتفخة أم مثقوبة بشكل غير واضح لتحديد مصير صوت الناخب. حيث يقضي هذا النظام بوضع الناخب بطاقة فارغة داخل ماكينة فتظهر له قائمة اختيارات, ويقوم بثقب البطاقة أمام اختياره وهو نظام سيئ السمعة في الانتخابات الحالية حيث يستخدم في 10% من الولايات, وتستخدم ماكينات التصويت التقليدية بنظام الاذرع في 15 في المئة فقط من المقاطعات الامريكية حاليا. ويتركز أغلبها في ولاية نيويورك التي لا تستخدم نظاما آخر. ولا تصنع الشركات الامريكية هذا النوع من الماكينات حاليا الذي يعود إلى الخمسينيات. وفي ولاية أوريجون, لم ينجح مسئولو الانتخابات حتى الان في الخروج بنتيجة نهائية لفرز الاصوات منذ السابع من نوفمبر الجاري. وتستخدم الولاية نظام الاقتراع البريدي الكامل بهدف عدم إهدار أموال عن طريق إبقاء مراكز الاقتراع مفتوحة طيلة ساعات النهار وتعطيل العاملين فيها طول هذه الفترة. ووصفت تجربة أوريجون بأنها فشلت فشلا ذريعا, إذ لم تنته هذه الولاية وحدها حتى الان من فرز الاصوات ولم تقدم أي نتيجة موثقة للاقتراع فيها. وقالت عدة مقاطعات ان نقص الاموال هو السبب الرئيسي وراء عدم تطوير نظم الاقتراع فيها. وقال مسئولون أن تمويل بناء المدارس وقوات الشرطة أهم من إهدار الاموال على نظم اقتراع باهظة الثمن تستخدم مرة واحدة كل أربعة أعوام. ومما لا شك فيه أنه بعد انتهاء فوضى الاقتراع في انتخابات عام ,2000 سيبدأ المسئولون الامريكيون مهمة مضنية للبحث عن أفضل نظام للاقتراع يمكنه تحاشي الدوامة الحالية مستقبلا. د.ب.ا

طباعة Email
تعليقات

تعليقات