الملف السياسي ابرزت انتفاضة الاقصى والسياسات التي رافقتها سواء على المستوى العربي او على المستوى الاسرائيلي انها تتمتع بفعل سياسي اخفقت المفاوضات في تحريضه منذ بدايتها, وحالة هذا الفعل لا تندرج، تحت مفاهيم الحالات الآنية بقدر ما هي تفجير عودة المشروع الصهيوني وكشف غطائه الذي تستر به بعد الاتفاقيات التي عقدها مع بعض الدول العربية وبعد بدء المفاوضات المباشرة التي مرت بمراحل اجهاض كبيرة كان اخرها كشف الصورة الحقيقية لمفهوم الصراع العربي الاسرائيلي وطبيعة هذا الصراع الذي لا يمكن له ان ينتهي حتى وان عقدت كل اتفاقيات التسوية وذلك لسببين: الاول احلام المشروع الصهيوني التي ستبقى قائمة للوصول الى اهدافها, والثاني وهو نقيض واضح يتجلى بحركة الجماهير العربية التي ظهرت اثر الانتفاضة وأعادت للعرب حلمهم في المشروع القومي. اذا كانت المقاطعة العربية شكلا من اشكال الصراع العربي الصهيوني فإنها في حقيقة الامر تنمي الروح القومية وتعطيها دفعا واضحا وبالمقابل الصريح تقف في وجه المشروع الصهيوني الذي لا يعتبر جغرافية فلسطين حده الاخير وبالمقابل لا يعترف زمنا واستراتيجيا بالسلام وان تم على اسسه الصهيونية وليس على حلمنا العربي, فالمشروع الصهيوني له رؤيته الزمانية والمكانية فهو قائم اولا واخيرا على اجهاض اي تحرك قومي عربي على مستوياته المختلفة سواء بطرح العرب لقضية الوحدة او بالتفكير في عودة النضال الحقيقي والصادق لمشروعهم القومي النهضوي الذي اعيدت له الروح في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من خلال بعض المفكرين العرب الذين وللأسف لم يشكلوا (جمعية اهلية) تتبنى افكارهم النهضوية لتفعيل هذا المشروع جماهيريا ولم يستطيعوا ايضا التعامل مع الجماهير العربية او مع احدى مؤسسات الجامعة العربية لتدرج افكارهم في كتلة وحدوية تقوم برؤيتها على مشروعية رؤيتهم وتنظم العلاقة فيما بينهم وذلك عبر مجموعة من المؤسسات البحثية المخصصة لهذا المشروع بشكل يتناسب مع جديته. وبالمقابل فقد ظهر مشروع مضاد تبنته الصهيونية وحمل لواءه شمعون بيريز ونظر فيه من خلال الشرق أوسطية التي اعيد احياؤها بشكل ايديولوجي كي تقف في مواجهة بذور المشروع النهضوي. وبذلك اوجدت الصهيونية حالة صراعية جديدة في المنطقة وتحديدا في الوطن العربي ورأت ان اسلوب السيطرة الجديدة سيكون من خلال رؤيتها القديمة بطرح حديث يأخذ من العولمة مفهوم السيطرة كونها طرحت نفسها كبديل عن كل المشاريع المتواجدة في المنطقة عربيا واقليميا فسعت بداية الى ترسيخ مفهوم المفاوضات من اجل السلام وسارعت الى مؤتمر مدريد لفتح الطريق امام مشروعها وطرحت مفاهيم التطبيع لكي تدخل في نسيج الوطن العربي الذي بقيت بعض خيوطه متماسكة نتيجة النقاط المشتركة الكثيرة المترسخة في بنيته المميزة, وأقدمت بعد ذلك على اتفاق سريع ادهش العرب وغيرهم وتمثل في اتفاق اوسلو المفاجىء وبعده وادي عربة وحوطت الوطن العربي ببعض العلاقات الاقتصادية التي ظهرت بينه وبين بعض دول الخليج من جهة وبعض دول المغرب العربي من جهة اخرى. ولعل الملاحظة التاريخية تكمن في التحرك الزماني للمشروع الصهيوني فكل حركة عربية لها مضادها الصهيوني, فتخلص العرب من الاستعمار الغربي واجهته الصهيونية باحتلال فلسطين, وتنامي الروح القومية بعد ثورة يوليو اجهضتها بحرب 1967 وأعادت بذلك روح الهزيمة للجماهير العربية التي هللت للخطاب القومي العربي في ذلك الوقت وبدأت تنسى جراح 1948 وتستعيض عنها بأناشيد التحرير والقومية في مشرق الوطن العربي ومغربه. اما ما حققته حرب اكتوبر من تضامن عربي وكسر اسطورة الجيش الذي لا يهزم فقد سارعت الصهيونية لكسر الحلمين معا, فعقدت مع مصر اتفاقية كامب ديفيد التي فككت وشردت التضامن العربي بعد اكتوبر 1973 ونشرت هزيمة جديدة للشارع العربي حيث خرجت مصر من الحرب وهي اكبر قوة عربية في الوطن العربي مما اعاد اسطورة الجيش الذي لا يهزم والتي للأسف اخذت طريقها هذه الايام رغم شدة الانتفاضة التي تواجه بحجر اطفالها دبابات الصهيونية وطائراتها؟! اما الانتفاضة الحالية فقد كانت مشروعا فلسطينيا عربيا جماهيريا قبل كل شيء وحركتها المباشرة جاءت نتيجة احتقان في الشارع الفلسطيني مما يجري على ساحة المفاوضات الفلسطينية ــ الاسرائيلية والاخفاقات الكثيرة التي منيت بها, وهنا لم تنجح الصهيونية بتحريك مشروعها المضاد للمشروع القومي العربي فقد لاحظنا قبل الانتفاضة تحركا عربيا واسعا ومعلنا باتجاه التضامن العربي ظهر بشكل مباشر في الدعوات العملية والنظرية لفك الحصار عن العراق وتناسي الخلافات العربية العربية, ورأت اسرائيل بمشروعها الصهيوني ان استمرار حركات التضامن العربي سيكون في النهاية موجها ضدها وظنت ان مواجهة الانتفاضة بالشكل الذي رأيناه سيوقف التضامن العربي كون اسرائيل ترتبط باتفاقيات ومعاهدات وعلاقات مختلفة مع بعض البلدان العربية مما سيفجر صراعا عربيا عربيا في الرد على التصرفات الاسرائيلية وطريقتها في قمع انتفاضة الاقصى, حيث رأت ان بعض العرب سيقف في وجه الآخر في تعاطيه مع طريقة الرد العربي نتيجة اختلاف السياسات العربية تجاه اسرائيل ولكن وأتمنى ان اكون مصيبا فقد متنت الانتفاضة اشكال التعاون العربي سواء على المستوى الرسمي او الشعبي الذي ظهر بشكل فاجأ اسرائيل ذاتها بل ضرب كل توقعاتها هذه المرة عرض الحائط حيث ظهرت من جديد الروح القومية في الشارع العربي متناسية كل ما طرح عليها بتزيين صهيوني من فوائد التسوية. المقاطعة والمواجهة ظهرت بعض الاراء المتسرعة بعد اتفاق اوسلو والتي لا تزال تتردد حتى يومنا هذا وهي ان الانفتاح على اسرائيل والتطبيع معها في شتى المجالات سيضعف بنيتها الاقتصادية والاجتماعية وحتى العسكرية وجاءت هذه الاراء معتمدة على فكرتين مختلفتين الاولى تسعى لتبرير التطبيع واقامة العلاقات مع اسرائيل والثانية متسرعة غير متأنية حيث يرى اصحابها بناء على نظرية العام والجزئي ان الوطن العربي يتمتع بنسبة جغرافية كبيرة جدا امام حدود اسرائيل وبذلك سيطوق اسرائيل جغرافيا وبشريا واقتصاديا كونه يمتلك مقومات اقتصادية تتفوق على اسرائيل مجتمعة اضافة الى التراث العربي وقوته في مواجهة التعددية العرقية في اسرائيل. ولكن هذه الدعوة كانت مبطنة بروح الاستسلام من جهة او الهرولة نحو التطبيع بغطاء شكله الخارجي حريص على وجود الامة العربية, بينما الحقيقة تكمن في داخله فهل العرب الآن موحدون كي يواجهوا اسرائيل بقوتهم الدفاعية والاقتصادية او كحد ادنى هل الاقتصاد العربي موحد الآن؟ وإذا كان كذلك افلا يعلم اصحاب هذه الآراء ان اسرائيل لن تعمل وحدها في الوطن العربي اذا ما تم التطبيع لأن الولايات المتحدة الامريكية ترى مشروعها في الوجود الصهيوني سواء على المستوى الاستراتيجي المستقبلي او على المستوى الاقتصادي العولمي وهل يمكن ان ننسى عبر التاريخ كيف تتعامل اسرائيل لخدمة المشروع الغربي الذي ما زال يمنع العرب من امتلاك الادوات الحديثة على مستوى التقانة والتكنولوجيا والعلوم والعلم بشكل عام؟! ان هذا المشروع في حقيقته مشروع صهيوني يسعى الى التطبيع لمواجهة المشروع العربي والوحدة العربية واشكال القوة العربية التي يمكن ان تظهر الى العلن في فترة ما (لعلها ستكون قريبة) ولكن اسرائيل في الواقع لن تقف امام هذا الخيار مكتوفة الايدي كونها تستهدف كل الاشكال النهضوية العربية التي يمكن لها ان تجد طريقا خاصا بعد تجارب العالم التكتلية والتي استطاعت ان تثبت ذاتها في هذا العالم. المشروع العربي يبدو ان المشروع العربي الحقيقي يكمن الآن في المقاطعة العربية الكاملة لاسرائيل رغم علمنا بوجود اتفاقيات بينها وبين بعض الدول العربية لأن في تلك المقاطعة فائدة مزدوجة الاولى هي الوقوف بوجه الصهيونية ومشروعها الموجه الى الامة العربية مجتمعة وليس الى فلسطين وحدها فالفكرة الصهيونية في التوسع لا يمكن لاسرائيل ان تتخلى عنها رغم كل الاتفاقيات التي عقدت والتي يمكن ان تعقد, فإسرائيل التي تسعى لجلب يهود العالم ستبحث مستقبلا عن جغرافيا جديدة تستوعب اعدادهم وستبحث عن اسواق عربية تستهلك منتجاتها الرديئة (اخلاقيا)؟! من خلال فهمنا للمشروع الصهيوني يجب ألا نبني فكرة المقاطعة كفكرة آنية بل المقاطعة التاريخية لعدو يتمسك بمشروع استعماري يقف امام اي تحرك عربي وأي تقارب عربي يمكن ان يظهر مستقبلا فالمقاطعة ستكون اذا ما استمرت وتكاملت هي المشروع العربي الحقيقي لايجاد معادلة توازن حقيقي بين العرب مجتمعين وبين الصهيونية بكل قوتها الحقيقية, وهذه المعادلة ظهرت بشكل واضح في انتفاضة الاقصى التي قدم اطفالها وشبابها ورجالها ونساؤها دماءهم ليس لمشروع فلسطيني خاص بل لوطن عربي كبير يواجه اشد انواع الاعداء شراسة فكرية قبل شراسته الحربية. فهل سيكون العرب قادرين على هذه المواجهة التي تبدأ ويجب ان تبدأ بالمقاطعة كونها الداعم الوحيد المتوفر الآن لانتفاضة الاقصى والداعم المستقبلي للمشروع العربي الذي ما زلنا نحلم به, فهل سيأتي يومه؟!