أمريكا شجعت على التفكيك التدريجي ، مقاطعة اسرائيل عمل مشروع للدفاع عن النفس

انطلقت المقاطعة العربية لاسرائيل لأسباب سياسية, وبغرض استعادة الحقوق العربية المشروعة ضمن مجموعة من الخيارات وأوراق الضغط الاخرى, وتحولت الى ورقة الضغط الوحيدة المتاحة للعرب بعد استبعاد الخيار العسكري وانعقاد مؤتمر مدريد للسلام. ومثل إلغاء المقاطعة العربية احد اهداف السياسة الاسرائيلية منذ قيام الدولة تساندها في ذلك الدول الغربية المؤيدة لها والولايات المتحدة. وقد تعهد زعماء هذه الدول بسعيهم ــ بكافة الوسائل آثار الضغط الامريكي لإلغاء المقاطعة جدلا واسعا حول مصير المقاطعة وبدأت الاجتهادات للتملص منها. نشأة المقاطعة العربية وتطويرها ترجع بعض المصادر تاريخ المقاطعة العربية ضد الحركة الصهيونية ومشروعها الاستيطاني في فلسطين الى عام 1917م حين صدور وعد بلفور, وبعد رفض السلطان عبدالحميد قبول الاستيطان اليهودي في فلسطين. واشتدت المقاطعة عام 1922م اثناء اندلاع ثورة الشعب العربي الفلسطيني ضد الانتداب البريطاني, إلا ان انبعاث فكرة المقاطعة العربية ترجع في حقيقة الامر الى زمن ابعد من ذلك نتيجة لتقدم الوعي العربي العام وشعوره بخطر اليهود الذين بدأوا يزحفون إلى فلسطين من كل مكان, فكانت بدايتها ايام الحكم العثماني ثم تطورت ايام الاستعمار البريطاني, وفي نهاية المطاف تبنتها جامعة الدول العربية. اظهرت الجامعة العربية منذ بداية نشاطها اهتماما خاصا بالقضية الفلسطينية, وكانت المقاطعة العربية لاسرائيل من الجوانب المهمة التي عملت الجامعة على نموها وزيادة مفعولها, ومع التطور السريع للاحداث وقيام دولة اسرائيل اخذت المقاطعة وضعا قانونيا وسياسيا جديدا. ففي مايو 1951م أقر مجلس جامعة الدول العربية توصية اللجنة السياسية (اغسطس 1950م) القرار رقم 357 بتاريخ 16/5/1951م حيث اتفق المجتمعون على انشاء جهاز يتولى الخطط والتدابير اللازمة برئاسة مفوض يعينه الامين العام للجامعة ويعاونه مندوب عن كل دولة, وتقرر تأسيس مكتب مركزي مقره دمشق, تنحصر مهمته في تأمين الاتصالات بالمكاتب المختصة في شئون المقاطعة وتنسيق تدابيرها ونشاطاتها. وفي الدورة الـ 28 (11/12/1954م). أقر مجلس الجامعة بعض المواد المشددة كان اهمها مشروع القانون الموحد للمقاطعة. يلاحظ ان المقاطعة العربية لاسرائيل عالجت المسائل المتعلقة بقطاعات التجارة والخدمات والتمويل الاجنبي. وأصبحت هناك مستويات للمقاطعة يعمل بها وأصبحت هدفا لمؤيدي اسرائيل, واتخذت المقاطعة وضعا سياسيا وقانونيا جديدا وازدادت قوتها مما حدا بإسرائيل الى المطالبة بضرورة الغائها, وإدعاء البعض بأنها تتعارض مع احكام ميثاق الامم المتحدة, ولا سيما الخاصة بتنمية العلاقات الودية بين الدول وتحقيق التعاون الدولي فيما بينها وهو ما يستدعي منا التعرض للشرعية الدولية للمقاطعة العربية لاسرائيل. كانت المقاطعة الاقتصادية ولا تزال تشكل عنصرا مهما وسلاحا مؤثرا تستخدمه الدول والأمم ضد خصومها متى تعرضت أوطانها او مصالحها للخطر من جانب الخصم. ومن ثم, فإن اعمال المقاطعة الاقتصادية لسلطات الاحتلال الاسرائيلي, تعتبر من قبيل الدفاع عن النفس ازاء تعسف السلطات الاسرائيلية وانتهاكها لاحكام وميثاق الامم المتحدة. تأثير المقاطعة ومدى فاعليتها اختلفت الاراء في تقويم فاعلية المقاطعة العربية وتقدير الآثار التي ألحقتها بمختلف المجالات, فالبعض اعتبر ان المقاطعة حققت نجاحا كبيرا وأنها أثرت على العدو ونموه وتعامله مع الخارج تأثيرا سيئا الى الحد الذي جعل من اسرائيل كناية عن غيتو (معزل) في الشرق الاوسط, والحقيقة ان هذا التقييم لم يكن يخلو من المبالغة والتهويل في تقييم النتائج. في حين ذهب البعض الآخر الى التقليل من شأن المقاطعة وتأثيراتها الى حد المبالغة ايضا في التشاؤم والتشكيك في النتائج, وفي واقع الامر, فإن المقاطعة قد حققت قدرا من النجاح النسبي, وهو الأمر الذي لا ينفي معه ان اسرائيل قد استطاعت, بوسائل متعددة اختراق المقاطعة والتحايل عليها. الا انه من الصعب تقويم مدى الاضرار التي ألحقتها المقاطعة الاقتصادية العربية لاسرائيل, والوصول الى تقدير دقيق من خلال ارقام ومعطيات, فقد كانت اسرائيل حريصة على سرية الدراسات في هذا المجال, كما لا يمكن لأحد معرفة ما كان يؤول اليه الاقتصاد الاسرائيلي في غياب المقاطعة الا انه يمكن القول ان هذه الاضرار قد زادت بعد سنة 1973 بسبب القوة المالية للدول العربية النفطية واحتلال العرب مكانا مهما في عالم المال والاعمال. إلا ان هذا لا يخفي الخروقات الاسرائيلية للمقاطعة. التغلغل الاسرائيلي في المقاطعة هناك عدة عوامل وأسباب اسهمت جميعا في الحد من فاعلية المقاطعة والحيلولة دون تمكين العرب من تحقيق جميع الاهداف وفيما يلي ابرزها: خضوع بعض الاقطار العربية للضغوط الخارجية, وحالت هذه التبعية دون تطبيق المقاطعة بشكل فاعل, ولقد وصل عدم جدية مواقف بعض الدول العربية حيال المقاطعة, الى ابعاد تمثلت في الاحجام عن تنفيذ مقررات مكتب المقاطعة الرئيسي, والضغط على المكاتب الاقليمية والتدخل في شئونها. كما استطاعت اسرائيل ان تؤمن كميات كبيرة من النفط من العراق عبر خط انابيب النفط العراقي الذي ينتهي في حيفا عبر الاردن, وذلك منذ 1948م حتى اكتشف هذا الخط وتم تفجيره اثناء العدوان الثلاثي على قناة السويس. عجز مكاتب المقاطعة عن القيام بواجباتها بسبب عدم توافر موظفي الاجهزة المتخصصة وعدم توفر الامكانيات المادية وغيرها, وكما تبين سابقا لم تفسح بعض الدول العربية المجال امام هذه المكاتب للعمل بحرية وبالشكل المطلوب, الامر الذي ادى في نهاية الامر الى عدم تمكين هذه المكاتب من تطبيق اجراءات المقاطعة تطبيقا كاملا. مقاومة القوى المعادية للمقاطعة العربية, حيث اتسمت سياسة الدول الغربية ازاء المقاطعة بالرفض والعرقلة واصدار التشريعات والقوانين المناهضة, ودأبت عدة حكومات غربية على الامتناع عن منح تأشيرة دخول لضابط المقاطعة المكلف بالالتحاق بمكاتب الجامعة العربية في عواصم الغرب, في حال كان الاتحاد السوفييتي يأخذ بعين الاعتبار قوانين المقاطعة العربية فيما يؤدي الى دعم اسرائيل. الثغرات في المقاطعة والتغلغل الاسرائيلي في الاسواق العربية أ) الجسور المفتوحة مع الاردن:: قبل أن يمضي شهر على حرب يونيو 1967 عمدت اسرائيل الى ترميم الجسور القائمة على نهر الاردن وفتحها امام انتقال سكان الضفة الغربية وقطاع غزة الى الاردن والعكس, وتشير المصادر الاسرائيلية الى عبور اكثر من مليون شخص من الزوار العرب والسياح الاجانب خلال الفترة من 1968 وحتى عام 1975 مما ادى الى تدفق عملات صعبة قدرت بأكثر من 750 مليون دولار, الى الخزينة الاسرائيلية خلال الفترة المذكورة. كما تسربت المنتجات الاسرائيلية الى الدول العربية عبر هذه الجسور وعن طريق الاردن على انها منتجات من الضفة الغربية وقطاع غزة تحت لافتة (دعم صمود سكان المناطق المحتلة). ب) الجدار الطيب: تمكنت اسرائيل اثناء الحرب اللبنانية سنة 1976 ان تحدث ثغرة اخرى في جدار المقاطعة العربية, وذلك عبر الحدود اللبنانية, عندما اقامت ما يسمى بالجدار الطيب لينتقل عبره الافراد والبضائع الاسرائيلية تحت ستار تقديم المساعدات الانسانية لسكان الجنوب, وقد تحول هذا الجدار بعد اجتياح لبنان عام 1982م الى ما يعرف بمنطقة الحزام الامني, وتشير بعض المصادر الاسرائيلية الى ان اسرائيل صدرت الى لبنان بضائع بقيمة 60 مليون دولار من شهر يوليو 1982 وحتى نهاية العام نفسه, وفي دراسة نشرت في اوائل التسعينيات كشفت ان حجم التبادل التجاري بين لبنان واسرائيل قد فاق المليار دولار في بعض السنين. ج) اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1970. تغلغل اسرائيل عبر الدول الاجنبية القريبة من الوطن العربي السؤال الذي يثار الآن ما هو مصير المقاطعة العربية لاسرائيل بعد مؤتمر مدريد وأوسلو وشرم الشيخ وغيره وبعد قيام السلطة الفلسطينية؟ الضغوط الامريكية لالغاء المقاطعة ألقت الولايات المتحدة بكل قوتها ونفوذها في دعم اسرائيل منذ قيامها وكانت المقاطعة العربية لاسرائيل هدفا سهلا لها, ولقد أنشأت لهذه الغاية الآلية المناسبة لمكافحة المقاطعة, ساعدها على ذلك ازدياد ضغوطها على بعض الدول العربية عقب حرب الخليج الثانية وتحرير الكويت. ولقد تتبعت امريكا مسألة المقاطعة, ضمن خطتها لاخضاع العرب لهيمنتها بغية تصفية القضية الفلسطينية, وسلكت السبل المختلفة من اجل ذلك كإصدار قوانين تقاطع كل شركة ودولة تقبل المقاطعة العربية. وعمل جهاز المخابرات الامريكي في الاتجاه ذاته. ان تحطيم المقاطعة العربية لاسرائيل جزء من خطة امريكا لافساح المجال امام اسرائيل لكي تصبح جزءا من نظام امريكي يعد للمنطقة تحت اسم الشرق الاوسط. الصراعات العربية ــ العربية والتشرذم وحالة التردي التي وصلت اليها العلاقات العربية, وقد ادى ذلك الى تحلل كثير من الدول العريقة من نظام المقاطعة ووفرت هذه الظروف المناخ الملائم لكي تؤتي هذه الحملة ثمارها, كما ادت المشاركة العسكرية الامريكية في حرب الخليج الثانية الى قناعة واشنطن بأن فرصتها في اقناع الكويت والدول الخليجية الاخرى, بقبول ما رفضته هذه الدول على مدى السنوات السابقة من انهاء بعض صور المقاطعة, قد باتت في قبضة اليد. وقد تمثلت مظاهر هذه الحملة في ثلاثة امور: الاول: الضغط السياسي بالطرق الدبلوماسية والذي يشمل اشعار الدول العربية بأن قضية انهاء المقاطعة هي أولوية سياسية لدى الولايات المتحدة. الثاني: ضغوط قانونية: قرنت الولايات المتحدة ضغوطها السياسية بضغوط قانونية. الثالث: عقوبات جزائية: لارهاب الشركات ومنعها من الخضوع لقوانين المقاطعة العربية. وهكذا تتضح قوة الحملة الامريكية وشراستها من اجل الاجهاز على آخر الاوراق العربية في مفاوضات السلام, فلا غرو اذن ان ترحب الولايات المتحدة بشدة بقرار دول مجلس التعاون الخليجي بإلغاء الدرجة الثانية والثالثة من المقاطعة, واصفة اياه بأنه خطوة مهمة. ولكن بنظرة ثاقبة للامور,نجد ان هذا القرار ليس الا تعبيرا عن واقع فعلي تم فيه عمليا التغاضي, وإن بدرجات متفاوتة عن تطبيق المستويات غير المباشرة للمقاطعة, خاصة اثناء السنوات الخمس التي اعقبت انتهاء حرب الخليج الثانية, فالشركات الامريكية على وجه الخصوص اعفيت بشكل تام من شهادات المنشأ, والأمر نفسه حدث مع الشركات الالمانية بعد تطبيقها قوانين مماثلة للقوانين الامريكية. ويمكن القول ان احتمال الغاء المقاطعة المباشرة مع اسرائيل امر وارد بدرجة كبيرة في المستقبل القريب في ظل التطورات المهمة الجارية والدعوة الى اقامة سوق شرق اوسطية في المنطقة, إلا ان المقاطعة بشكلها المباشر ستظل الى حين ظهور المؤشرات التي تؤكد ان الطريق ممهد امام السلام الشامل القائم على مبدأ الارض مقابل السلام وعلى تنفيذ قرارات مجلس الامن المتعلقة بالصراع العربي الاسرائيلي, ولا شك ان قرارات الامة العربية الاخيرة في اكتوبر الماضي في القاهرة واندلاع الانتفاضة سوف يكبح المواضيع المتعلقة بتخفيف المقاطعة او الغائها. وأخيرا تجدر الاشارة الى انه حتى مع رفع اجراءات المقاطعة بأشكالها المختلفة تظل هناك ما يمكن تسميتها (المقاطعة الشعبية) اذ لن يكون هناك اي تشريع يستطيع ان يجبر المواطن العربي او الشركات العربية على شراء البضائع والخدمات الاسرائيلية, كما يحدث في الاردن في تصدي الهيئات الشعبية الى مكافحة التطبيع والدعوة الى قطع العلاقات مع اسرائيل. فكما يقول المثل الانجليزي تستطيع ان تقود الحصان الى الماء لكنك لا تستطيع ان تجبره على شربه. وهنا تثار قضية التطبيع وهو نوع شعبي من المقاطعة بابعاد مقاومة, ازدهرت في مصر والاردن وامتدت الى دول الخليج مؤخرا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات