بيان الاربعاء : تردد في بعض العواصم الغربية افتراض بان انتصارات هذا الصيف التي حققتها طالبان يمكن ان تؤدي الى حسم نهائي واضح لاوضاع افغانستان الداخلية, فقد تلقى تحالف الشمال المعارض مسلسلا مؤلم، من الهزائم العسكرية, فيما تمكنت طالبان من مد مناطق سيطرتها على نحو يهدد بخنق فصائل المعارضة, او حصرها داخل جيب صغير لا تخرج منه, ومن ثم لا تهدد الاوضاع العامة في البلاد كثيرا. الا ان ما يحدث الآن يبرهن ـ مرة اخرى ــ على صعوبة افتراض ان شيئا يتعلق بافغانستان الا ربما استمرار الازمة ذلك ان مسار هذه الازمة لا يقل وعورة عن تضاريس هذا البلد الذي منحه الله جمالا لا يضاهى. وواقع الحال ان الازمة الافغانية كان يمكن ان تتعرض لتعقيد جديد في الايام القليلة الماضية يتمثل في احتمال قصف الولايات المتحدة لمواقع مختارة داخل افغانستان ردا على العملية التي تعرضت لها السفينة الامريكية في اليمن. ولعل النقاش الذي دار بين الجهات المعنية في واشنطن حول هذه يذهب في ايضاح الحالة الراهنة لتفاعلات القوى المختلفة التي تؤثر على القرار الامريكي المتعلق بالشرق الاوسط, ذلك اننا لو وضعنا هذا النقاش تحت المجهر في (عينة زمنية) تمتد طوال الاسبوعين التاليين لانفجار اليمن لخرجنا بفوائد حقيقة تفيد في فهم كيف تعمل واشنطن في اللحظة الراهنة. ولنتابع ماحدث, ليس لمعرفة ما نعرفه بالفعل, ان تتابع ما تناقلته وكالات الانباء بعد انفجار اليمن في 12 اكتوبر, ولكن لرؤية ماحدث حقا فيما يتعلق بقرار قصف افغانستان. بن لادن المذنب البريء فبعد ان تجمعت الخيوط الاولى لكيفية ارتكاب الحادث, اشار الامريكيون الى اسامة ابن لادن .. محطات التلفزيون الامريكية نقلت تصريحات عن مصدر لم تعرفه, في وزارة الخارجية قال ان هناك دلائل كثيرة تشير الى بن لادن, وتلى ذلك تصريحات من ستانلي بيدنجتون المسئول السابق عن مكافحة الارهاب في وكالة المخابرات المركزية قال فيها: (ان الادلة على تورط بن لادن تفوق الحصر), ثم قيل ان وكالة الامن القومي التقطت محادثات هاتفية سابقة على الحادث تدين انصار بن لادن .. وهكذا. الموجة الاولى اذن كانت ادانة بن لادن. بعدها بدأ الامريكيون نقاشا حول نقطة اساسية اولية: هي يتعين على الولايات المتحدة ان ترد على عملية اليمن؟ وهنا طرح خياران منطقيان, الاول هو الرد الفوري العنيف, والثاني هو .. لا رد. ليس هناك خيار ثالث على اي حال, ولكن القضية طرحت, وعرض اخصائيو الشرق الاوسط في مجلس الامن القومي موقفهم الذي تلخص في ضرورة الرد الفوري, لان مرور الحادث دون رد لابد ان يشجع تكراره, وان يفقد الولايات المتحدة هيبتها, وان يؤدي الى خسارة جزء من رصيد بذل الامريكيون جهدا خارقا لبنائه ذلك هو ان يعرفهم الجميع بانهم يثأرون دائما اذا ما تعرضوا لهجوم على هذا النحو. وقال مسئولو الامن القومي ـ حسبما نقلت كل الصحف الامريكية الاساسية طوال الاسبوع الممتد من 17 اكتوبر وحتى 22 من الشهر نفسه, ان التخلي عن الرد سيكلف الولايات المتحدة كثيرا, وان الهدف يجب ان يكون افغانستان فهي مأوى اسامة بن لادن, ثم انها (بلاصاحب) ان ضربها لن يؤدي الى اية خسائر تذكر بالنسبة للولايات المتحدة. وكلف الرئيس بيل كلينتون كل من البنتاجون ووكالة المخابرات المركزية بوضع تقريرين عاجلين عن اعتزام الادارة قصف مواقع مختارة في افغانستان. المدهش في تلك اللحظة, ان كل المعروفين بصلاتهم الوثيقة باللوبي الاسرائيلي انطلقوا في حملة تثير العجب داعين الى ضرورة قصف افغانستان. كان السؤال الذي شغل اذهان من ادهشتهم هذه الحملة الكبيرة التي لاتتناسب مع الموضوع هو: لماذا؟ ما الذي يدفع بانصار اسرائيل الى ممارسة هذا الضغط المجنون لقصف بلد يبعد عن الدولة اليهودية آلاف الاميال, تمزقه الحرب, وتهدده المجاعة؟ وبقي السؤال معلقا, ولكن لفترة وجيزة على اي حال. ويعني ذلك ان الموجة الثانية كان تتمثل في تلك المطالب الملحة بقصف افغانستان. بعد ذلك وصلت تقارير وزارة الدفاع ووكالة المخابرات الامريكية وكان رأي الجهتين معا مخالفا لرأي خبراء مجلس الامن القومي .. كان رأيها: لا ينبغي قصف افغانستان في هذه اللحظة باي حال من الاحوال اما تفسير موقف الجهتين فقد تأسس حسب اشارات عابرة وردت في تحليل ذكي بثته محطة (إن. بي. سي) التلفزيونية وتحليل آخر نشرته جريدة (كريستيان ساينس مونيتور) على عنصر واحد: انتفاضة الفلسطينيين. ففي تلك اللحظات كانت الصدامات بين الشعب الفلسطيني والجيش الاسرائيلي في ذروتها, وكانت المظاهرات تعم العواصم العربية دعما للفلسطينيين وادانة لاسرائيل والولايات المتحدة, وكانت واشنطن تتحمل في نظر المتظاهرين قسما من المسئولية في محاولات تدنيس الاقصى الشريف. وهكذا اصبح موقف الولايات المتحدة يبدو وكأنه معاديا للاسلام والمسلمين مؤيدا للاعتداءات الاسرائيلية على الحرم الشريف. في مناخ كهذا لم يكن بوسع الولايات المتحدة قصف افغانستان, فقد كان مثل هذا القسم سيؤخذ في سياق اوسع كثيرا من اسبابه المباشرة, وكان من شأنه ــ بالتالي ــ ان يعمق مشاعر الكراهية والعداء تجاه الولايات المتحدة وهي المشاعر التي طفت على السطح من اندونيسيا حتى المغرب بعد تفجر انتفاضة الاقصى. واقتنع الرئيس كلينتون بوجهة النظر هذه فيما اتضح فجأة اسباب خروج كلاب اللوبي الاسرائيلي لدفع الادارة نحو قصف افغانستان ذلك ان الرهان الاساسي للوبي هو وضع الولايات المتحدة والعالم العربي في مسار قطيعة نهائية لاصلاح لها. وذلك لتعظيم دور اسرائيل كالركيزة الامريكية الوحيدة في الشرق الاوسط, وباعتبارها القوة العسكرية التي ينبغي دعمها دائما كي تلعب دور الهراوة الامريكية في محيط من الكراهية العربية لواشنطن. ولكن الطريف في الامر جاء بعد ذلك, فقد تم اخراج التراجع الامريكي عن قصف افغانستان على نحو يدعو اكثر الناس تجهما للابتسام اذ بدأت فورا الموجة الثالثة: تبرئة اسامة بن لادن! ففي 24 اكتوبر عقد الرئيس كلينتون اجتماعا مع مسئولي وزارة الدفاع ووكالة المخابرات المركزية ومجلس الامن القومي ووزراء الخارجية واستغرق الاجتماع قرابة الساعة ونصف الساعة حيث انتهى الى ما اشرنا اليه من صرف النظر عن قصف افغانستان, ثم توصل المجتمعون لصيغة مفيدة وعملية يمكن تقديمها للرأي العام, فالادارة ـ فجأة ــ تذكرت القانون الدولي وضرورات وجود ادلة دامغة قبل اصدار الادانة, وعلى هذا الاساس فانها قررت الغاء معاقبة بن لادن لعدم ثبوت الادلة, وبوسعنا هذا لو كان المجال يتسع ــ ان نورد عشرات الامثلة على ان هذا العائق القانوني لم يقيد يدي الادارة في السابق, من قصف ليبيا عام 1986 الى قصف السودان في العام 1998. لا يوجد دليل مع ذلك فقد خرج جيم مارجولين المتحدث باسم مكتب التحقيقات الفيدرالي بتصريح اذاعته كل وسائل الاعلام قال فيه انه ليس لدى المكتب اي دليل على وجود علاقة لابن لادن بانفجار اليمن فيما قال ريتشارد باوشر المتحدث باسم الخارجية ان الحديث عن اي صلة لابن لادن بالانفجار هو (مجرد تكهنات). وهكذا بدأت الموجة الثالثة. اي تبرئة بن لادن. كان هذا هو التتابع الذي اخرج افغانستان من لحظة كان من المحتمل ان يتعرض فيها هذا البلد المعذب لمزيد من العذاب الا ان هناك اسبابا اخرى ـ غير مباشرة ـ تفسر التخطيط الامريكي في قصف افغانستان. فبعد ادراج ضرورة (الحذر الانتخابي) في لحظة كهذه, اي ضرورة ابتعاد الادارة الديمقراطية عن ان استخدام مفرط للقوة حتى لا يحدث خطأ ـ مثل قصف مواقع مدنية, او مواجهة عمليات انتحارية فورية تربك الادارة في هذه اللحظة الانتخابية الحرجة, وبعد ادراج عشرات النصائح التي تلقتها واشنطن بعدم الاقدام على عمل احمق تجاه افغانستان بسبب حساسية المناخ السياسي العام, بما في ذلك موقف اسلام آباد, فان هناك بندا آخر يجب ادراجه ايضا في هذا السياق رغم ان دوره ليس دورا مباشرا او آنيا, ذلك هو ان الولايات المتحدة ليست واثقة تماما من ان طالبان لن تسيطر على افغانستان بأكملها, ولابد لواشنطن من مصالح استراتيجية هامة للغاية تنتظر التطبيق في ذلك البلد البعيد, فانها لا تستطيع الآن ان تنسف هذه المصالح مستقبلا, بارتكاب عمل احمق اضافي الآن. ولنحاول الان ان نقرأ الوضع في افغانستان كما يقرأه الامريكيون, سعيا وراء فهم الحيرة السياسية التي تكتنف موقفهم ازاء كابول. في الخامس والعشرين من اكتوبر الماضي توجه الماريشال ايجور سيرجييف الى طاجيكتسان لمقابلة احمد شاه مسعود, قائد القوات الشمالية المعارضة لطالبان والمحاصرة الآن على الحدود بين افغانستان وطاجيكستان . مادار في الاجتماع طبقا لرواية الصحافي الروسي فلاديمير رادوين كان شيئا يشير الى ان قوات احمد شاه مسعود توشك ان تفقد آخر مواقعها, خصوصا وان طالبان تتهيأ لشن هجوم مكثف جديد. ويوضح زعيم المعارضة الشمالية انه بدون دعم جوي فان مصير المعركة معروف مسبقا. الماريشال سيرجييف ــ الذي كان يعرف دقة ما يقوله مسعود ــ يقدم من جهته تعهدا روسيا باستخدام القوات الجوية ــ الروسية والطاجيكية ــ لوقف تقدم قوات طالبان تجاه الجيب الذي تتواجد فيه الآن قوات مسعود. وهو حل مر كالعلقم بالنسبة لواشنطن, ولكن كما يقول الصحافي الامريكي دان (وهل لدى اي شخص حل افضل؟ الولايات المتحدة لا تريد لروسيا ان تخرج عن حدودها, او ان تلعب اي دور اقليمي, خاصة في منطقة آسيا الوسطى, ثم انها لا تريد ـ باصرار اكبر ــ ان يكون لموسكو اي (حصة) في افغانستان, ذلك ان افغانستان هي بالفعل مركز هذا الاقليم برمته .. ولكن ... ما باليد حيلة. ذلك ان واشنطن تدرك ان طالبان باتت هي القوة المسيطرة ولكنها ـ مع ذلك ــ تريد ان تحتفظ ببعض اوراق الضغط على الحركة, فان تمكنت طالبان من تصفية قوات احمد شاه مسعود فسوف تتبدد اهم هذه الاوراق على الاطلاق . يمكن اذن ـ في نظر الامريكيين ــ التفاوض مع طالبان في مرحلة مقبلة شرط الا يكون موقف الحركة مطمئنا تماما حتى يسهل التوصل الى اتفاق ينسجم مع (الاجندة) العامة التي تريد الولايات المتحدة ان تحققها في الاقليم, وفي افغانستان . تنازل أمريكي لقد قبلت الولايات المتحدة بالتنازل عن احد اهم ثوابت سياساتها في آسيا الوسطى, اي مقاومة اي نزعة تدخلية روسية, مقابل ان تبقى هناك شوكة ما في حلق حركة طالبان تمنعها من التحدث بطلاقة حين يجىء وقت التفاوض حول ما تريده واشنطن حقا من افغانستان. وقبل ان نعرض لما تريده واشنطن حقا من افغانستان قد يكون من المفيد الاشارة وان بصورة عرضية لورقة اخرى قد لا يستطيع الروس المشاركة فيها تلك هي ان افغانستان توشك على دخول كهف مجاعة (كورية) الابعاد. ولنتابع فحسب وقائع مؤتمر صحافي لم تتناول الصحف ـ عقده في نيويورك في 27 اكتوبر الماضي جيرارد فان دايك مدير شئون الدول ببرنامج الغذاء العالمي التابع للامم المتحدة. خلاصة ما قاله فان دايك هو ان مليون افغاني مهددون بالموت خلال العام المقبل من جراء مجاعة مأساوية الابعاد تحوم الآن في افق افغانستان وذلك بسبب اسوأ جفاف تمر به البلاد في تاريخها وبسبب الحرب الداخلية واضطرار الناس لمغادرة حقولهم وقراهم. من الممكن اذن ان يفلح هذا السيناريو الكوري في اضعاف موقف طالبان عن التفاوض حول الامور المهمة .. حقا, اي امور النفط والغاز الطبيعي وخطوط الانابيب .. وهذه الامور هي ـ على وجه الحق ـ ما يعني واشنطن في الشأن الافغاني. أجندة صعبة وواقع الحال ان اجندة واشنطن تبدو صعبة التحقيق, رغم الاقرار بالجسم الكبير للجهود التي بذلتها الولايات المتحدة على هذا المضمار, ذلك ان منطقة آسيا الوسطى برمتها تعاني من (ازمة كامنة) ان جاز التعبير, اي ان هناك سخونة دائمة, توترا دائما, حالة اقرب الى الغليان, ولكنها لم تصل بعد الى نقطة الانفجار, وان كانت على طريق مؤكد نحو هذه النقطة. وعلينا ــ مرة اخرى ــ ان نؤجل للحظات عرض البنود الاساسية في اجندة واشنطن الافغانية كي نتمكن من وضع الموقف في تلك المنطقة في سياق مفهوم, اي سياق يوضح ابعاد تلك الازمة الكامنة في آسيا الوسطى. الملمح الاول من ملامح هذه الازمة هو صعود المقاومة المسلحة لعدد من حكومات المنطقة, وهي مقاومة تنسب نفسها الى الاسلام, ومن ثم تطلق على نفسها اسماء مختلفة تعني جميعا ـ في نهاية المطاف ـ امرا واحدا, المعارضة الاسلامية المسلحة. وتهدد هذه المعارضة على نحو مباشر حكومات اربع جمهوريات متجاورة, هي: اوزبكستان, طاجيكستان, قيرغيزيا, وكازاخستان, وقد تابع كثيرون قمة رؤساء هذه الدول الاربع التي عقدت في اغسطس الماضي في بيشكيك عاصمة قيرغيزيا والتي خصصت لبحث هذا التهديد, وفي نهاية القمة صرح الرئيس الاوزبكستاني اسلام كاريموف بان (افغانستان قد تحولت الى ميدان لتدريب الارهابيين, وكان من السهل التخلص من هذه المشكلة لو تركت القوى الخارجية للافغان انفسهم حق حل مشكلاتهم ولكن هناك مراكز جيوبوليتية واستراتيجية تواصل عملها في امداد الحرب الافغانية بالوقود كي تستمر .. اننا لا نرى نهاية قريبة لهذا الوضع. ولكن اين هي تلك المراكز بالضبط؟ يقول كاريموف : انها لدى الاصدقاء من جيران طالبان (يقصد باكستان ربما), ثم انها ايضا من مراكز بعيدة. فضلا عن هذا فان طالبان تستخدم العوائد التي تحصل عليها من قيام التجار ببيع محصول الافيون وذلك لتمويل جماعات متطرفة من كل مكان. كاريموف اذن يتهم باكستان, وهو اتهام لا يقف على دليل مباشر واحد, وانما فقط على تحليل العلاقة التاريخية التي تربط بين باكستان وقادة الحركة. ثم انه لا يذكر من هم ايضا من اشار اليهم بتغير المراكز البعيدة رغم دعمهم, فحيث ان طالبان تشن حربا متواصلة ضد خصومها منذ العام ,1992 وحيث ان هذه الحرب تتطلب سلاحا وامدادات ذخيرة وامكانيات طبية واجهزة اتصالات .. الى آخر قائمة طويلة تشكل مستلزمات اي حرب طويلة من هذا النوع, فان من الطبيعي ان يتساءل الرد من اين تحصل طالبان على الاموال لشراء هذه المعدات؟ ومن الذي يبيعها لها؟ اذا كان لديك المال الكافي فسوق السلاح ـ السوداء ــ في العالم رحبة المسالك. فالسلاح يباع على (قفا من يشيل) كما يقولون من اوروبا الشرقية, او من روسيا, او الصين, او اسرائيل, او بعض بلدان امريكا اللاتينية البضاعة موجودة ولكن المهم هو الدفع. مصادر الاموال ولدى طالبان ــ كما يتهمها الامريكيون ـ موارد مالية دائمة تزداد بانتظام: الافيون: اذ تقول الدراسات الامريكية التي لا نعرف مدى صدقها على اي حال او ما اذا كانت تحركها دوافع سياسية ان قطاع المخدرات هو القطاع الذي يحرك الاقتصاد الافغاني. فآخر دراسات واشنطن حول هذه المسألة تفيد بالتالي: في العام ,1986 حين كان الجيش السوفييتي يسيطر على بعض مناطق افغانستان, كان هذا البلد ينتج نحو 400 طن من الافيون سنويا, او ما يعادل 25% من انتاج العالم الاجمالي, وفي العام ,1999 تنتج افغانستان 4600 طن سنويا, اي ما يزيد على 11 ضعف انتاجها في العام ,1986 وتشكل هذه النسبة 75% من انتاج العالم الاجمالي. هذه هي احصائيات البرنامج الوطني لمكافحة المخدرات. التي يضاف اليها ان ربح زراعة فدان واحد من الافيون يعادل ربح زراعة 15 فدانا من القمح, فان كان لدى اثنين من ملاك الارض فدان واحد لكل منهما, فهل يزرعانه قمحا؟ ام افيونا؟ لا تتلخص الازمة الكامنة اذن في الصراع الداخلي في افغانستان, وهو صراع اودى بحياة بشر كثيرين, وجعل حياة من بقوا اقرب الى الجحيم. ثم انها لا تتلخص في اتهامات دول المنطقة لطالبان بتصدير التمرد المسلح الى هذه الدول, ولكنها تمتد اذا ما صدقت الاحصائيات الرسمية الامريكية الى مساحة اخرى, تلك هي تصدير 75% من انتاج العالم من الافيون الى سوق لا يكف عن طلب المزيد. هذه هي بعض ملامح الخريطة المعقدة التي تواجه تطبيق (الاجندة) الامريكية في الاهمية ولكن ما العمل اذا كانت هذه الاجندة بالغة الاهمية؟ لا مناص امام الولايات المتحدة من مواصلة بحث وسائل سحرية ما بوسعها ان تعيد الاستقرار لافغانستان, ليس حبا, في الشعب الافغاني المنسي بطبيعة الحال, ولكن لان ما ستحققه الولايات المتحدة من استقرار افغانستان يسيل اللعاب حقا. ذلك اننا لو نظرنا الى خريطة المنطقة, وحددنا مصادر الثروات البترولية المكتشفة هنا, والاسواق المتعطشة للطاقة في هذا الركن من العالم, لاكتشفنا فورا ان افغانستان هي ــ بالفعل ــ مفتاح خريطة الطاقة في آسيا الوسطى. ليس من حيث كونها مصدرا للبترول او الغاز في ذاتها, ولكن انها المعبر الوحيد ــ في بعض الحالات لهذه الثروات. الكنز لقد وجد الامريكيون كنزا في آسيا الوسطى, وحتى يمكنهم الخروج به لابد من عبور بوابة معينة هي بوابة افغانستان, ويعني ذلك انه طالما بقيت هذه البوابة مغلقة, فلا عبور, لا بالكنز, ولا بغيره. مثلا .. هناك كميات هائلة من الغاز الطبيعي في تركمانستان, وعلى بعد مرمى حجر هناك الاسواق الهندية والباكستانية التي تأكل اي غاز يصلها, ولكن هذا ( المرمى حجر) يعبر فوق الاراضي الافغانية كيف يمكن اذن نقل غاز تركمانستان الى هذه الاسواق دون استقرار افغانستان. لقد حاولت شركة يونيكال الامريكية ووصلت بالفعل الى اتفاق مبدئي مع طالبان التي كانت ستحصل على دخل طيب من امتيازات العبور, ولكن حين ذهبت يونيكال الى مصادر التمويل للحصول الى قروض بناء الخط طالبتها هذه المصارف بالانتظار حتى تنتهي من دراسة مخاطر المشروع, وبعد الانتظار وصل يونيكال على التوالي اعتذارات لاسباب واضحة. ذلك ان هناك اطرافا كثيرة لا ترى ان من حق الامريكان الحصول على ثروات آسيا الوسطى وحدهم, الروس مثلا يقولون ان آسيا الوسطى هذه (تبعهم) انها الفناء الخلفي لروسيا, ثم ان روسيا كانت تحكم هذه المناطق ابان الاتحاد السوفييتي لماذا يصر الامريكيون اذن على استبعاد روسيا من اللعبة؟ وايران تعترض بدورها فتح طريق افغانستان يعني تخفيض الاهمية النسبية لطريق ايران. وترغب طهران ــ بطبيعة الحال ــ في وضع (العقدة في المنشار) بالنسبة لواشنطن .. لا مرور الا حين تأتي واشنطن وتعترف بحقوق ايران وبوزنها في المنطقة, وترفع هذا الحظر الابله الذي تفرضه عليها. بل ان الصين ايضا غير متحمسة لحدوث هذا كله على مقربة من حدودها الغربية دون ان يكون لها فيه رمية رام. فنحن نتابع الان مثلا عملية التقارب الحثيث بين بكين وعواصم جمهوريات آسيا الوسطى وذلك في رسالة واضحة للجميع, لا يمكن الغاء دور الصين الاقليمي. انها لعبة معقدة, بل وبالغة التعقيد, فالولايات المتحدة تريد ان يحل الاستقرار في افغانستان بواسطتها هي وحدها .. لا شريك . والمشكلة الواضحة الآن هي انها لا تستطيع ان تفعل ذلك. فقد وافقت على اشراك آخرين الا ان ذلك لم يحل المشكلة, بل خلق مشكلة اخرى, تلك هي ان هؤلاء الآخرين لا يثقون في واشنطن ولا في تمسكها ـ اذا ما حصل السلام ـ باحترام ادوارهم ومصالحهم. القضية اذن لا تقتصر على مجرد تصفية قوات التحالف الشمالي ووضع افغانستان كلها تحت سيطرة طالبان, انها مشكلة اقليمية ايضا, فحتى ان سيطرت طالبان على كل افغانستان واقامت الولايات المتحدة خطوط الانابيب التي تحكم بها فما الذي يمنع موسكو مثلا ــ او غيرها ـ من ارسال حفنة من الرجال يحملون شحنات متفجرة صغيرة لنسف هذا الخط وتعطيله؟ ثم ما الذي يمنع من تكرا هذا مئة مرة ان اصلحت واشنطن الخط مئة مرة؟ ان مثل هذا الخط يصبح (رهينة) للتناقضات الاقليمية وصراع المصالح, ولعل هذا ما دفع بممولي يونيكال الى الفرار من تمويل الخط الذي اقترحته الشركة. رغم ذلك فان واشنطن لم تفقد الامل, فالكنز كبير, بل وكبير جدا .. هناك الان اتصالات مع طالبان ورسائل لموسكو بان (حقها مضمون), ومحاولات لجمع خيوط تكفي للتقدم ولو خطوة واحدة, على الطريق. فان حدث هذا بعد عناء فان اوروبا تشحذ سكاكينها لمهاجمة ترتيب تم دون اخذ مصالحها في الاعتبار, ذلك ان الاوروبيين يصعدون الآن حملتهم ضد طالبان بدعوى ان الحركة هي في نهاية المطاف فريق من مهربي المخدرات ومنتجيها, ويعني ذلك ان على واشنطن ان تستعد لتلقي بعض اللكمات ـ على مسرح الرأي العام ـ ان هي تمكنت من بناء الجسور مع الحركة, وذلك من اللاعبين الاوروبيين الذين كانوا سيصمتون حتما عن حكاية المخدرات هذه لو ظفروا بحصة من الغنيمة. انه عالم غريب, بل ومضحك احيانا, ذلك ان ما يقال لا يمت احيانا بصلة لا للافعال ولا للنوايا.