بعـد عـام من فرضهــا العقوبات الدولية لم تركع طالبان بل قادت الغرب اليها

بيان الاربعاء : انقضاء يوم أمس تكون قد مرت سنة على العقوبات التي فرضتها الامم المتحدة في 14 نوفمبر 1999 على افغانستان لاجبارها على تسليم الملياردير السعودي اسامة بن لادن. وفي هذه السنة غيرت احداث كثيرة من مجرى الامور حتي توشك الولايات المتحدة ان تعقد تفاهما مع حركة طالبان التي تسيطر على اغلبية الارض الافغانية ما عدا 5% تسيطر عليها قوات احمد شاه مسعود المعارض. وتشكل افغانستان رقعة تتقاطع عليها وفيها المصالح الدولية كما تشكل بؤرة لاشتعال المنطقة او لاستقرارها. وحركة طالبان الحاكمة في اغلبها اليوم تواجه اتهامات كثيرة اهمها الارهاب وايواء ارهابيين هم جماعة الاخوان الذين يتصلون بوتائر ببن لادن. بوآخر ما واجهه الافغانيون هو تهمة تفجير المدمرة الامريكية (كول) في ميناء عدن جنوب اليمن, باعتبار طالبان تدعم بن لادن, وبن لادن هو المتهم الرئيسي في هذا الامر, لكن الولايات المتحدة التي وجهت هذه التهمة عادت فنفتها عنه لتبرئه, ولتشكل هذه التبرئة خطوة جديدة في احتمالات التفاهم مع حركة طالبان. ما الذي دفع امريكا لتغيير مواقفها وهل اثرت العقوبات المفروضة على طالبان حقا عليها, ومن هو المتضرر الفعلي من هذه العقوبات, واخيرا كيف تقرأ المستقبل القريب في ضوء الواقع الحاضر؟ من الواضح ان المصالح الامريكية التي يهددها انفجار الشرق الاوسط لم تستطع رصد اية امكانية تحريضية للقيام بضربة لافغانستان, محددة بمواقع بن لادن تشبه الضربة التي وجهتها في العام الماضي. فانتفاضة الاقصى اربكت الاجندة الامريكية وردتها الى سبيل التأني قبل القيام بفعل آخر قد يشعل انتفاضة اكبر من انتفاضة الاقصى, ولعل التقدم الذي احرزته حركة طالبان على حساب التحالف الشمالي المعارض هو الذي كرس الجهود السياسية بين طالبان والعالم الخارجي من جهة وبين طالبان وامريكا من جهة اخرى, فقد اصبحت المصالح الاقتصادية اهم عامل لتجنب اي تأزيم في الاوضاع الحالية بافغانستان. والعقوبات التي فرضت منذ عام اربكت دول الجوار الافغاني مثلما اربكت برنامج المساعدات الانسانية لافغانستان, كما انها قطعت الطريق على المشاريع الامريكية ـ الدولية في منطقة القوفاز. وليس جديدا ذكر ان افغانستان تتوسط الطريق بين الغرب ومصادر الثروة البترولية والغاز, فللمرور من الهند لاوروبا او من باكستان لاوروبا او من دول الاتحاد السوفييتي السابق الاسلامية لاوروبا وبالعكس يمر عبر الجسد الافغاني, ناهيك عن ان مشروع انابيب بحر قزوين, والقوقاز, لابد له من المرور ايضا بافغانستان, اضافة لثراء افغانستان نفسها البترولي والغازي والمعدني. حركة طالبان لم تكن مهتمة كثيرا بالعقوبات فقد جاء على لسان المحلق الاعلامي في سفارتها بالامارات العربية المتحدة: (ان الشعب الافغاني هو الذي سيتضرر وليس حركة طالبان من عقوبات الامم المتحدة على افغانستان. وتوضيح الملحق الاعلامي الافغاني كان: ان طالبان معتادة على الحرب وعلى المصائب ولذا فهم يستطيعون تدبير امورهم فالدنيا وفق قوله وجدت قبل البنوك. المسئول الافغاني في ذلك الوقت اشار الى ان حركة طالبان بامكانها وضع املاكها في حساب خاص اذ لا يجري التدقيق في حسابات الافغان غير الاعضاء في الميليشيا. وبالفعل فان الحظر الذي فرضته الامم المتحدة على شركة الطيران الرسمية (آريانا) و الارصدة الحكومية التي جمدتها لم تؤثر كثيرا على حركة طالبان, حيث ان الارصدة التي جمدت لا تكاد تكون موجودة فعلا ولم تقدم اية ارقام بشأنها, والحال نفسه مع الخطوط الجوية (آريانا) التي جمدت الولايات المتحدة رصيدها في البنوك الامريكية فهي لم تصل الى نصف مليون دولار وهو كل ما تملكه هذه الشركة التي ليس لها سوى ثلاث محطات منتظمة هي: الامارات العربية المتحدة, والسعودية, والمانيا. والمعروف ان طالبان لا تعتمد على ميزانية محددة ومستقره ولهذا فهي لا تراعي حدوث عجز او تضخم, وتقتصر ميزانيتها على مصروفاتها ولا تحتاج الى اللجوء لصندوق النقد او البنك الدوليين لتغطية العجز. والعقوبات التي فرضت منذ عام لم تؤثر على برنامج المساعدات لافغانستان لكنها اربكتها بالتأكيد. تقارير كثيرة اوجزت تأثير هذه العقوبات على الداخل الافغاني والخارج المحيط نذكر منها: 1 ـ قطع صلات الداخل بالخارج, ويقصد به نظام الاتصال والبريد. 2ـ عرقلة اعمال التجارة رغم انها لم تغلق الباب امامها. 3ـ زادت البطالة بتأثيرها على المؤسسة الوطنية التي تعمل على اساس منظم وبميزانية. 4 ـ ارتفعت الاسعار وغلت المعيشة مقارنة بالدخول الضعيفة للمواطنين الافغان. 5 ـ شجعت الهجرة من افغانستان للدول المجاورة مثل باكستان بالدرجة الاولى. 6 ــ تسببت بانهيار العملة. 7 ـ اربكت الوضعين الاجتماعي والاقتصادي داخل المناطق التي تسيطر عليها طالبان. اما على الصعيد الخارجي فقد اضرت هذه العقوبات مثلما نفعت الجارة باكستان, فهي الوحيدة التي بقيت وسيلة اتصال طالبان بالعالم الخارجي. وباكستان الدولة الاكثر تأثرا بافغانستان بسبب طبيعة العلاقات بينهما والحدود المشتركة الطويلة. حاولت باكستان حماية نفسها من تدفق جديد للاجئين الافغان, والتجار المتضررين فحجمت عدد الموجودين منهم على الاراضي الباكستانية واعادت النظر في اتفاقية الترانزيت الموقعة بين البلدين مستثنية السلع التي لا تحتاجها افغانستان. اما ايران فبرغم العداء بينها وبين طالبان الا انها فتحت حدودها بعد ايام من صدور قرار العقوبات الدولية على افغانستان مع الاخيرة. وقد وضع الايرانيون في حسابهم ان الافغان يشاركونهم العداء للولايات المتحدة وذلك يدعو للتقارب بينهما. فتحت ايران خط ترانزيت جديدا عبرها للتجار الافغان للوصول الى العالم واسواقه بخاصة دبي, وبعد ان اصبحت معظم الاراضي المتاخمة لايران تحت سيطرة طالبان اصبح لزاما على ايران ان تتجاوز عدائها وتنظر للامر الواقع, وهذا يؤشر انسجام طالبان مع محيطها الخارجي بالتدريج. الغرب كان متضررا من العقوبات التي فرضت على افغانستان بشكل غير مباشر وتفيد تقارير كثيرة ان طالبان اضطرت لفتح الباب على مصراعيه امام تجارة المخدرات لتغطية غلاء الاسعار الموقع من جهة ثم للضغط على الغرب من جهة اخرى خاصة بغياب الحوار والرقابة الدولية. العقوبات, بعد هذا, فرضت على الولايات المتحدة السعي لدعم التحالف الشمالي المعارض الامر الذي واجهت معه فشلا ذريعا بعد فشل التحالف في تحقيق اي انتصار يذكر, ومثلها باءت جهود الامم المتحدة بالفشل في اجبار طالبان على الخضوع لمطالبها, بل بالعكس اصبح الامر الواقع هو قبول سيطرة طالبان على 90% من الاراضي الافغانية وهو امر ينبغي التعامل معه في هذا الوقت وفي المستقبل اذا أريد لمشاريع القوقاز وبحر قزوين ومصالح امريكا والغرب ان تنفذ الى العمق الآسيوي الذي يسمى بـ (آسيا الوسطى). واشنطن ـ عصام الدين عبدالعزيز:

طباعة Email
تعليقات

تعليقات