بيان الاربعاء : الدكتور مكرم الطالباني, من الشخصيات السياسية المهمة في العراق. وقد كان أحد وزراء (الجبهة الوطنية) التي تشكلت, وانفض عقدها, في السبعينيات, وبقي بعد ذلك محافظا على علاقاته المتميزة مع كافة الاطراف, التي كان يضمها إئتلاف السبعينيات, واطراف اخرى لها شأن في الوضع العراقي .. ومن هنا يأتي دوره في تقريب وجهات النظر, ولاسيما فيما يتعلق بالقضية الكردية, وبالعلاقات العربية ــ الكردية, والكردية ــ الكردية. لذا ارتأت (البيان) ان يكون الحوار معه مفتوحا, وشاملا, بحكم ما يشكله وضع الكرد من عامل ربط بالوضع في العراق عموما, وبالحصار و (القضية العراقية). كانت البداية في الحوار مع الدكتور الطالباني, هي: * هل ترون امكانية للحوار المباشر, بين الحركة الكردية, أو (الحركات الكردية) والحكومة, في الوقت الحاضر؟ ــ الوضع الحالي في كردستان العراق, وضع غير طبيعي ... وهي في حالة انفصال عن الحكومة المركزية. ولكنها (لاهي حكومة منفصلة, ولا هي جزء من الدولة العراقية) من حيث الواقع. وقد مر على هذا الوضع حوالي عقد من السنين. ان استمرار الوضع بهذا الشكل, يصبح امرا واقعا, من الصعب تجاوزه او تغييره. وخلال هذه الفترة, كونت السلطة المحلية في كردستان علاقات مع دول الجوار, والدول الكبرى (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا), والعديد من الدول الاوروبية . فلا يمكن استمرار هذا الوضع من دون علاقات خارجية. ومن العوائق امام اقامة حوار مباشر (تمسك الحكومة بوجوب قطع الاكراد جميع العلاقات بالدول الاخرى ... مقابل اصرار الحركة الكردية على بقائها الى حين ظهور نتائج الحوار). وتستند الحكومة في موقفها هذا على كون القضية الكردية قضية داخلية, لا شأن للدول الاخرى بالتدخل فيها. وتتمسك الحركة الكردية القومية بأن المسألة الكردية هي مسألة دولية, لان كردستان الحقت بالعراق بقرار دولي من عصبة الامم المتحدة في اكتوبر 1925 .. اي بعد خمس سنوات من تأسيس الدولة العراقية, (ودون اخذ رغبات الاكراد بعين الاعتبار), وقد تعهدت الحكومة العراقية آنذاك, امام عصبة الامم, بمراعاة الحقوق الثقافية والادارية والاجتماعية .. اي ان تلك التعهدات عدت ذات شأن دولي, لا يجوز لحكومة العراق تغييرها الا بقرار صادر من عصبة الامم, ولكن الحكومات العراقية المتعاقبة خرقت تلك التعهدات, وعرضت الوجود القومي للاكراد الى خطر الافناء. انني اعتقد ان واقع هذه المسألة هو دولي وداخلي في آن واحد .. وان تمسك كل طرف بشطر من الواقع, وانكسار الشطر الآخر, يضع العراقيل امام البدء بالحوار, للوصول الى حل سلمي وديمقراطي لهذه المشكلة المعقدة. وحبذا لو اقتنع الطرفان باجراء هذا الحوار, بوساطة دولية محايدة, تلقي بضماناتها على المسألة, ويلتزم الجانبان بنتائجها). ان الحل السلمي معناه تعهد الطرفين بنبذ الالتجاء الى العنف نهائيا. والحل الديمقراطي معناه تمكين الشعب الكردي من التعبير عن ارادته الحرة, واحترام تلك الارادة, التي تأتي عن طريق الاستفتاء, او الانتخابات الحرة. احزاب ذات برامج واضحة * تطرح الحركة الكردية, باطرافها المختلفة, مسألة (الديمقراطية اولا), كضمان لحل القضية الكردية, والعمل على انهاء الاوضاع الاستثنائية, بينما ترى الحكومة ان الاولوية لانهاء الحصار والاوضاع الاستثنائية .. هل بالامكان ايجاد معادل مشترك بين الطرحين؟ ــ اعتقد ان في الموضوع بعض (الابهام) .. ان للديمقراطية معان متباينة, ولكل بلد في العالم ظروفه الخاصة, انني اعتقد, بالنسبة لبلد كالعراق, حيث تبلورت الاراء السياسية المتمثلة بالاحزاب السياسية ذات البرامج الوطنية الواضحة .. فان سلم الديمقراطية يجب ان يشمل كل القوى والفئات التي تدافع عن مصالح الاكثرية من الشعب, لا مصالح الاقلية.وعندما حضر وفد الجبهة الكردستانية سنة 1991 الى بغداد, للحوار مع الحكومة, كانت مسألة الديمقراطية والتعددية (الفقرة الاخيرة) في جدول اعمال المباحثات. بالنسبة لي ارى أن الديمقراطية ستكون تحصيل الحاصل عندما يصل الحوار الى نهاية ناجحة, لان الاتفاق يتضمن السماح بالنشاط الحزبي, وتشكيل حكومة إئتلافية .. ومن الاوفق ان يكون التحالف بين القوى الوطنية اساسا للائتلاف الحكومي.ان التوصل الى حل ناجح للمسألة الكردية, يؤدي الى فتح الباب امام الديمقراطية, كما انه سيساعد على انهاء الحصار والاوضاع الاستثنائية, فالمشكلة الكردية هي احدى الورقات التي تراهن عليها الولايات المتحدة وبريطانيا لادامة الاوضاع الاستثنائية والحصار, فاذا ما تم اسقاط هذه الورقة من ايديهما, تضعف الحجج لبقاء تلك الاوضاع . فالمسألة الكردية هي نفسها معادل مشترك بين الطرفين او بين الطرحين. المصداقية اولا * الخطوات الاولى كانت كثيرة, واجهاضاتها كانت كثيرة ايضا .. ماهي في نظركم الخطوة الاولى المفترضة, لبداية مرحلة جديدة بالنسبة للقضية الكردية .. لاسيما وان هناك ازمة ثقة متبادلة؟ ـ المسألة الكردية مسألة معقدة, وتعقيداتها تأتي من كونها مسألة داخلية عراقية, ومسألة دولية, لا يمكن تجاهل اي منهما .. وان اجهاض الخطوات التي سارت عليها الحكومة لايجاد حل لهذه المشكلة هو نتيجة لهذه العلاقات المعقدة .. وكثيرا ما اخذت الحكومة والجانب الكردي هذه العلاقات بنظر الاعتبار عند البدء بالحوار والاتفاق على بعض الامور. وهناك بعض الوقائع تؤثر سلبا على ايجاد حل لهذه المشكلة, فهي التداخل القومي في بعض المناطق, فاذا ما وجدت النية الحسنة لحل المشكلة, فان ذلك يقتضي عدم تغيير هذا الواقع, بشكل يؤثر سلبا على حل المشكلة . اذ تجرى الآن تغييرات سكانية في بعض المناطق, مما يزيد من شكوك الاكراد في مصداقية الطرف الآخر, لايجاد حل صحيح للمشكلة .. وهذه مسألة خطيرة قد تؤثر على مستقبل العلاقات التاريخية والنضالية بين العرب والاكراد. * هل يمكن اعتبار قانون الحكم الذاتي, قاعدة انطلاق, نحو صيغة ملائمة للاطراف المعنية؟ ام ان قانون الحكم الذاتي هو القمة التي بعدها المنحدر... ؟ ــ الزمن والواقع قد تجاوزا قانون الحكم الذاتي, ان قانون الحكم الذاتي جرت ممارسته من قبل الحكومة, وحزب البعث العربي الاشتراكي, دون مشاركة الاطراف الكردية الحالية, والحياة لم تُزك صلاحية الحكم الذاتي, ولا كيفية ممارسته لحل المشكلة الكردية .. لذا فان قانون الحكم الذاتي ليس القمة, ليكون بعدها المنحدر .. ! هناك حلول اخرى, وتجارب اخرى, لحل المشكلة في بلد متعدد القوميات, والاكراد لا يشكلون اقلية ذات اهمية قليلة, فهم ثاني قومية في العراق, يزيد نفوسهم على خمسة ملايين (بقدر سكان العراق كله في الخمسينيات), وذلك حسب تقديرات دائرة الاحصاء المركزية, وهم يعيشون في رقعة واسعة من البلاد. لقد اخذت العديد من الدول بتجربة النظام الاتحادي, ولم يذكر التاريخ ان دولة اتحادية راعت الحقوق الدستورية للقوميات الاخرى, كانت ضعيفة, او ادى الاتحاد الى ضعفها, بل العكس تماما. فقد كانت (الفيدرالية) مصدر قوة تلك الدول والحكومات ومحاولات خرقها ادت الى اضعاف الجميع. تجاهل صّمام الامان! * عندما نقول (الاطراف المعنية), نقصد على وجه الخصوص الحكومة والحركة الكردية في كردستان العراق .. ولكن المفهوم الأعم هو ان هناك تداخل اطراف واطراف .. حكومات وحركات واحزاب, سواء بالنسبة للجوار, او على الصعيد الدولي .. ماهو تأثير كل ذلك؟ ــ الاطراف المعنية بحل المسألة الكردية, يمكن حصرها داخليا بالحكومة وحزب البعث العربي الاشتراكي من جهة, والجبهة الكردستانية التي كانت قائمة اثناء الحوار في سنة 1991.وفي ربيع ,1991 سافرت الى كردستان (كوسيط بين الطرفين) وفي لقاء حضره ممثلو الاحزاب الكردستانية, بمن فيهم ممثل الحزب الشيوعي العراقي, تم الاتفاق على ارسال وفد موحد الى بغداد, لاجراء المباحثات السلمية, وقد استغربت عند مجيء الوفد, ولم يكن فيه ممثل عن الحزب الشيوعي, الذي كنت اعقد على وجوده الآمال في تقريب وجهات النظر بين الطرفين, لاسباب عديدة, منها ان الحزب الشيوعي يمثل الكفاح المشترك بين القوميتين العربية والكردية, وله استقلالية تامة حيال الاوساط الدولية, الاقليمية والاوروبية, ويمكن ان يلعب دوره الفعال في تطويق نقاط الخلاف اثناء المباحثات .. (ويظهر ان كلا الطرفين تجاهلا اشراك الحزب الشيوعي في المباحثات), وان مداخلاتي الهامشية بين الطرفين لم تكن كافية لتقريب وجهات النظر. لاشك ان الاطراف الاخرى, حكومات وحركات واحزابا .. في الجوار, وعلى الصعيد الدولي, تمارس تأثيراتها على الوضع .. ولكن تلك التأثيرات سلبية, اذا سرنا في طريق الحوار والحل السلمي, لان معظم تلك الاطراف يهمها استمرار النزاع, دون الاكتراث بمستقبل الشعب الكردي, وما عاناه من مآس ونكبات. ولكل من تلك الاطراف مصالحها الخاصة التي تتناقض مع مصالح وحدة العراق ووحدة القوميات في العراق .. وقد يسير الحوار بين الحكومة والاطراف الكردية بالضد من اتجاهات الاطراف الاخرى, ولكن الحل السلمي للمشكلة يفوت الفرصة امام كل الذين يريدون استمرار النزاع القومي. الخلاف شيء طبيعي * ماهو تأثير الخلاف الكردي ــ الكردي على مجمل ما يتعلق بالقضية الكردية ..؟ ــ الخلاف الكردي ــ الكردي, وان كان ذا طبيعة سلبية, او تأثير سلبي, ويضعف موقف الاطراف الكردية, الا انه شيء طبيعي يقتضي عدم التطير منه, وهذا النوع من الخلاف موجود في العديد من البلدان. فالمجتمع الكردي مجتمع طبقي, تبلورت فيه المصالح الطبقية, ولكل فئة او طبقة ايديولوجيتها المعبرة عن تلك المصالح .. ولكن .. هناك شيء مشترك بين الجميع, وهو نيل الاكراد حقوقهم القومية ضمن جمهورية العراق .. وهذا شيء ايجابي لايجاد حل للمشكلة, فاذا كانت هناك بعض المواقف المتباينة من الشكل الدستوري لهذا الحل يمكن التوصل الى لغة مشتركة بين الاطراف المعنية. الوسيط الدائم * بالنسبة للعلاقات الكردية ـ الكردية, والعلاقات الكردية مع الحكومة المركزية .. هل ترون بصيص أمل؟ وهل قمتم بوساطة, او بذلتم جهودا شخصية .. وماهو مدى الاستجابات؟ ــ قلت في مستهل تصريحاتي, ان كلا الطرفين جربا, لسنين طويلة, استعمال العنف, وكان نصيب الكرد من هذا العنف مالا يتصوره العقل من الالام والمآسي والنكبات .. ونال العرب من ذلك الكثير ايضا. وجاء في مقدمة ميثاق العمل الوطني, الذي اعلنه حزب البعث سنة 1971: ( يمكن استخلاص عبر كثيرة, تتقدمها حقيقة اساسية, هي: ان من ابرز اسباب قدرة الحركات الثورية العربية على تحقيق النصر, وعيها لدور العمل المشترك, والتحالف بين فصائلها ... كما ان من ابرز اسباب هزائمها ونكساتها, نزوع فصائلها الى تغليب التناقضات الثانوية فيما بينها على التناقض الرئيسي القائم بينها من جهة, وبين الاستعمار والصهيونية والرجعية من جهة اخرى). انني لم أتوقف في اية فترة عن المداخلة لدى الطرفين, وبمستويات عالية, سواء لانهاء الخلافات بين الاطراف الكردية, او بينها وبين الحكومة, وعلى الرغم من الصعوبات الكثيرة التي واجهتها في جهودي الخاصة, وقلة الاستجابة من الطرفين ... مازلت اعتقد بامكانية تضييق نقاط الخلاف, ان تراجعت الاطراف المعنية عن بعض الممارسات المضرة بالوحدة الوطنية, واعتبرت هذه الوحدة هي الاساس في بناء عراق قوي متحرر ومزدهر. الديمقراطية للشعب * الحصار المفروض على العراق الحق اضرارا جسيمة بالبنية التحتية للكردستان . ومع ذلك يبدي الكرد تحفظات حول موضوع رفع الحصار, لانه يعني الغاء مذكرة التفاهم, وما الى ذلك . هل الضمانات الدولية (التي لايثق بها الكرد) تكفي لازالة تحفظاتهم ..؟ ام البديل الديمقراطي؟ ــ هدف الحصار هو تحطيم البنية التحتية للاقتصاد العراقي, واستهلاك رؤوس الاموال المتأتية من عوائد النفط, وعدم استخدامها للتنمية الاقتصادية .. وهو اسلوب من اساليب الاستعمار الحديث. لقد الحق الحصار اضرارا جسيمة بالبنية التحتية للاقتصاد الكردي, ولكن .. لم تكن تلك الاضرار كلها بسبب الحصار, فقد الحقت الحملات العسكرية, و (التمايز) من قبل الحكومات المتعاقبة افدح الاضرار بالاقتصاد الكردي .. وعندما فرض الحصار, لم يكن قد بقي في كردستان ما يتضرر بالحصار. فقد كانت كردستان (مدمرة تماما). واقولها صراحة .. ان اتفاقية النفط مقابل الغذاء والدواء قد ادت الى انتعاش الحياة الى حد ما, بين المواطنين الاكراد ..لكن تحفظات الاكراد ليست على رفع الحصار, بل على الخشية من عودة الحملات العسكرية على كردستان, وقطع المساعدات المتأتية من (مذكرة التفاهم) ان الاكراد يعانون ما يعانيه العرب من الحصار.وعلى سبيل المثال .. ارادت السلطة المحلية في السليمانية تشغيل معمل السيكاير هناك, ولكنه كان يفتقر الى مرشحات (فلتر), ارادت السلطة شراءها من الخارج, فاعتذرت كل الدول المجاورة عن قبول ادخالها, بحجة مخالفة ذلك لقرارات الحصار.ان هذا الامر من اهم العوامل التي تتطلب البدء في السير على طريق حل المسألة الكردية, قبل التفكير بالمسائل الاخرى. واذا كان القصد من تعبيركم (البديل الديمقراطي) هو ما تطرحه بعض اطراف (المعارضة) . اي فتح الابواب على مصاريعها لعودة القوى التي اسقطتها الثورة, فانا لا اتفق مع هذا الرأي . البديل هو: (الديمقراطية للشعب, وحجبها عن اعدائه). حكومة ائتلاف وطني * كيف تنظرون الى آفاق الديمقراطية, والتعددية السياسية, في العراق؟ ــ تكونت في مسيرة النضال الوطني احزاب سياسية ومنظمات اجتماعية واتحادات عمالية وطلابية ونسوية .. الخ, تكتسب المسألة العلاقات الديمقراطية بينها اهمية خاصة. يعتقد العديدون ان في العراق حزبا واحدا, هو حزب البعث العربي الاشتراكي, ولا يوجد سواه, ولكن هذا الاعتقاد خاطىء .. فهناك احزاب اخرى تكونت تاريخيا, وما زالت تمارس نشاطها (خارج قانون الاحزاب والجمعيات), فمن الضروري ايجاد علاقات ديمقراطية بين تلك الاحزاب والمنظمات. ان افضل السبل لعودة الديمقراطية الى العراق, هو العودة الى (التحالف الوطني) وتشكيل حكومة ائتلافية, ان وحدة القوى الوطنية شرط اساسي وضروري للخروج من الازمة الحالية, ولكي يأخذ العراق دوره في السياسة العربية والدولية. * في حواراتي مع بعض القادة الكرد, اكدوا تمسكهم بـ (اقتصاد السوق), بينما النهج المعلن للحكومة عكس ذلك. هل التقريب بين النهجين افضل (في المستقبل) . ام اتباع تجربة (هونج كونج)؟ ــ اذا كان القصد من (اقتصاد السوق) هو فتح الابواب امام (العولمة) .. فان الذين ضحوا باقتصادهم الموجه, وركضوا وراء اقتصاد السوق, لم يجنوا من ذلك الا الخسران المبين. ان تجربة (هونج كونج) تختلف, فهونج كونج هي بمثابة قطرة في بحر الصين الذي يأخذ الاقتصاد الموجه .. ولا تتمكن الولايات المتحدة , او الدول الرأسمالية الاخرى, التسلل الى داخل الصين من خلال هذه البوابة. والعديد من الحكومات تشعر الآن بوطأة (العولمة) بما فيها العديد من الدول الاوروبية. * على ذكر (هونج كونج) .. ان اقتصاد السياحة في كردستان, هو (النفط الذي ينضب) .. كما يقال, الا ترون في ذلك دافعا قويا لاعادة الوحدة الوطنية, او ان يكون على الاقل الدافع الى الخطوة الاولى؟ ـ لا يمكن مقارنة اقتصاد السياحة في كردستان بالنفط, فالعالم بحكم سرعة الاتصالات ووسائط النقل, تحول الى (قرية صغيرة) كما يقال .. فماذا يرى السائح في كردستان ؟! ان الذين يريدون صرف مبالغ من اموالهم في اوقات الفراغ او الاستجمام , يسافرون الى اوروبا او امريكا .. يجدون فيها ما يريدون .. ويمكن ان تكون كردستان محلا للاستجمام والراحة للعراقيين, الذين يتعذر عليهم السفر الى الخارج لقضاء العطل والاجازات. ان الوحدة الوطنية تتحقق عندما تقدم الحكومة على التنمية الاقتصادية في كردستان, دون تمييز او تفريق. حق الانفصال * في كردستان, يؤكدون ان أية دعوة انفصالية هي (تخريب للقضية الكردية) حسب ظروف العراق والمنطقة والعالم . اليس في ذلك مخالفة للتوجهات القومية للكرد .. ؟ ــ الانفصال هو حق من حقوق اية قومية تطالب بحق تقرير المصير .. وهو جوهر هذا الحق. ولكن الانفصال ليس حقا اجباريا على الشعب ممارسته. يكون الانفصال اجباريا في حالتين: الاولى: اذا كان البلد جزءا من النظام الاستعماري, فيكون الانفصال عن النظام الاستعماري ليس حقا فحسب, بل واجبا قوميا لابديل له. الثانية ــ عندما يؤدي بقاء قومية من القوميات مع الاخرى الى القضاء على ثقافتها القومية ولغتها واقتصادها الوطني, ويهدد وجودها القومي. ففي هذه الحالة لا يبقى مايبرر التمسك بوحدة (التراب) اما في البلدان التي تكونت تاريخيا من وجود عدة قوميات, فان الحل يختلف .. الحل الافضل لجميع القوميات, في بلد متعدد القوميات, هو الاعتراف المتبادل بحقوق بعضها البعض, واتحادها وتعاونها. وعندما يدعو الاكراد الى الفيدرالية ضمن عراق موحد, يرون في ذلك مصلحة الكرد والعرب على السواء, من ناحية تنمية الثقافة الديمقراطية والاقتصاد الوطني ووحدة السوق والدفاع عن مكتسبات الشعب واستقلال البلاد. وفي كل الاحوال, يبقى حق الانفصال حقا مشروعا, ولكن ليس اجباريا, ويكون هذا الحق ضمانا للحيلولة دون الاقدام على سلب الحقوق القومية في ظل الوحدة. تفاصيل الاتفاق والخلاف * باعتباركم (وسيطا دائما) . هل يمكن ان توضحوا بعض تفاصيل ما تم الاتفاق عليه .. وما جرى الاختلاف فيه .. والحلول المقترحة؟ ـ كانت في جدول الاعمال, في الحوار الذي جرى سنة ,1991 اربع نقاط هي: 1 ـ تطوير قانون الحكم الذاتي. 2 ــ تطبيع الاوضاع في كردستان. 3 ــ تحديد المنطقة الكردية. 4 ــ الديمقراطية والتعددية الحزبية. تم اعداد ورقة عمل بالنسبة للفقرتين (1) و (2) فبالنسبة للفقرة الاولى (تطوير قانون الحكم الذاتي), حدث خلاف بين الاتحاد الوطني الكردستاني, برئاسة جلال الطالباني, الذي رأى ان ورقة العمل المعدة حول الحكم الذاتي هي أقل من الحكم الذاتي المطبق منذ سنة ,1975 في حين اعتبرها الحزب الديمقراطي الكردستاني, برئاسة مسعود البارزاني, اكثر تطورا من ذلك.والنقطة (2), وهي تطبيع الاوضاع في كردستان, وتقضي باعادة العشائر العربية التي تم اسكانها في المنطقة المختلف عليها الى اماكنها السابقة, واعادة الاكراد المرحلين عنها الى اماكنهم ( في اعتقادي ان هذه المسألة اهم نقطة تم الاتفاق عليها), فلو تم تنفيذ هذه الفقرة دون ربطها بالفقرات الاخرى, لمهد ذلك الطريق للتغلب على باقي النقاط.في المراحل النهائية للحوار, وعندما اشتد الخلاف بين الطرفين حول المناطق التي كانت الحكومة تتمسك بها, وهي (خانقين وكركوك وشيخان), سألني جلال الطالباني عن رأيي في قضية كركوك. سألته بدوري, هل انهم اتوا لكسب الوقت ام للتفاهم والاتفاق, وكان جوابه, انهم يريدون ـ مخلصين ــ الوصول الى اتفاق فقلت له: (ان موضوع كركوك لم ينضج حله في الوقت الحاضر, فما دمتم قد توصلتم الى الاتفاق على تطبيق الاوضاع هناك, اتركوا هذه القضية لتحلها الحياة في المستقل . وحل المعضلات في ظروف التفاهم افضل بكثير من حلها في ظروف الخلاف والفرقة) .. وكان جلال الطالباني ومسعود البارزاني موافقين على هذا الرأي. فلو تم الاتفاق على تنفيذ الفقرة (2), وهي تطبيع الاوضاع في المناطق المختلف عليها, لعادت الثقة بينهما. ولما كانت الفقرة (3), وهي حدود المنطقة التي تتمتع بالحقوق القومية موضع خلاف, فان الفقرة (2) تضمن حقوق القوميات والاقليات الموجودة, وتحول دون تغيير الواقع القومي في هذه المناطق. ان من الصعب تجاوز الواقع القومي في منطقة من المناطق, فاذا كان هذا الواقع عائقا امام حل معضلة من المعضلات, على المرء تغيير هذا الواقع الى الاحسن, ليساعد على حل المعضلة, لاتغييره الى الاسوأ, بحيث يعقد المعضلة اكثر. وقد حاولت ــ كوسيط ــ دفع الحكومة للقيام بتنفيذ ورقة تطبيع الاوضاع في تلك المناطق, ولكن التمسك بالمقولة (اما الاتفاق على جميع المسائل او عدم الاتفاق) يرجح كفة عدم الاتفاق. ويعتبر الاكراد ان لتحديد المنطقة اهمية كبيرة في التمتع بالحقوق القومية, في حين تتمسك الحكومة باعتبار المناطق التي فيها (جزرات) غير كردية, مهما كانت نسبتها الى الاكثرية الكردية, خارج المنطقة التي ستتمتع بالحقوق القومية .. وهذا ما لاتوافق عليه الاطراف الكردية.ان بيان (11 مارس) وضع اساسا صحيحا لحل هذه المشكلة, فقد اعتبر المناطق التي فيها (كثرة كردية) ضمن المنطقة الكردية, واخذ احصاء سنة 1957 (المعتمد حاليا في بغداد), والذي لم يجر فيه تغيير الواقع القومي, اساسا لتحديد نسبة السكان, ومعرفة الواقع القومي.فلو تم الاتفاق على تطبيع الاوضاع هناك, لكان من شأن ذلك ارضاء الجانب الكردي للحفاظ على حقوق الاكراد في المناطق المختلف عليها, ومن شأنه كذلك ارضاء الحكومة المركزية في بقاء هذه المناطق مرتبطة بها, ويستمر الحوار الودي بشأنها ولعادت الوحدة الوطنية الى البلاد بصورة سلمية. واذا كان جوهر الخلاف على تلك المناطق هو وجود مواد طبيعية (النفط) فان هذه الموارد ستبقى لشعب العراق جميعا, وتدار من قبل الحكومة المركزية في كل الاحوال. تغيير سكاني اما اجراءات التغيير السكاني في تلك المناطق, باسكان العشائر العربية فيها, واجبار القوميات غير العربية على التخلي عن قوميتها .. فيكفي ان نتعلم درسا من تركيا, التي انكرت لمدة قرن وجود القومية الكردية في تركيا, واعتبرت الاكراد (اتراكا جبليين) فحركت بذلك المشاعر القومية الكردية, لتظهر بشكل اكثر عنفا, وكلفت تركيا (لقمع تلك المشاعر العنيفة) كل موارد البلاد.وبعد ان تركت في البلاد الكثير من النكبات والمآسي, تريد الآن العودة الى تحكيم العقل, والاعتراف بالواقع .. فاصبحت المسألة الكردية هناك ايضا مسألة دولية اكثر من كونها مسألة داخلية .ومن نافلة القول .. ان جريدة (الثورة) العراقية, الناطقة بلسان حزب البعث العربي الاشتراكي, كانت قد نشرت في عددها ,433 في 26 يناير 1970: (لا يجوز ابدا البحث في الصيغ والاشكال الدستورية والادارية التي تمكن الشعب الكردي من ممارسة حقوقه القومية, المجادلة حول اشبار من الارض, وما يكون منها كرديا او عربيا .. الخ), ولكن .. يتساءل المرء, لماذا الاصرار على تغيير الاوضاع الطبيعية في تلك (الاشبار من الارض), مادام يحول دون عودة الوحدة الى الوطن؟, فإذا كانت المجادلة على اشبار الارض تسبب الفرقة والخلاف, فان حسمها ينصب على الطرفين, وليس على الطرف الكردي فقط, ما دامت تلك الاشبار من الارض تبقى ارضا عراقية. فاذا فكرت كل الاطراف في العراق, كما كانت تفكر في سنة ,1970 لما اصابت البلاد كل تلك النكبات والمصائب .. وعليهم ان يكونوا (رحماء بينهم) و (اشداء على الكفار) . عليهم التفتيش عن اعمال تزيد من المودة والمحبة بين القوميات والاديان والطوائف, وتشد بعضهم الى بعض, لا الاجراءات التي تزيد النفرة والكره. ان وجود الاقوام والاديان والمذاهب في العراق, يجب ان لا يكون نقمة, بل نعمة, ليعيشوا متآخين متحابين.