بيان الاربعاء ، تؤشر زيارة نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام لتركيا مرحلة جديدة من العلاقات السورية التركية, وتعد الاولى لمسئول سوري رفيع منذ توقيع اتفاق اضنه في اكتوبر عام 1998. واتفاق أضنه الذي اخمد نيران حرب اوشكت ان تشتعل بين الجارتين اللدودتين هدف لايقاف الدعم السوري لحزب العمال الكردستاني وزعيمه عبدالله اوجلان وهو احد البنود المهمة التي بحثتها دمشق مع تركيا وكانت اهم الشروط لقبول الاتفاق حول اعلان مبادىء. والصراع التركي السوري قديم العهد يرجعه بعض المؤرخين للحقبة الحديثة الى خمسة قرون, ولذا فان الاتفاقية التي يجري الاعداد لتوقيعها والتي تعد شاملة للمجالات الامنية والاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية تأخذ أهمية قصوى في ضوء التوترات الحاصلة في الشرق الاوسط. مراقبون كثر يرون في اتفاق دمشق ــ انقرة نقطة بداية مرهونة باصرار تركيا على المضي فيها الى حدود آمنة مع جارة عربية مهمة لها, اذ ان نفس المراقبين يشككون بقدرة تركيا على تجاوز علاقاتها الاستراتيجية مع اسرائيل عدوة سوريا, والعرب معا. ملفات كثيرة كانت لا تزال مفتوحة بين سوريا وتركيا, وتاريخ قديم من الصراع فما هي خلفيات هذا الصراع وكيف يمكن فهم الواقع على خلفيته وعلى رقعة تشابك المصالح بالمنطقة؟ استخدمت تركيا طيلة فترة خلافاتها مع سوريا ما اصطلح على تسميته بـ (الكماشة الاستراتيجية) التي ضيقت بها على سوريا وتلك كانت قضية المياه, وعلاقات تركيا باسرائيل. والموقف التركي من سوريا يرتبط بجوانب تاريخية لا علاقة لها بداية بالصراع العربي ــ الاسرائيلي على الاقل حتى فترة ما قبل التحالف التركي ـ الاسرائيلي, فهناك احساس في الوعي السياسي التركي بان سوريا هي اول دولة عربية انفصلت عن الامبراطورية العثمانية, وتأتي قضية المياه كسبب آخر للمجابهة باشكال مختلفة بين الدولتين, ثم جاء اهداء فرنسا لواء الاسكندرونة لتركيا لتعميق الشرخ بين الدولتين المتجاورتين. وترى مصادر كثيرة ان جذور الصراع بين البلدين تعود الى الحرب العالمية الاولى بعد هزيمة تركيا وتحت ضغط يهود الدونمه جاء ضابط تركي اسمه مصطفى كمال اتاتورك الذي يعد ابو الاتراك مشبعا بالافكار الغربية واطاح بانقلاب عسكري بالدولة العثمانية معلنا الجمهورية ولاغيا بقراراته اية علاقة مابين تركيا والعرب والاسلام. ومنذ عام 1923 اعتبرت تركيا نفسها دولة علمانية حديثة تأخذ بنظريات التطور الغربي في محاولة لتكوين دولة اوروبية, كما استمر الاتراك يرددون ان العرب خذلوهم في الحرب العالمية الاولى وحاربوا الى جانب الانجليز والفرنسيين ضدهم عندما اعلن الشريف حسين عام 1916 الثورة على الاتراك عندما وعدته بريطانيا وفرنسا بدولة عربية مستقلة, وبعد مجيء اتاتورك ارادت الدولتان الاستعماريتان مكافأته فمنحتاه لواء الاسكندرونة وشريطا حدوديا لا يزال منزوعا من وطنه الأم حتى اليوم. وعند قيام دولة الكيان الصهيوني كانت تركيا الدولة الاسلامية الوحيدة التي اقامت علاقات معها وتوسعت في مجالات عديدة منها ماهو استراتيجي وعند استقلال سوريا لم تبد الحكومات التركية اية مشاعر ودية, ولم تتعامل بنية سليمة بل كانت دائما تقف الى الجانب المعادي للعرب, فكانت عضوا في حلف بغداد ثم انضمت للحلف الاطلسي ـ الناتو ـ ولا تزال حتى الآن عضوة فيه ولذا فهي وفق هذا المنظور متحالفة اصلا مع اسرائيل وليست بحاجة لاقامة حلف عسكري معها. تركيا واسرائيل والمياه بدأت تركيا بالتعدي على المياه السورية منذ مطلع الخمسينيات, فقطعت مياه نهري قويق وابو الذهب عن مدينة حلب اضافة لانهار صغيرة كانت تروي مناطق زراعية شرق حلب. ووفق الاتفاقات الدولية المعقودة بشأن المياه بين الاطراف العربية وتركيا فان تركيا تكون قد خالفت بذلك الاتفاقية الدولية لتوزيع مياه الانهار المشتركة بين دولتين او اكثر بقطعها مياه نهر الفرات عن سوريا وعن العراق, كما انها رفضت عقد اجتماع للاتفاق على توزيع مياه النهر بين تركيا وسوريا والعراق وفق الاتفاقية الدولية. وعززت تركيا علاقتها بالعدو الصهيوني فسمحت له بالتجسس من اراضيها على سوريا اضافة للتنسيق الكامل بين جهازي المخابرات التركي والاسرائيلية, في دائرة التآمر على سوريا وبقية الدول المتاخمة لتركيا من العراق وايران. والتعاون التركي ـ الاسرائيلي يستند اساسا لاستراتيجية امريكا في ترسيخ موقع اسرائيل في المنطقة وتكريس عدم الاستقرار بين دولها لخدمة المصالح الاسرائيلية, ورغم ان تركيا قامت منذ عام 1923 بصورة دولة علمانية حديثة آخذة بنظريات التطور الغربي, لكن تحالفها مع اسرائيل قام على اسس دينية. تطورت هذه العلاقة بين تركيا واسرائيل بشكل طبيعي مع تنامي مصالحهما المشتركة في المنطقة حتى آلت الى اتفاق استراتيجي يعد تحالفا خطيرا تستطيع بموجبه اسرائيل من استخدام القواعد والمطارات الجوية التركية مقابل ان تقوم اسرائيل بانشاء شبكة واجهزة تنصت وانذار مبكر على حدود تركيا مع كل من سوريا والعراق للكشف عن نية تحرك قواتهما تحت ذرائع اكتشاف تحركات فصائل حزب العمال الكردستاني. وقعت تركيا واسرائيل في اطار ذلك الاتفاق اكثر من اربعة عشر مشروعا عسكريا شملت العديد من اوجه التعاون خاصة في مجالات تحديث وتصنيع الطائرات او التطوير المشترك للصواريخ المضادة للصواريخ او الدبابات, مع اجراءات مشتركة دورية للمخاطر والتهديدات التي تتعرض لها الدولتان على مستوى الفنيين كل ثلاثة اشهر وعلى مستوى وزراء الدفاع ورؤساء اركان الدولتين كل ستة اشهر, مع تبادل المعلومات الاستخباراتية بينهما. هدفت تركيا من تحالفها مع اسرائيل ايضا الى تحديث قواتها المسلحة لمواجهة ما اسمته بالتهديدات الرئيسية مثل تنامي التيار الاسلامي الداخلي او المد الثوري الايراني, او خطر تهميش تركيا من النظام الامني المنتظر للشرق الاوسط والذي تخطط له الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد تسوية الصراع العربي الاسرائيلي وترتيب الاوضاع في العراق. وفي تقرير لمركز التقويم الاستراتيجي الامريكي تم الكشف عن اهداف بعيدة المدى للتخطيط لمستقبل تركيا حتى عام ,2020 فقد ذكر ان الاحداث بعيدة المدى للمؤسسة العسكرية التركية تركز فقط على ثلاثة اهداف استراتيجية هي: * اولا: تحويل تركيا الى قوة نووية بحلول عام 2020. * ثانيا: تحول تركيا من الارتباط الاوروبي الى الارتباط الاطلسي مع التوسع المنتظر لدور تركيا الذي يؤهلها لتكون حلقة الوصل بين الشرق والغرب او جسرا ثقافيا واستراتيجيا يترجم المواقف الامريكية والاوروبية في منطقة واسعة تمتد من موريتانيا الى الجمهوريات الاسلامية في آسيا الوسطى وبالقدر الذي يمنع اي امتداد للحركات الاصولية الثورية من جانب ايران, مع استمرارها كمانع للمد الروسي وكبح جماح القوة العراقية اذا عادت للظهور يوما ما. * ثالثا: احتمال قيام تركيا واسرائيل بغزو سوريا واعادة رسم خريطة كل من العراق وسوريا, اذا رأت الولايات المتحدة ذلك في اطار صياغتها لشرق اوسط جديد, لتركيا واسرائيل دوران محوريان فيها على حساب الدول العربية فما هي مفردات هذين الدورين: اهداف ومحاور وسياسات رغم ما يبدو على السطح من تباين بين اسرائيل وتركيا الا ان هناك اهدافا كثيرة مشتركة بين الطرفين منها: * اولا: منع اي تضامن عربي حتى في حده الادنى وتشجيع الصراعات العربية العربية التي هي مصدر قوة لاسرائيل وهي مبرر امريكي لطلب المساندة منها واستمرار دورها الفعال في المنطقة. * ثانيا: تعطيل اي تنسيق اسلامي ـ عربي مشترك وفي مقابل ذلك تعزيز الحلف الامريكي ـ الاسرائيلي بدعم امريكي. * ثالثا: عزل الدول العربية عن بعضها البعض وتقييد تأثيرها خارجيا وخاصة في الامم المتحدة. وتأتي هذه الغايات والاهداف لتخدم سيناريو المشروع الامريكي في المنطقة العربية في اطار الرؤية الشاملة الامريكية للمنطقة والذي يستند الى: 1ـ المماطلة الاسرائيلية في تنفيذ الاتفاقات مع الفلسطينيين وتأجيل القضايا الكبرى (القدس, اللاجئين, والمستوطنات) ليصبح اي مشروع امريكي مطلبا عربيا. 2ـ السعي لحصر سوريا ولبنان في زاوية الحلف التركي ـ الاسرائيلي لتوقيع معاهدات سلام تسقط مبرر التحفظ القائم عند بعض الدول العربية عن اقامة العلاقة مع اسرائيل. 3ـ احياء المشاريع الشرق اوسطية كلها اقتصاديا وتجاريا وماليا بين اسرائيل والعرب وعقد مؤتمر اللجان المتعددة للتطبيع المؤجل حتى الآن. 4ـ احراج الموقف الايراني خاصة بعد الاتفاق مع سوريا ولبنان. 5ــ تحريك الوضع العسكري الداخلي في العراق وبخاصة الشمال وبدء مرحلة الصراع الداخلي المسلح بضغط القوات التركية شمالا والامريكية شمالا وجنوبا ليكون الحل لمستقبل العراق هو كيان فيدرالي تحت مظلة الاتحاد الكونفيدرالي مع الاردن والسلطة الفلسطينية, وبالطبع على اساس الاتفاقات القائمة مع اسرائيل سواء من تركيا او من الاردن والسلطة الفلسطينية. من هذه الاهداف نجد ان حجم التهديد التركي للامن العربي يوازي حجم التهديد الاسرائيلي الامريكي للمنطقة العربية, فالقوات المسلحة التركية وحدها تتفوق في حجم قواتها العاملة والاحتياطية على كل القوات المسلحة السورية والعراقية مجتمعة, بل ان حجم قواتها البحرية يزيد ثلاثة عشر ضعفا لمثيلتها السورية, واحد عشر ضعفا لمثيلتها العراقية. ويبلغ عدد القواعد التركية ضعف ماهو في العراق وسوريا كما تتميز تركيا بالقوات الجوية خاصة بجانبها التكنولوجي لتقدم التصنيع الحربي بها, اذ تنتج المصانع التركية معظم ما تحتاجه قواتها المسلحة تقريبا. اضافة الا انها استغلت موقفها في حرب الخليج الثانية مخططة المزيد من المكاسب الاقليمية التي اضيفت الى قوتها في المنطقة, وينبغي الاخذ بنظر الاعتبار ان كلا من سوريا والعراق تشكلان ركيزة اساسية في حسابات ميزان القوى العربية باعتبارهما عنصران لحماية البوابة الشمالية الشرقية لجدار الامن القومي. ويوصلنا هذا الى ان تركيا تتفوق على اية قوة عسكرية عربية في الوقت الحالي وفي المنظور البعيد. فاذا كانت النخبة العسكرية والعلمانية في تركيا قد رسخت دعائم العلاقات مع اسرائيل فان الشارع التركي يدرك ان هذا التعاون سيفقد تركيا علاقاتها مع العرب وايران وهذا ليس من مصلحتها, كما ان اسرائيل لديها ميزة غزو السوق التركية الكبيرة بينما اسرائيل تقف ضد السلع التركية وبخاصة المنسوجات في السوق الاسرائيلية الكبيرة. وهكذا يعد تطوير العلاقات التركية ـ الاسرائيلية من القضايا الساخنة داخل الشارع التركي وتمثل في مظاهرات معدودة ومحدودة, لكن مؤشر توطيد العلاقات العسكرية والاقتصادية والسياسية الذي تباركه الولايات المتحدة ودول اوروبا والذي يرتفع رغم كل ذلك. انتهجت كل من تركيا وسوريا سياسات مختلفة استندت للثقافة السياسية والامنية المغايرة لكل منهما. فمنذ البداية التي وصلت فيها الامور بينهما الى حد القطيعة شكلت مدخلا لقيام علاقة تركية ـ اسرائيلية مبكرة هدفت اسرئيل منها في البداية الى اختراق الحصار المفروض عليها ومن ثم تطويق سوريا بها من خلال الارتقاء بهذه العلاقة الى اعلى المستويات السياسية والامنية. وصارت هذه العلاقة, خاصة بعد توقيع اتفاق التعاون العسكري بين البلدين عام 1996 قلقا امنيا كبيرا لسوريا اضافة الى عدد من الدول العربية الاخرى وكذلك ايران. اما سياسة سوريا فاتسمت بالحذر والهدوء ومحاولة امتصاص التهديدات التركية وقد نجحت السياسة السورية هذه في فض الازمات الطارئة التي حدثت بين البلدين وكانت ابرزها في صيف 1998 التي انتهت بتوقيع اتفاق اضنه الامني بين البلدين في اكتوبر من العام نفسه. وبسبب مجمل التشابكات افتقرت العلاقة التركية ـ السورية للارادة السياسية لاقامة مشاريع اقتصادية مشتركة رغم توفير الارضية المناسبة لاقامة مثل هذه المشاريع خاصة في مجالات النقل والمياه والمواصلات والتجارة, مع العلم بان حجم التجارة الرسمية وغير الرسمية تسير بشكل جيد بين البلدين حتى في اوقات الازمة, فسوريا تشكل منفذا بريا لتجارة تركيا الى الدول العربية لاسيما الخليجية منها. وهكذا كانت القضايا الماء, الامن, الحدود والاقليات من العوامل التي اخرت العلاقة التركية ـ السورية ضمن اشكال سلبية تحكمها الخلافات المائية والامنية, وقضايا الاقليات والحدود اضرت بهذه العلاقات كثيرا ومنعت من تبلور حلول واقعية طيلة تلك العقود.