غسان دعنا يذكر انه سأل نفسه كل الوقت كيف يعقل ان يحدث هذا معه تحديدا وهو الذي يعمل في السوق منذ 15 عاما, ولم يتورط ابدا مع اي من الاشخاص ولا حتى مع الشرطة أو مع الزبائن ولا مع التجار اليهود في البسطات المجاورة في سوق محنى يهودا بالقدس الغربية. احسان مسودة يذكر انه سأل نفسه كل الوقت كيف يعقل ان يقوم هذا الشرطي الذي يسمى عدني, الذي يشتري منه الخضروات دائما, وكان يقول له على الدوام بطريقة جميلة جدا (شكرا) و(مرحبا), بالتنكر له دفعة واحدة ويسمح لرجال الشرطة الاخرين بان يفعلوا معه هذا الشىء. بسام مسودة شقيق احسان يذكر انه اوهم نفسه كل الوقت انه قد تكون هناك كاميرا خفية مخبأة في مكان ما من السوق وتم من خلالها توثيق ما حدث, بسام قال لنفسه بدون صور لن يصدق احد هذه الحكاية. الذكرى الاشد والاصعب من الجميع نقشت في رأس مجدي عويسات الذي يذكر انه في لحظة معينة بعد ان اقتادوهم إلى محطة الشرطة بساعة أو ساعة ونصف وشرعوا ينكلون بهم (تخيل بينه وبين نفسه انهم ربما ينوون قتله), عويسات يذكر ايضا كيف حاول محو هذه الافكار من رأسه, الا انه يذكر ايضا ان الضربات التي واصل جنود حرس الحدود توجيهها له ولاصدقائه بدون توقف تقريبا جعلت مهمته في ازالة هذه الفكرة المخيفة صعبة, الامر الذي صعب المهمة عليه بشكل خاص كان حقيقة ان عددا من رجال الشرطة الاسرائيليين الذين اقتادوهم إلى محطة الشرطة هددوهم بشكل صريح بالقتل بالاضافة إلى الضربات والشتائم المتواصلة, ومع مرور الوقت كان عويسات يتعامل مع الفكرة التي تسللت إلى رأسه بجدية. الامور التي يتحدث عنها مجدي عويسات وغسان دعنا والاخوان مسودة جرت في الساعات التي تلت انفجار السيارة المفخخة بجانب السوق, والذي ادى إلى مقتل اسرائيليين, رجال الشرطة قاموا على الفور باخراج قرابة خمسة فلسطينيين, كلهم من القدس الشرقية ويعملون في السوق منذ مدة طويلة, واقتادوهم إلى باحة محطة الشرطة حيث اجلسوهم ورؤوسهم بين ارجلهم واياديهم مرفوعة فوق رؤوسهم, رجال الشرطة امروهم بعدم التحرك أو الكلام, كل من تزحزح كان يضرب وكل من يتكلم يتلقى ركلة أو شتيمة أو بصقة. رواية الفلسطينيين الستة تفيد انهم كانوا طوال ثلاث ساعات ضحية للتنكيل الجسدي واللفظي الذي لا يتوقف من قبل عشرة من جنود حرس الحدود, كل واحد من عشرات الفلسطينيين الذين وضعوا هناك, كما يقول الستة, تلقى الضرب في انحاء جسمه من كل رجال الشرطة المتواجدين تقريبا. كأنني كرة قدم غسان دعنا وصل إلى سوق محنية يهودا لاول مرة قبل 15 عاما, عشر سنوات عمل اجيرا عند تاجر يهودي, وعندما توفي رب العمل اتفق غسان مع ارملته بان يواصل تشغيل الدكان, وفي المقابل يقتطع جزءا معينا من ارباحه كأجر له, دعنا يبلغ من العمر 38 سنة ويقطن في رأس العامود, وهذه الدكان تعتبر مصدر رزق له ولاولاده السبعة, احد اولاد غسان البالغ من العمر 11 سنة كان معه حين وقوع الحادث, رجال الشرطة الذين احتجزوه ارادوا احتجاز الطفل ايضا الا انه عارض ذلك فوافقوا على ابقاء الصبي في دكان احد الجيران اليهود, ولكن رجال الشرطة في الوقت نفسه لم يوافقوا على انتظار غسان حتى يغلق المحل حتى لا يلحق به الاذى اذا تركه. وما ان وصل غسان مع الفلسطينيين الاخرين الذين اقتادوهم من السوق إلى مدخل محطة الشرطة حتى بدأوا ينهالون عليهم ضربا, غسان بدوره طلب التحدث مع الضابط الذي وقف هناك وحدثه كيف انقذ امرأة يهودية من الموت المحتم في الانتفاضة الاولى في سلوان: قلت له انني استطيع اعطاءه رقم هاتفها حتى يتأكد من صحة اقوالي, وسألت الضابط هل هذه هي الجائزة التي استحقها, فما كان منه الا ان لطمني على وجهي. حظ غسان كان افضل من الاخرين, فبعد ساعة ونصف ساعة من احتجازه وصل إلى المكان الجار اليهودي الذي حافظ على ابنه وطلب من رجال الشرطة اطلاق سراحه, فاستجابوا له واخلوا سبيله, غسان دعنا الذي يئن من الالم توجه إلى المستشفى المقاصد حيث فحصوه وطلبوا منه ان يرتاح مدة اسبوعين, الا ان دعنا عاد إلى السوق بعد ثلاثة ايام لان الدكان يحتاج إلى من يفتحه والاولاد يحتاجون لمن يجلب قوتهم. عمر دعنا شقيق غسان البالغ من العمر 23 عاما, ويعمل في السوق منذ سنة كان اقل حظا من اخيه, عمر مثل الاخرين تلقى الضربات من رجال الشرطة على الدرج وطلب منه مثل الجميع ان يقف بجانب الحائط وان يباعد بين ساقيه حتى يفتشوه, فما كان من احد الجنود الا ان وجه له بعقب البندقية ضربة على مكان حساس بكل ما اوتي من قوة. عمر سقط على الارض من شدة الالم, فجاء شرطي اخر وامسك به من شعره واوقفه وقام اثنان اخران بتوجيه اللكمات إلى اضلاعه, هذه الضربات تواصلت حوالي ربع ساعة, واخر ما يذكره عمر هو ان أحد رجال الشرطة قال له انه ممرض وجره إلى المغسلة لان الدم اخذ ينزف من اذنه وبعدها افاق ليجد نفسه في مستشفى حيث عالجوه واخلوا سبيله. مجدي عويسات ابن العشرين عاما من جبل المكبر وجد نفسه هو الاخر في المستشفى بعد مسلسل العذاب الذي مر به مثل زملائه الاخرين, مسودة الذي يعمل في السوق منذ ثماني سنوات اعتقد ان رجال الشرطة اقتادوهم إلى المحطة حتى يحموهم من غضب المواطنين اليهود مثلما كان يحدث في السابق بعد حدوث (العمليات الارهابية). شقيقه بسام الذي يعمل في السوق منذ تسع سنوات كان اوفر حظا, وهو الوحيد من بين الجميع الذي لم يضرب (ضربوني قليلا على الدرج ولكن بشكل خفيف, ولا اعرف لماذا, وبدلا من ان يجلسوني على الارض مثل الباقين طلبوا مني ان اقف جانبا ومن هناك استطعت ان اشاهد كل ما يحدث في الساحة, وحتى الان لم افهم لماذا فعلوا ذلك حيث كانوا كل الوقت يضربون ويشتمون بعبارات بذيئة ويهددون بالقتل, لم اعتقد طوال حياتي انني سأشاهد امرا كهذا.