الجدار الحديدي ، الحلقة الاولى ، تأليف: أفي شلايم ، عرض وتعليق: محمد الخولي

مؤرخ يهودي يكشف زيف التاريخ الصهيوني ، لهذه الأسباب تقض ظاهرة المؤرخين الجدد مضاجع إسرائيل أسرار مذهلة وراء البرقية التي تحدثت عن (العروس الجميلة) هذا الكتاب يتسم بأهمية مضاعفة, كما نراها أو أهمية مركبة او عقدة. فمن حيث التوقيت يأتي عرضنا التحليلي للكتاب في هذه المرحلة بالذات التي اشتعل فيها الصراع بين حركة المقاومة الوطنية في فلسطين وبين قوى الاحتلال الامبريالية الممثلة في الآلة الحربية والمجمع السياسي العنصري في إسرائيل. ومن حيث الموضوع فالكتاب يصدر عن مؤلف يهودي وينشر على غلافه العلم اياه الذي يحمل نجمة داوود . والمؤلف ليس مجرد شخصية عادية ولكنه في طليعة الاكاديميين المحترمين علميا وهو البروفيسور آفي شلايم الذي يعمل استاذا للعلاقات الدولية في جامعة اكسفورد البريطانية العريقة وهي الجامعة نفسها التي بدأ منها ما أصبح يوصف بأنه مدرسة جماعة المؤرخين الجدد في إسرائيل أولئك الذين يصنفون على أنهم ينتمون إلى مدرسة يطلق عليها وصف المدرسة التنقيحية بمعنى مدرسة الفرز والتمحيص والمراجعة واعادة, أو معاودة النظر في المعطيات والمقولات السابق طرحها كي تشكل منذ عقد الاربعينيات بالذات الأسس التي قامت عليها الدولة العبرية. ثم تزداد أهمية هذا الكتاب حين ندرك من خلال منظور العرض والتحليل أن هذه المراجعة التنقيحية التي يقوم بها أصحاب مدرسة المؤرخين الجدد تأتي في معظمها كي تفند ان لم تكذب أصلا معظم المقولات التي بنيت عليها إسرائيل بل وقد تعمل من خلال البحث والتحقيق والتوثيق الاكاديمي إلى تصنيفها في خانة الأراجيف أو الأساطير أو ببساطة أشد في فئة الاكاذيب. يتصدر هذا المجال المهم في مراجعة التاريخ الإسرائيلي, وهي المراجعة التي تتم تحت عنوان (ما بعد الصهيونية) دراستان في غاية الأهمية, الأولى أصدرها البروفيسور (بني موريس) من جامعة بن جوريون عام 1999 بعنوان (الضحايا على حق: نظرة تاريخية للصراع العربي الإسرائيلي). الثانية أصدرها الأستاذ أفي شلايم من جامعة أكسفورد في ربيع عام 2000 الجاري بعنوان (الجدار الحديدي: إسرائيل والعالم العربي). وهي بالضبط الدراسة التي سوف نتابعها بالعرض والتحليل والتقييم على امتداد عدة حلقات تحرص (البيان) على نشرها في إطار جهودها لتنوير قارئها العربي بما يستجد في هذا المجال وخاصة في الجانب الآخر من هذا الصراع التاريخي من تطورات. عندما صدر هذا الكتاب في ديسمبر 1999, احدث ضجة واسعة النطاق ولا يزال يثير عواصف من الاهتمام والنقد والهجوم سواء في إسرائيل أو في الولايات المتحدة وخاصة بين الأوساط المهتمة بالشأن اليهودي بطبيعة الحال. المؤلف كما أشرنا ينتمي إلى جماعة المؤرخين الجدد, وعمر هذه الجماعة وتطور أفكارها لا يزيد على 20 عاما فقط هي سنوات العقدين الأخيرين من القرن العشرين. ولعل الذي اثار انزعاج الأوساط التي ذكرناها, ليس مرده إلى الحقيقة العلمية التي تفيد بأن المؤرخين الجدد, كانوا عند حسن الظن الأكاديمي بهم حين أحالوا مراجعاتهم إلى وثائق الأرشيف الرسمي الإسرائيلي التي تم الإفراج عنها على مدى سنوات العقدين الماضيين بمقتضى قوانين الوثائق والمعلومات في إسرائيل, بل الأهم هو تلك المواقف التي صدر عنها المؤرخون الجدد ومن ثم الأفكار التي طرحوها في كتاباتهم والتي تجلت فيها الاتجاهات التي تبنوها في بحوثهم العلمية المنشورة. وها هو واحد من أبرز ناقديهم وهو بدوره أكاديمي إسرائيلي نشر في شهر أغسطس الماضي كتابا مهما بعنوان طويل يقول: (الدولة اليهودية: النضال من أجل روح إسرائيل) هذا الاكاديمي اسمه (يورام حزوني), وقد خصص في كتابه الجديد صفحات طوالا لوصف اتجاهات مدرسة المؤرخين الجدد وتوضيح خطرها على إسرائيل: الفكري والكياني والمستقبلي وفي هذا السياق يقول حزوني: (ان خطر هذا الاتجاه يتمثل في أنه يؤكد التهافت الأخلاقي لتصرفات إسرائيل لدرجة لم تكن موجودة في السابق اللهم في كتابات المؤرخين المعادين للصهيونية (وغالبيتهم من غير اليهود). ثم ينتقل حزوني اليهودي الإسرائيلي إلى وصف كتابنا الذي نقلب أولى صفحاته في هذا السياق وهو بدوره من تأليف يهودي مولود في إسرائيل. يقول حزوني عن (الجدار الحديدي): ان هذا الكتاب يرسم صورا قاسية بغير شفقة أو رحمة للزعماء الصهاينة الذين كانوا في السابق معدودين في مصاف الأبطال لدى عامة الإسرائيليين: وهكذا يقول حزوني أصبح بن جوريون رجلا قويا في إسرائيل استبدت به شهوة الجوع إلى السلطة وأصبح رئيس الأركان موشي ديان رجلا أكثر عدوانية مجردا من أي وازع أو ضمير وجائعا إلى السلطة ربما حتى أكثر من بن جوريون حيث كان ديان يجر قوات جيش الدفاع الإسرائيلي إلى (عدوان اثر عدوان على الآخرين دون سبب) .. أما جولدا مائير فقد وصفها أفي شلايم بأنها كانت تتبع باستمرار مذهب التعنت إذ ظلت تحكم البلاد بقبضة من حديد.. وقد بلغ الأمر بالبروفيسور شلايم إلى الحد الذي جعله يؤكد أن (دولة) إسرائيل بأسرها كان يستبد بها عقدة من (الرهاب النفسي الجمعي). هكذا بدا كتابنا في أعين ناقديه وهم كثر, إذ راعهم أن ممثلي هذا الكتاب وغيره من الدراسات الصادرة في إطار المراجعة التنقيحية أو التصحيحية لتاريخ الكيان الصهيوني المزروع في قلب الأرض العربية إنما تسفر عن تبديد الأساطير الصهيونية التي طالما حاول اليهود الإسرائيليون أن يروجوها بين سكان إسرائيل نفسها ثم في أرجاء شتى من العالم وخاصة في الولايات المتحدة, على مدار السنوات الخمسين وزيادة عن عمر الكيان المذكور على أن البحث المتعمق يرجع بظاهرة التاريخ الإسرائيلي الجديد التي ينتمي إليها كتابنا إلى جذور ربما تعود إلى عقد الخمسينيات من القرن الماضي. يومها ظلت تساور الكثير من الأكاديميين والفلاسفة اليهود شكوك بشأن تمكين اليهود من تقاليد السلطة في الدولة العبرية الجديدة التي زرعت في قلب الشرق الأوسط. من ذلك مثلا أن كان الفيلسوف الشهير مارتن بوبر يعيش في القدس عام 1958 يعترف علانية أن اليهود تعلموا فن الاستيلاء على السلطة من أدولف هتلر شخصيا.. بل وصل الحال بفيلسوف إسرائيل الأكبر وقتها يشياهو ليبوفتش إلى وصف الجيش الإسرائيلي بأنه (جيش يهودي نازي) ثم أعلن الفيلسوف الكبير نبوءته (التي تحققت للاسف) بان إسرائيل لن تلبث أن تبادر إلى طرد جماعي وقتل جماعي أيضا للسكان العرب ثم اقامة معسكرات اعتقال لهم على طريقة النازي أيضا. من ناحيته أيضا قال جاكوب تلمون, وهو أكبر مؤرخي إسرائيل وأكثرهم احتراما أن الزعماء الإسرائيليين الذين اشعلوا الحروب باسم المصالح الوطنية.. كانوا أساسا حلفاء الشيطان وأنهم دمروا بأفعالهم (روح) الشعب اليهودي.. الخ. وعندما جاء عقد السبعينيات الماضي كان تلاميذ وأتباع بوبر وليبوفتش وتلمون هم جيل المثقفين الذين يشغلون مواقع البحث التاريخي الاكاديمي في جامعات إسرائيل وفي خارجها ومن رحم هذه الأ جيال ولدت مدرسة المؤرخين الجدد التي يعد مؤلف كتابنا (آفي شلايم) واحدا من أبرز أركانها. وعلى سبيل تذكير القارئ الكريم, فقد نشرت (البيان) كتابا من تأليف كاتب السطور بعنوان (قضايا وأفكار معاصرة) (دبي, عام 1990) وبين فصوله العشرة حمل الفصل الثاني عنوانا بالغ الدلالة هو: (سرقة وطن). وفي هذا الفصل المحنا إلى مقابلة كانت قد أجريت في أواخر الثمانينيات مع المؤرخ الإسرائيلي (مائير بعيل) وصف فيها عملية الخروج أو الاخراج ــ الطرد الجماعي للفلسطينيين من ديارهم فقال: (إن ثلثهم هربوا ذعرا , والثلث الثاني أجلاهم الإسرائيليون بالقوة الغاشمة كما حدث مثلا في اللد والرملة والثلث الأخير شجعهم الإسرائيليون على أن يهربوا). وفي نفس الفصل من كتابنا المذكور, المحنا كذلك إلى قصة قصيرة نشرها عام 1949 (س. بيزار) وكان من أبرز القصاصين في إسرائيل وكانت بعنوان (هيربت هيزا) وتحكي عن جندي صهيوني صدرت له الأوامر بطرد العرب من قريتهم الصغيرة التي كانت وادعه قبل الغزو والاحتلال الصهيوني.. تنتهي القصة بسطور ترجمناها كما يلي : اصبح من المستحيل أن أنعم بأي سكينة أو راحة بال ما دمت أرى الدموع تنساب من عيون طفل يبكي وهو يسير بجوار أمه التي كان كيانها قد تصلب بينما تحجر الدمع في مآقيها بفعل غضب مكتوم . كان يمضي معها إلى حيث المنفى وهو يحمل بين جنبيه هتاف شكوى مفجعة ضد الشر.. صيحة سوف تجد يوما من يصغى إليها في هذا العالم, في موعد مقسوم وميقات مرسوم.. هنالك بادرت رفيقي بالحديث قائلا: (موشيه .. ليس من حقنا أن نطردهم من هنا). هكذا انتهت قصة الكاتب اليهودي الذي خاض حرب عام 1948.. ولم ننته بعد من قصة اغتصاب الأرض والجغرافيا والتاريخ في فلسطين.. ولا انتهت قصة الطفل الفلسطيني, بل تجددت هذه القصة وما برحت تتجدد حيث يواجه أطفال فلسطين خيار الموت والحياة وهم يتصدون بحجارة في أيديهم ويفيض شعور من غضب ساطع أمام جنود الاحتلال. أن الكتاب الذي نقدم على تصفحه في هذه السطور يحكي فصول هذه القصة من بدايتها, ويحكيها في اناة وصبر وفي موضوعية علمية تحاول ألا تميل مع الهوى أو تنحاز إلى حيث التحامل المغرض أو الدعاية الجوفاء. ولا عجب أن يصفه البروفيسور العربي الفلسطيني إدوارد سعيد في عبارات تقول: أخيرا, ها نحن أولاء بازاء تاريخ بعيد عن العواطف ومبرأ من سرد الاساطير للعلاقة التي تنطوي على استفزاز متعمد بين إسرائيل والعرب. ان كتاب (الجدار الحديدي) يقوم على أساس من البحث الدؤوب اعتمد فيه كاتبه آفي شلايم أسلوب الكتابة العقلانية, ومن ثم جاء الكتاب علاقة بارزة على طريق الدرس العلمي الحديث عن الشرق الأوسط. وفي ضوء حديث الدكتور ادوارد سعيد, يحق لنا أن نقول أن مؤلف الكتاب, الأستاذ شلايم عمد إلى استخدام أسلوب في سرد الحقائق وتمحيصها وإخضاعها للبحث العلمي يتسم بقدر يحسد عليه حقا في لغته الإنجليزية من حيث رشاقة العبارة وجاذبية العرض ودقة المفردات وقلما يصادف المرء كتابا من هذا الطراز يجمع فيه كاتبه بين رصانة البحث الأكاديمي وبين رشاقة العرض الصحفي. ومن الوهلة الأولى تتجلى هذه الخاصية الجذابة في التصدير أو التوطئة التي يسوقها المؤلف للدخول بين يدى موضوعه وهذا التصدير مهم للغاية إذ نراه بمثابة وضع أطراف الكتابة أو لم خيوطه في يد قارئه وكأنما سيشارك القارئ في رحلة البحث والدراسة. هذا ويتبع التصدير 15 فصلا تبدأ من ( نشوء إسرائيل) وتنتهي بفصل يحمل عنوان ( العودة إلى الجدار الحديدي: 1996 ــ 1998) وبعدها خاتمة يعمد فيها المؤلف إلى تلخيص أو تكثيف مادة الكتاب وفحواه ( يقع الكتاب في 643 صفحة من القطع المتوسط وإن جاءت طباعته لحسن الخط بالبنط الكبير). وقبل السباحة في عباب هذا الكتاب , نحسب أنه آن الأوان لطرح السؤال حول العنوان: الجدار الحديدي.. لماذا وكيف؟ والحقيقة أن (الجدار الحديدي) هو مصطلح ليس بالجديد.. بل يمكن القول أنه ظهر في أدبيات الصهيونية في عام 1923 وبالتحديد في مقالة شهيرة نشرها زئيف جابوتنسكي رأس الإرهاب تاريخيا في الحركة الصهيونية وعنوان المقالة كاملا هو (الجدار الحديدي: نحن والعرب) وفي هذا المقام يقول مؤلف كتابنا: في عبارة موجزة شاملة تلخصت سياسة جابوتنسكي إزاء المسألة (القضية) العربية في تشييد العسكرية (يفصلهم عن العرب) وفي هذا كان جابوتنكسي يقول دائما إن ثمة إجماعا بين صفوف جميع الصهاينة على انشاء الجدار الحديدي المذكور وان كان الخلاف يتمثل في أن المتشددين كانوا يريدون تشييده على حراب اليهود وفي حين أن المتهاونين ويسميهم جابوتنسكي (النباتيين) فكانوا يريدون اقامته فوق حراب البريطانيين (إذ كانت بريطانيا تحتل رقعة فلسطينية بموجب انتدابها من قبل عصبة الأمم). المهم أن تصدير الكتاب يقدم لنا, وللأجيال التي أصبحت في أيامنا هذه شغوفة المعرفة عن قضية فلسطين : الجذور والتعقيدات والأبعاد والتطورات يقدم لمحة غاية في التكثيف عن نشوء وتطور وأسس الصهيونية. يذكر الأستاذ أفي شلايم أن الحركة الصهيونية ظهرت في أوروبا خلال العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر رامية كما قال دعاتها إلى عودة الشعب اليهودي إلى أرض أسلافه بعد ألفى سنة من المنفى. مصطلح (الصهيونية) ذاته تمت صياغته عام 1885 على يد كاتب يهودي من فيينا اسمه (ناثان برنباوم) ولكنه يتبع اساسا فشل اليهود كأقلية في الاندماج داخل مجتمعات أوروبا التي كانوا يعيشون بين ظهرانيها (أو رفضهم لهذا الاندماج أو الاستيعاب) كما يرجع أيضا إلى اشتداد ساعد الحركات القومية في أوروبا الغربية (الوحدة الألمانية والوحدة الايطالية مثلا) وإلى ظهور نزعات معادية أو مناهضة لليهود (حملت اسم معاداة السامية وهو مصطلح سوف يشغله اليهود فيما بعد لأغراض البروباغاندا والإرهاب الفكري والابتزاز السياسي). ثم جاء دور التنظير والتسييس لشعار الصهيونية وعودة اليهود ليقوم به صحفي ومؤلف مسرحي لم يكن له كبير اهتمام لا بالديانة اليهودية ولا بالشأن اليهودي في الأساس. اسمه تيودور هرتزل, من أصل هنغاري أرسلوه إلى باريس ليتابع محاكمة الضابط اليهودي (درينوس) في أوائل العقد الختامي من القرن التاسع عشر.. ويومها لمس هرتزل وكان يهوديا بالاسم فقط مشاعر العداء لليهود عند الفرنسيين.. ويومها أيضا أدرك أن مشكلة اليهود ليست اقتصادية بقدر ما أنها سياسية وقومية وعاد يصدر كتابه الصغير الشهير بالألمانية بعنوان: (دير جودنستات). وقد صدر عام 1896 وعرفه العالم باسم (الدولة اليهودية) وهنا يحرص مؤلف كتابنا على تأكيد ما يعرفه الكثيرون من أن هرتزل ذاته ترك الخيار مفتوحا بالنسبة لمكان إنشاء الدولة اليهودية الموعودة. سواء كان ذلك في فلسطين بحكم بعض الروابط التاريخية أو كان فوق مساحة أرض خالية في الأرجنتين في أمريكا الجنوبية ولأن الخيار كان مفتوحا فقد قررت حاخامية النمسا أن توفد اثنين من مبعوثيها لاستطلاع الأحوال في فلسطين. وفي هذا يقول مؤلف كتابنا: أسفرت بعثة تقصى الحقائق هذه عن برقية بعثت بها من فلسطين وكتب فيها الحاخامان الموفدان عبارة تقول بالحرف: ــ (العروس جميلة.. لكنها متزوجة من رجل آخر).

طباعة Email
تعليقات

تعليقات