هناك أكثر من منهاج لحل المشكلات ، أزمة البلقان تواصل الاستعصاء على فهم الأطراف الخارجية

كلما ابتعدت اكثر عن البلقان, ازدادت صعوبة فهم ما يجري هناك, ولقد ادركت تلك الحقيقة اثناء حرب كوسوفو عندما تصادفت زيارتي لعواصم خمس دول اعضاء في (الناتو)، هي براغ وبودابست ولندن وباريس وكوبنهاجن وسنحت لي فرصة التحدث الى صناع السياسة واكاديميين وأناس عاديين. كان من الواضح تماماً بالنسبة لي ان يكون في براغ وبودابست, حيث يوجد بعيداً عن اي شيء آخر, الكثير من الناس من يوغسلافيا في تجلياتهم المختلفة ان يكون هناك فهم جيد للوضع برمته وانا واثق ان الشيء نفسه يمكن ان يقال فيما يتعلق بالدول الاخرى المجاورة كرومانيا وبلغاريا حيث وعلى الرغم من الدعم الواسع للناتو وأعماله فيما يتعلق بالمبادئ العامة لم تحظ الحملة الجوية على كوسوفو بالتأييد الشعبي. ومن جهة اخرى, فإن الناس في باريس ولندن وفي كوبنهاجن لسبب ما بشكل خاص مالوا الى الحديث عن الاحداث في البلقان وكأنها تحدث في دول غربية, واعتقد ان ذلك هو السبب الذي جعل الناس يجدون التطهير العرقي والفظائع الاخرى اموراً شنيعة للغاية فهم يمكنهم ان يستوعبوا حدوث مثل هذه الامور في رواندا أو أماكن من هذا القبيل ولكن ليس في اوروبا القديمة العزيزة. وهذه غلطة شنيعة فالبلقان يحتضن نوعاً مختلفاً من المجتمعات بشكل جوهري, كما يدرك الناس في المنطقة تمام الادراك واليوغسلافيون (او الرومانيون او الألبان او البلغار او اياً كان) الذين تلتقيهم يبدون تماماً مثل الاوروبيين الغربيين لأنهم كذلك, ولكن ذلك لا يعني ان الجميع على هذا المنوال. الاشخاص الذين من المتوقع ان تقابلهم بصفتك اجنبياً, حتى اذا ذهبت الى البلقان في زيارة قصيرة, سيكونون من المثقفين الذين يتحدثون الانجليزية وهم مثل الاوروبيين الغربيين تماماً لأن البلقان في مرحلة تحول الى مجتمع على الطراز الغربي والاشخاص المتعلمون هم طليعة التغيير وبوجه خاص فإن الشباب المتعلمين مشابهون تماماً لنظرائهم في الغرب. غير ان تغيراً اجتماعياً يحدث في وجه خلفية لمجتمع فلاحي يختلف عن اي شيء في الغرب وبانقساماته العرقية وخاصة انقساماته الدينية, فإنه يقدم صورة مغايرة تماماً فوجود المسلمين ــ المسلمين الاوروبيين اي غير المهاجرين من الشرق الاوسط ــ هو ميزة فريدة لمنطقة البلقان وعندما تتذكر انهم هناك نتيجة لقرون من الوجود على يد الاتراك العثمانيين فإنك تبدأ بفهم مدى عمق التغيرات. ومع ذلك, فإن السياسة الغربية توجهها حساسيات الناس في الغرب واذا تكونت فكرة لدى الفرنسيين او البريطانيين او الدنماركيين لسبب ما بأن الصرب والألبان هم اناس مثلهم, فستبنى السياسة عندها لتعكس ذلك ولكن حتى هؤلاء الاشخاص المضللين هم اقرب الى الحقيقة من الامريكيين فهم على الاقل لا يزالون يفكرون بمفاهيم اوروبية. ولا ذنب لأحد في ان يجد الجمهور الامريكي صعوبة في فهم حقائق مجتمع البلقان فكم من الاوروبيين يفهمون ما يجري في امريكا الوسطى على سبيل المثال؟ ولكن في ظل استدعاء القادة الامريكيين لقوات عالمية فإن هناك مبرراً للقلق من عمق الجهل بشأن البلقان. ولكي نكون دقيقين, يبدو ان هناك افتراضاً مفاده ان شعب يوغسلافيا يشارك الامريكيين قيمهم فالأمريكيون ينظرون الى قيمهم على انها البديل الوحيد لقيم سلوبودان ميلوسيفيتش البغيض والآن وبعد ان تم تحرير ذلك الشعب اليوغسلافي من نظام ميلوسيفيتش الشرير فإن الطبييعة تفرض عليه ان يفكر من منطلق الديمقراطية الامريكية وعلاوة على ذلك فإن عليهم (اي على اليوغسلاف) ان يدعموا بشكل تلقائي السياسات الحكيمة والجيدة التي وضعها الامريكيون الطيبون من أجلهم. ان ذلك الافتراض بعيد عن الحقيقة فقد كان بمقدور وزير الخارجية الروسي ايجور ايفانوف ان يذهب ويتفاوض مع كلا الطرفين عندما تعثر نظام ميلوسيفيتش لكن الحقيقة هي ان الولايات المتحدة ما كانت لتجد هذا الترحيب في مثل هذا الدور. وتبدو وزيرة الخارجية الامريكية مادلين أولبرايت حريصة على اظهار هزيمة نظام ميلوسيفيتش على أنه اثبات لصحة السياسة الامريكية خلال سنوات رئاسة كلينتون, وعلى القول بأن قصف الناتو لأهداف في كوسوفو وصربيا في العام الماضي قد أتى أكله في النهاية مع هزيمة القمع وانتصار الديمقراطية. قد يعتقد البعض في كوبنهاجن او باريس او لندن ان هذا يبدو معقولاً ولكن قد يكون لديهم بعض التحفظات اما في براغ وبودابست, فإن قلة فقط هي التي ستدعم الفكرة بحماس ولكن في البلقان نفسها, لن تجد شخصاً يقبل برواية اولبرايت المتوهجة للاحداث. وهذا يشكل تناقضاً سياسياً بالنسبة لواشنطن فالاعلان عن أن قصف كوسوفو كان خطأ من الواضح انه ليس خياراً مطروحاً ولن يجبر احد الادارة الامريكية على ان تتراجع عن موقفها بشأن تلك المسألة علناً, وبالتالي فإنهم لن يقوموا بذلك لا الآن ولا في اي وقت آخر. ولسوء الحظ, فإننا نرى انه على الرغم من ان الثورة قد شقت طريقها الى عناوين الصحف العالمية وشاشات التلفزيون, الا ان صربيا دولة صغيرة جداً في نهاية المطاف وبعيدة جداً بحيث تظل متصدرة لوسائل الاعلام, اذن يبدو على الارجح انه لن يهم ما يفكر به الصرب فموقف واشنطن سيحصل على مكانته الحقيقية الرسمية. سيكون من الصعب الحفاظ على هذا الوضع على الصعيد الدبلوماسي فصربيا ككل لا تزال تشعر بالغضب ازاء قنابل الناتو واذا كان هناك اجماع في واشنطن من جهة, فإن اجماع بلجراد الصاعد يبدو انه يتلخص في ان عملية الناتو ابقت عملياً على ميلوسيفيتش في السلطة لسنة اخرى عبر تقديم وسيلة له لحشد الصرب حول العلم اليوغسلافي. ولكن هل يعترف الناتو او وزارة الخارجية او اي شخص في موقع المسئولية في الغرب ولو حتى بإمكانية القبول بذلك التفسير؟ من المستبعد ان يحدث ذلك. وهكذا, فإن الرئيس اليوغسلافي فويسلاف كوستونيتشا وزملاءه من المتوقع ان يجدوا انفسهم في ظل نوع جديد من الحجر الايديولوجي وسيكون الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة والعالم بشكل عام مسروراً للاستماع عندما يكون الحديث عن الديمقراطية واعادة البناء ولكن الامر المعرض للخطر هو الهوية السياسية الأساسية للشعب الصربي وبشكل خاص موقفهم الجماعي من ماضيهم القريب. ربما يكون هناك سحر ما تستطيع بواسطته وزارة الخارجية الامريكية ان تقنع الناس في يوغسلافيا بأنهم قصفوا لمصلحتهم ولكن كلما اقتربت اكثر من مسرح الجريمة بدا ذلك التصور للحقيقة اقل احتمالاً. عن كريستوفر لورد في (انتلكتشوال كابيتال)

طباعة Email
تعليقات

تعليقات