مع كل الضغوط التي فرضت عليها صمدت المعادلة الفلسطينية ـ الفلسطينية, ولم يتمكن جناح اليمين ويمين الوسط الانعزالي في المنظمة ولا جناح اليمين القومي اسير الشعارات اللفظية الثورية, العبثية, والعدمية, والفاقد لأي برنامج سياسي ملموس من تحطيم توازن المعادلة الفلسطينية ـ الفلسطينية في منظمة التحرير, ولا من شرذمة الحركة الفلسطينية لتعود مرة اخرى إلى حركة (جنود الامام البدر) في خدمة المحاور الاقليمية العربية, وتماسكت قرارات مجالسنا الوطنية وصولاً إلى قرارات أكتوبر 91 في الجزائر وتونس التي تستند إلى قرارات الوحدة الوطنية والقمم العربية والشرعية الدولية. ولكن انفجار حرب الخليج الثانية ادى إلى انهيار التضامن العربي ودمار العراق وشطبه من معادلة التوازن العربي ـ العربي وجفاف طاقة اقطار الخليج وقدرتها على تقديم الدعم للقضية الفلسطينية, وانخراط الحالة العربية بالصراعات العربية ـ العربية, ومن هنا وصلت واشنطن مع العواصم العربية المشرقية اثناء الاعداد لحرب الخليج وبعدها بين مارس ــ أكتوبر 1991 إلى اوراق مؤتمر مدريد بالمفاوضات الثنائية المنفصلة , والتي لا رابط سياسي ولا قانوني فيها بين مراحل ومسارات التفاوض العربية ـ الاسرائيلية. وعلى اكتاف المعادلة العربية ـ العربية المتدهورة تحت تأثير (عاصفة الصحراء) تم الانقلاب السياسي الآخر في منظمة التحرير, وحملت العواصم العربية المشرقية على اكتافها اليمين ويمين الوسط في منظمة ا لتحرير إلى مدريد (مفاوضات واشنطن) وطبخة أوسلو الظالمة حيث كان المشهد العربي الرسمي ولايزال بين داعم ومؤيد ومساند لاتفاقات أوسلو وتداعياتها, وبين رافض نظري منع الاحجام المسبق عن معارضة أي اتفاق بين الدولة العبرية وسلطة أوسلو الفلسطينية, أو الاكتفاء بالمعارضة السياسية من دون اية ممارسة عملية ضد أوسلو/ الواي والواي ,2 فالعلاقات بين المسارات نقيض قرارات المجلس الوطني والمركزي لمنظمة التحرير الائتلافية قبل ايام من مؤتمر مدريد (29 سبتمبر ,1991 18 أكتوبر 1991. أمّا (النوايا) بالتجاور والتنسيق فتطايرت في الهواء ولم تصمد للوقائع التي انتجت تركيب الاوراق الثنائية التفاوضية ورقع مربعات الشطرنج (المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية نموذجاً) او طاولة الزهر (المفاوضات الفلسطينية ـ الاسرائيلية نموذجاً) في ادارة واداء المفاوضات على كل من المسارات. الملفات الساخنة هكذا كانت فلسطين, فهي البداية في ملفات المجتمع الدولي كنتاج صاف للحرب العالمية الثانية وصراع الاستراتيجيات والمصالح الكبرى على عالم المعمورة وخيرات النفط ومواقع قلب العالم والاهم والافدح نتاج حالة التدهور في الخارطة الحاكمة الفلسطينية والعربية الاقليمية, فكانت بلادنا هي الضحية وهي الثمن, وبها فتح تاريخ الاسرة الدولية وأوراق ما بعد الحرب الكونية الثانية, وفي ظل تداعيات الحرب الباردة جرحاً نازفاً مستمراً, وويلات تتراكم كل يوم, وجموع من شعب اللاجئين الذين طال لجوءهم منذ اكثر من (52) عاماً حتى الآن ليصبحوا أقدم اللاجئين في العالم وتحت رعاية منظمة الامم المتحدة للاغاثة (الاونروا). بملفات فلسطين الساخنة التي تجاوزت اية قضية تحرر وطني في العالم من حيث حضورها في المجتمع الدولي بعد نهوض المقاومة الفلسطينية العاصف بعد هزيمة ,1967 وبأوراق تتكدس كل يوم داخل هيئات الاسرة الدولية نعبر نحو الالفية الثالثة, ألفية النهوض المتجدد لانتصار قضايا الشعوب والتحرر الوطني والديمقراطية وحقوق الانسان. ان بكائيات حقوق الانسان على يد الولايات المتحدة التي تقدم نفسها بحسبانها عظيمة الكون وحامي حماه تكشف مدى الزيف والخداع الذي مورس ويمارس ضد الشعوب المقهورة, خاصة الشعب الفلسطيني. فمعزوفة حقوق الانسان تطال مواقع (جمهوريات البلطيق الثلاث, كوسوفو, تيمور... الخ) ونحن مع شعوب هذه البلدان المقهورة للدفاع عن حقوقها وعودة لاجئيها, بينما لا تطال المعزوفة الامريكية فلسطين وشعبها, كما ان عمليات القصف والتدمير الجوي وتحشيد الاساطيل تطال (يوغسلافيا والعراق) ولا تطال (التوسعية الاستيطانية الصهيونية), إنها سياسة المعايير المتعددة, سياسة المصالح والاستراتيجيات الكبرى للولايات المتحدة والنفاق الدولي الذي يمد مساحته نحو الالفية الثالثة. محصلة صراع الخمسين عاماً الاخيرة دارت على الارض بين شعوب تريد انتزاع حقوقها, بين امل وحق وعدالة وحلم مشروع لشعب فلسطين المكافح ومشروع نهضوي قومي لشعوب امتنا العربية, وبين مشروع توسعي بانياب حادة وبخريطة أنظمة طبقية اقليمية متداعية ومهزومة لم تستطع ان تنهض او ان تتماشى مع حركة الشارع الشعبي. انها حصاد هزيمة انظمة تلونت وتنوعت بين انظمة العسكرتاريا وبين انظمة فردية تجمع مواصفات الاستبدادية, مهمشة دور شعوبنا سنوات الصراع الحاسم. هناك نهاية للتوسع وبدون تقديم الصورة بشكل سوداوي, نعبر العام الجديد, بوابة الألفية الثالثة, بثقة كاملة بأن المشروع الصهيوني التوسعي لا بد وسيتوقف عند حدود لن تتسع له لاحقاً, لأن الشعوب تتحسس مصالحها كل يوم, وان غلبت عليها عوامل التعطيل والتشطير, عوامل الضعف والوهن في واقع مفروض, فهي عوامل متحركة لا تبقى ثابتة, لتبدأ من جديد عمليات الانبعاث والنهوض الوطني ودفاع الشعوب عن اوطانها وذاتها ومصالحها وبقائها وحماية نفسها وثرواتها وفتح طريقها نحو الشمس بالديمقراطية التعددية وحقوق الانسان والمواطنية القائمة على المساواة من دون تمييز بالجنس والاثنية والدين و الطائفة والمذاهب. والانتقال إلى عالم التداول السلمي للسلطة حتى تقرر الشعوب مصيرها بنفسها دون وصاية الاستبداد الشرقي, وعليه تجمع الشعوب قواها. إن شعبنا الفلسطيني كجزء من المنطقة ومن شعوبها يعبر الالفية الثالثة مشدوداً إلى حقه التاريخي وحقه الطبيعي والاخلاقي والانساني للحياة تحت عين الشمس أسوة بجميع شعوب الأرض. ومشدوداً إلى تراثه الوطني/ القومي والكفاحي بالعمل المتواصل من أجل انجاز حقوقه الوطنية, ومستنداً إلى قرارات الشرعية الدولية وضرورة تنفيذها وصولاً إلى سلام شامل متوازن. فالآن على ارض فلسطين التاريخية ما ينوف على اربعة ملايين من أبنائها (3 ملايين في الضفة والقدس والقطاع + 1 مليون في مناطق 1948). وفي الشتات المحيط بفلسطين يعيش الملايين الاربعة متمسكين بحقهم في العودة إلى ارض الوطن, وفي اطار يجب ان يبقى ويستمر وتعاد الحياة اليه بوحدة وطنية جامعة تحت قيادة منظمة التحرير الائتلافية التي وحدت نضال شعبنا وقدمت شخصيته الوطنية إلى العالم بأسره. النضال الان, يدور في الصراع على الأرض ليس فقط فوق الأرض الفلسطينية في الضفة والقدس والقطاع بل وعلى امتداد كامل خارطة الشرق الأوسط, بين المشروع الوطني التحرري لاستقلال شعب فلسطين والمحاصرة القومية للتداعيات العربية وبين مشروع التمدد الاسرائيلي بعضلات جديدة وطموح صهيوني لا يتوقف لدثر المشروع الوطني الفلسطيني ووأد الهوية الوطنية والقومية لشعبنا في فلسطين والشتات, فضلاً عن الاطماع التوسعية التي لا تتوقف على اجزاء من الاراضي العربية الاردنية والسورية. إننا نعبر الالفية الثالثة ونحن موجودون على الأرض في فلسطين, نشكل بنضال شعبنا المتواصل رويداً رويداً الواقع الجغرافي السياسي لمشروع الكيانية الوطنية/ القومية والدولة الفلسطينية المستقلة نقيض المساعي الصهيونية الاسرائيلية لطمس هوية شعبنا من الوجود كهوية مستقلة واعتباره (الشعب الفائض) في الشرق الاوسط طريقه التبدد والاندماج بديلاً عن حقه الانساني بتقرير المصير والاستقلال على أرضه الوطنية, فنحن الشعب ــ في البلاد العربية وحوض البحر المتوسط ــ الذي لم ينجز بعد تحرره واستقلاله الوطني. وفي قلب هذا المعمعان من التحدي الكبير, نواجه ايضاً تداعيات تسوية اللاتوازن الامريكية الاسرائيلية, ونواجه كشعب واحد قضايا واستحقاقات كبرى مقبلة تتطلب منا جميعاً اعادة الحياة والروح إلى الوحدة الوطنية التي تشكل الروح والبوتقة الواحدة لشعبنا الموحد في فلسطين والشتات مع ما توفره من سلاح وطني لا يثلم في سياق معركة المواجهة ضد الغزو الاستيطاني الكولونيالي الاسرائيلي الصهيوني. استراتيجية المراحل ان تجربة صلاح الدين الايوبي باستراتيجية المراحل ضد الاستعمار الاستيطاني الاقطاعي الاوروبي وممالكه على امتداد بلاد الشام, وعلى يد عبد الناصر ونضال شعوبنا لنهضة مصر وتحرر الشعوب العربية, والمشروع القومي الوحدوي العصري ومحاصرة المشروع التوسعي الصهيوني بدءاً بالصمود بوجه العدوان الثلاثي عام ,56 والمبادرة ببناء نواة جيش التحرير الفلسطيني, ومبادرة بناء منظمة التحرير في قمة الاسكندرية العربية (1964) إلى التماسك بوجه هزيمة يونيو 67 بحرب الاستنـزاف والتحضير لحرب عبور السويس وتحرير سيناء والقبول بمبادرة روجرز في يوليو ,1970 وتجربة سوريا في الدفاع والصمود والمفاوضات الثنائية بالاستناد إلى المراحل والاصرار على عودة الاحتلال والاستيطان إلى ما وراء خطوط 4 يونيو 1967 مقابل الترتيبات الامنية والعلاقات وحل مشكلات المياه, وتجربة حركات التحرر الوطني في العالم باستراتيجية المراحل, بل وتجربة شعب فلسطين وعدونا التوسعي الصهيوني بصراع المراحل على مساحة القرن العشرين, قبل قرار (تقسيم) فلسطين عام 1947 وبعده, قبل وبعد اقامة دولة اسرائيل عام ,1948 ضم ام الرشراش (منطقة ميناء ايلات) المصرية ـ الاردنية عام ,1950 عمليات التوسع منذ احتلال 1967 حتى يومنا... كلها تفرض علينا استخلاص دروس استراتيجية المراحل وصولاً لإنجاز الحق المقبل مهما طال, فآخر الليل نهار. لذا نسير بالحوارات الوطنية الفلسطينية, لنصبح على مساحة العام الجديد من الالفية الثالثة في اطار مرجعية واحدة ائتلافية على قاعدة برنامج قواسم مشتركة, تقود شعبنا نحو سلام التوازن القائم على أساس المرجعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة التي تكدست أكواماً اكواماً بفعل النضال الوطني والقومي والاممي والدولي مع جبهة التوسعية الاسرائيلية الصهيونية وحلفائها اقليمياً ودولياً على مساحة النصف الثاني من القرن العشرين, بما في ذلك ضرورة استحضار القرار (194) الخاص بحق اللاجئين في العودة وتنفيذ الشق الآخر من القرار الدولي (181) الخاص ببناء سيادة الدولة الفلسطينية المستقلة بحدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس. هكذا تبقى فلسطين الواقع, نقترب من الحلم المشروع رويداً رويداً, كما كنّا في السابق العامل الرئيسي والعقبة الكأداء في تعطيل أية حلول او تسويات لا تنسجم مع حركة شعبنا وامتنا التحررية العصرية ومع المرجعية الدولية لغة اليوم والغد مع الالفية الثالثة, ودون النـزول عن سقف قراراتها. ان مستقبل التسوية المتوازنة مع عبور الالفية الثالثة يتحدد بنجاح العمل المشترك الفلسطيني الموحد في اطار منظمة التحرير الائتلافية باعتبارها جبهة وطنية عريضة لكل طبقات وتيارات شعبنا الوطنية, وبالعمل العربي المشترك واصدقائنا وحلفائنا بالعالم, وبالجهد الجهيد مع قوى السلام الاسرائيلية لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية واعادة فلسطين إلى الخارطة الدولية كدولة مستقلة عملاً بالحق التاريخي والشطر الآخر من قرار الامم المتحدة 181 المعطل منذ عام 1947 حتى يومنا, وعودة اللاجئين إلى أرض وطنهم ليصبح الحلم النبيل قريباً من المنال, لأنه حلم مشروع يقوم على اعمدة الحق الوطني والتاريخي والطبيعي والاخلاقي.