منذ حوالي نصف قرن وتحديداً في عام 1949 عرف العالم اقوى مرصد فضائي, وهو مرصد (هابل) على جبل بالمور في ولاية كاليفورنيا الامريكية, وحينها كان قطر مرآة المرصد يبلغ 5 أمتار, ويستطيع تركيز الاشعة الضوئية الآتية من الكون اكثر من اي مرصد آخر في العالم. لكن في السنوات القليلة الماضية اصبح مرصد (هابل) متقادماً فعلى جبل موناكيا في هاواي حيث يوجد مرصد (سوبارو) يبلغ قطر المرآة حوالي 8 أمتار, اما قطر مرآة مرصد (جيميناي نورث) فيزيد عن 8 امتار, فيما يتجاوز قطر مرآة (كيك) 10 امتار كاملة. والقصة هي ذاتها في كل انحاء العالم ففي اعالي جبال الانديز جنوب تشيلي هناك خمسة مراصد فضائية يزيد قطر مرآة كل مرصد منها عن 8 امتار وهي اما انتهى بناؤها او يوشك على الانتهاء. فيما تحمل قمم الجبال في اريزونا وتكساس وجنوب افريقيا مراصد فضائية اقوى مما كان يمكن للعلماء ان يوظفوه قبل 10 سنوات فقط. وهذا ليس كل شيء, اذ حينما تجاوز كل من هذه المراصد الفضائية طاقة (هابل) فإن بعضها سيتفوق حتى على المرصد الفضائي (هابل) الذي ظل يوفر حتى الان صوراً مذهلة عن الكون البعيد العميق منذ اطلاقه الى مداره في الفضاء في عام 1993. ومع ان قطر مرآة (هابل) الذي يدور حول الارض ليس قياسياً, اذ يبلغ 5.2 متر فقط لكن باعتبار ان هذا المرصد يوجد خارج الغلاف الجوي للارض والوهج الذي يتسبب به فإنه يقدم صوراً لا منافس لها في جودتها لكن هذا لن يدوم فباستخدام تقنيات جديدة لتصفية الوهج الناجم عن الغلاف الجوي, فإن معظم المراصد التي ستبدأ العمل قريباً ستحقق النوعية ذاتها لصور هابل, فيما سيتفوق بعضها عليه. وهذا يعتبر انجازاً هائلاً بالمعايير الفلكية, اذ فيما كان الفلكيون ينتظرون هابل وحده للحصول على صور عالية النوعية فإنهم سيتمكنون قريباً من الاستفادة من خدمات اكثر من عشرة مراصد للحصول على الصور ذاتها بل وافضل منها. ويقول جون هوكرا الفلكي المخضرم والبروفيسور في مركز هارفرد ــ سميثونيان للفيزياء الفلكية: (ان ما كان يحصل في علوم وصناعة المراصد الفضائية امر لا يصدق). والامر لا يتعلق بأحجام المرايا فقط بل وبتقنية صناعتها ايضاً فحين بناء مرصد (هابل) كان يمثل نقلة تقنية هائلة وكان (هابل) مثل اسلافه يعمل بمرايا سميكة جداً كأنها كتل موضوعة داخل تجويف ولحماية المرآة من التحطم تحت ضغط وزنها كان يتوجب ان تكون سماكته تبلغ 66 سنتيمتراً من الزجاج وتزن 18 طناً وذلك الوزن الكبير كان يتطلب هيكلاً ضخماً ليحمله ويحركه اضافة لضرورة ضبطه وتعديل توجيهه باستمرار لمواجهة تأثير دوران الارض عليه, وزيادة حجم مثل هذا الهيكل لزيادة قوته كان يعني نفقات مفرطة بشكل غير معقول. وخلال الستينيات, ونتيجة لرغبة الفلكيين الشديدة في مطاردة مزيد من الضوء تم تطوير حساسات الضوء الالكترونية لان هذه الحساسات اقوى من الأفلام الفوتوجرافية بمئة مرة فإن كل مرصد فضائي على الأرض وجد قوته تتضاعف مئات المرات بين ليلة وضحاها. لكن ذلك لم يبق العلماء سعداء الا لفترة قصيرة, وكلهم احسوا بأن تصميم المراصد الفضائية يحتاج لتغيير جذري غير ان احداً, كما يقول مات ماونتين مدير مرصد (جيميناي) الفضائي: (لم يعرف كيف يحقق هذه النقلة المفهومية في بناء المراصد الفضائية. ومع حلول الثمانينيات رقصت قلوب الفلكيين طرباً اذ وجد الفلكي روجر انجيل من جامعة اريزونا الحل لمشكلة تحطم الزجاج تحت ضغط وزنه وذلك بأن يتم صب المرايا الضخمة بحيث يكون معظمها اجوفاً مع تزويدها بهيكل خليوي (شبيه بالاقراص التي يصنعها النحل) في الداخل ليبقيها صلبة ومتماسكة. اما الفلكي جيري نيلسون من جامعة سانتا كروز فقد اختار بدلاً من صب مرآة من كتلة واحدة استخدام 36 مرآة صغيرة بجانب بعضها تتم ادارتها باستخدام الحاسب لتعمل كمرآة واحدة ضخمة. وفي اوروبا توصل المصممون الى فكرة معاكسة لفكرة انجيل اي بدلاً من صب مرآة جوفاء لتخفيض الوزن يمكن صب مرآة رقيقة لا تتجاوز سماكتها 20 سنتيمتراً بدلاً من 66 سنتيمتراً كما في مرصد هابل على سبيل المثال وتعويض اثر التموج الناتج عن ضعف الصلابة باستخدام الحاسب للتلاعب بالأعمدة التي ترفعها لتحقيق التركيز المطلوب. عن تايمز