بوتين وموري يبحثان عقدة الكوريل في بروناي

اتفقت روسيا واليابان على عقد لقاء قمة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الياباني يوشيرو موري في الخامس عشر من الشهر الجاري في بروناي على هامش اللقاء السنوي للتعاون الاقتصادي، في منطقة آسيا المحيط الهادي.وتم التوصل إلى هذا الاتفاق أثناء الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الياباني لموسكو في الثاني من نوفمبر والتقى خلالها بالرئيس الروسي بوتين ووزير خارجيته سيرجي ايفانوف. ومن المفترض ان تتطرق قمة بوتين ـ موري لمشكلة جزر الكوريل ومستقبل توقيع معاهدة سلام وغير ذلك من قضايا التعاون الاقتصادي بين البلدين. وفي تصريحات للصحفيين بالعاصمة الروسية, أشار الناطق الصحفي لوزير الخارجية الياباني إلى ان طوكيو لم تفقد الأمل بعد في توقيع المعاهدة المذكورة مع موسكو قبل نهاية العام الجاري. وفي نفس الوقت صرح مدير دائرة الخارجية اليابانية ياسوخيسا كاوامورا لجريدة (سيفودنيا) الروسية بأن العلاقات بين روسيا واليابان يمكن وصفها بالركود ولمح المسئول الياباني إلى ان بلاده بدأ ينفذ صبرها تدريجيا في ما يتعلق بالتوصل إلى معاهدة سلام مع موسكو وخاصة ان الطرف الروسي لا يسعى لتنفيذ تعهداته السابقة. وذلك في إشارة واضحة لما وعد به الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين من توقيع للمعاهدة قبل نهاية عام 2000م. ولكن على ما يبدو ان الرئيس بوتين لا يتعجل في هذا الأمر وخاصة ان هذه المعاهدة لا بد وأن تتطرق لقضية جزر الكوريل الشائكة بالنسبة للبلدين. ويعتقد العديد من المحللين والمراقبين الروس ان سيد الكرملين الحالي لن يقدم التنازلات التي ترغب فيها اليابان في ما يتعلق بقضية الجزر وخاصة ان سياسته تبنى على مبدأ وحدة التراب والأراضي الروسية. وكان بوتين قد قطع الشك باليقين أثناء زيارته الرسمية لطوكيو في مطلع شهر سبتمبر الماضي, عندما أكد على ان روسيا تعترف بوجود مشكلة الجزر ولكن لا يمكن ان يدور الحديث عن إعادتها إلى اليابان. وتعد مشكلة جزر الكوريل العقبة الرئيسية في طريق توقيع معاهدة سلام بين البلدين منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945م. وفي هذا الصدد يشير بعض الباحثين الروس المتخصصين في العلاقات الروسية ـ اليابانية إلى ان ما لدى اليابانيين من مشاعر غير ودية تجاه (الجار الشمالي) (أي روسيا) نشأ منذ خمسين عاما تقريبا. ويحمل هؤلاء الولايات المتحدة الأمريكية العبء الرئيسي في إفساد العلاقات بين موسكو وطوكيو, إذ يرون ان أجهزة الدعاية الأمريكية واظبت خلال فترة الحرب الباردة على تقديم روسيا إلى الشعب الياباني في صورة المعتدي.فوفقا لهذه الدعاية فإن الروس طعنوا اليابان في الظهر حين اعتدوا عليها في عام 1945 رغم التزامها باتفاقية الحياد الموقعة في ابريل عام 1941. وترى صحيفة (نيزافيسيما جازيتا) الروسية في عددها الصادر 3/9/2000م ان وثائق سرية أميط عنها اللثام تفيد بأن واشنطن وضعت في عهد روزفلت خطة تقضي بتقسيم اليابان إلى أربعة أقسام بحيث كان من المفترض ان تتولى كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وإنجلترا والصين مسئولية هذه الأقسام على حده. ولكن الرئيس ترومان, الذي أصبح رئيسا للولايات المتحدة بعد وفاة روزفلت, رفض ان يلبي طلب ستالين بوضع قوات سوفييتية في شمال جزيرة هوكايدو نظرا لتخليه عن خطة تقسيم اليابان بعد امتلاك الولايات المتحدة للقنبلة الذرية. ويسود الاعتقاد في اليابان بأن روزفلت اشترى موافقة ستالين على خوض الحرب ضد اليابان مقابل موافقته على ضم جنوب جزيرة ساخالين وجزر الكوريل إلى الاتحاد السوفييتي. ولكن الروس يؤكدون على ان لقاء يالطا بين ستالين وروزفلت وتشرشل لم يشهد أية مساومات بهذا الشأن. فالرئيس روزفلت رأى ضرورة ان تستعيد روسيا هذه المناطق باعتبارها مناطق روسية سابقا. واعترف تشرشل أيضا بأنه من حق روسيا استعادة جنوب ساخالين وجزر الكوريل. ولم يجد اليابانيون حتى بداية الخمسينيات مبررا لطرح الادعاءات بملكيتهم لأي جزء من الأراضي الروسية مسلمين بترسيم الحدود بين الاتحاد السوفييتي واليابان طبقا لاتفاقية يالطا وإعلان بوتسدام. ووافقت الحكومة الأمريكية على ذلك في البداية.غير أنها تراجعت في ما بعد حين بدأ إعداد معاهدة السلام مع اليابان في عام 1951ورغم ان تلك المعاهدة نصت على ان اليابان تتخلى عن جزر الكوريل إلا ان الولايات المتحدة حرصت في الوقت نفسه على ان لا يكون هناك ما ينص على الاعتراف بالسيادة السوفييتية على هذه الأراضي. كما ان المعاهدة لم تسم كل جزر الكوريل التي تتخلى اليابان عنها,مما أدى إلى رفض الاتحاد السوفييتي للتوقيع عليها. وفي يونيو 1955بدأت مفاوضات بين موسكو وطوكيو في العاصمة البريطانية حول إنهاء حالة الحرب وتوقيع معاهدة سلام واستئناف العلاقات الدبلوماسية. وبناء على هذه المفاوضات أعلن الجانبان في بيان مشترك صدر في أكتوبر عام 1956 عن استئناف العلاقات الدبلوماسية وإنهاء حالة الحرب بين الدولتين. وتضمن البيان المشترك موافقة الحكومة السوفييتية على تسليم جزيرتين تقعان قرب هوكايدو هما هابوماي وشيكوتان إلى اليابان بعد توقيع معاهدة سلام.ويرى الروس ان التنازل المذكور الذي أرضى اليابانيين لم يرض الولايات المتحدة حيث طلبت من طوكيو ألا توقع على سلام مع الاتحاد السوفييتي وفقا للشروط المنصوص عليها في البيان المشترك. وقد وجه وزير الخارجية الأمريكي دالاس تحذيرا إلى طوكيو قال فيه ان الولايات المتحدة ستظل تحتل جزيرة اوكيناوا ومجموعة جزر روكو إلى الأبد إذا وافقت اليابان على الاعتراف بالسيادة السوفييتية على جزر الكوريل. وتعقدت الأمور بعد توقيع اتفاقية أمنية بين اليابان والولايات المتحدة في عام 1960 بحيث اعتبرت موسكو ان تقديم أية تنازلات إلى اليابان من شأنه توسيع مساحة الأراضي التي تستخدمها دولة غير صديقة (أي الولايات المتحدة الأمريكية). ويشير الباحث الياباني هاسي جاوا, وهو بروفيسور في جامعة كاليفورنيا, إلى ان مشكلة الأراضي الشمالية أتاحت للولايات المتحدة فرصة ربط اليابان بالاستراتيجية الأمريكية ودفع مشاعر القوميين اليابانيين العدائية عن نفسها وتوجيهها إلى الاتحاد السوفييتي. ويقول الباحث ان الحكومات اليابانية كانت هي أيضا راضية عن هذه الاستراتيجية لأن اليابان كانت بحاجة إلى عدو يجعل اليابانيين يبذلون قصارى جهدهم لتعمير بلادهم بعد الهزيمة وتحقيق الاستقلال وتوفير الأمن اعتمادا على القوة العسكرية الأمريكية. وخلال الزيارة التي قام بها الرئيس السابق للاتحاد السوفييتي, ميخائيل جورباتشوف إلى اليابان أصدر الجانبان بيانا مشتركا أشير فيه ان معاهدة السلام اللاحقة ينبغي ان تصبح وثيقة للتسوية النهائية لمرحلة ما بعد الحرب بما في ذلك حل قضية الأراضي المتنازع عليها. وفي أكتوبر عام1993 قام الرئيس الروسي بوريس يلتسين بزيارة اليابان وصدر إعلان طوكيو الذي أكد على ضرورة متابعة المفاوضات بهدف التوصل إلى توقيع عاجل لمعاهدة السلام وحل مسألة الجزر. وشهد شهر يوليو من عام 1997 إعلان رئيس الحكومة اليابانية روتارو هاشيموتو عن نهج جديد تجاه روسيا يعتمد على الثقة والمنفعة المتبادلة والتعاون الطويل الأمد.وفي نوفمبر 1998م جرى لقاء غير رسمي في ضاحية مدينة كراسنويارسك السيبيرية بين يلتسين وهاشيموتو اتفق فيه الطرفان على بذل قصارى الجهد من أجل توقيع معاهدة السلام قبل نهاية عام 2000. و غالب الظن ان موقف الرئيس بوتين المعلن والخاص بعدم إعادة الجزر لليابان سيشمل مجمل حقبته الرئاسية,كما ان الحكومة اليابانية الحالية لن تقوى على التسليم بعدم استعادة الجزر. وبذلك قد يغلق الطريق أمام توقيع معاهدة سلام دائمة بين البلدين وإن كنا لا نستبعد توقيع اتفاقية مرحلية أو انتقالية بهذا الشأن في وقت مقبل. ويدرك الجانبان ان عدم التوصل إلى حل وسط في المستقبل القريب سوف يعيق الحديث الدائر عن مشاريع القرن المشتركة والاستثمارات اليابانية الضخمة في الاقتصاد الروسي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات