كلينتون بدأ العجز وباراك يسحب تنازلاته

يؤشر اختيار رئيس جديد للولايات المتحدة على بدء مرحلة تسمى في القاموس السياسي الامريكي (المرحلة العرجاء), ذلك ان بيل كلينتون ــ الذي يسمى بدوره (رئيسا اعرج) خلال اسابيعه الاخيرة، في البيت الابيض ـ يصبح غير مفيد بأية اعتبارات تتعلق بانتخاب الرئاسة أو الكونجرس, واقل انخراطا في القضايا السياسية المعقدة التي تحتاج إلى تواصل زمني يفتقده الرئيس في هذه الفترة الرمادية المؤقتة, ثم انه يغدو اقل قدرة على التأثير في اية اطراف محلية أو خارجية, حيث تدرك هذه الاطراف انه رئيس ذاهب على اي حال بعد شهرين فحسب. الا ان كلينتون يلتقي صباح اليوم ياسر عرفات, ثم يلتقي صباح الاحد ايهود باراك, فإلى اي مدى يمكن ان تكون هذه اللقاءات مؤثرة بالفعل على مسار الامور بين الفلسطينيين والاسرائيليين, إلى اي مدى يمكن ان تفضي إلى نتائج قد يحتاج تحقيقها ـ بسبب الطبيعة المعقدة لما سيبحثه الرجلان ــ إلى وقت اطول مما بات متاحا الان امام بيل كلينتون؟ ويدرك باراك ان مستقبله السياسي بات مرهونا بعملية السلام, فان عاد رئيس الوزراء إلى اسرائيل بنتائج ايجابية فان ذلك قد يمنحه مساحة اخرى للمناورة على المسرح السياسي الاسرائيلي, خاصة بعد اعلان حركة شاس انها ستسحب تأييدها للحكومة الحالية بعد انتهاء (فترة السماح) التي منحتها الحركة لايهود باراك, ثم بعد اعلان شارون ان شعاره الان بات ضرورة اسقاط الحكومة الحالية بعد اخفاق محاولات التحالف المشروط معها. الا ان باراك يتحسب في الوقت نفسه لاحتمالات فشل جهود اللحظة الاخيرة التي يبذلها بيل كلينتون الان, فقد صرح بعض اعضاء اللوبي الاسرائيلي البارزين ان رئيس الوزراء يريد ان يسجل امام الرئيس بيل كلينتون انه يسحب بصفة رسمية عرض اعادة مناطق من القدس الشرقية للفلسطينيين, وقال هارفي شوارتز الذي يفترض انه قريب مما يحدث ان باراك سيلتقي كلينتون صباح الاحد, اي بعد ثلاثة ايام من لقاء عرفات بالرئيس الامريكي (ويعني ذلك ان امام رئيس الوزراء فرصة لتقويم مدى المرونة التي ابداها عرفات في لقائه مع كلينتون). وتعني هذه العبارة الاخيرة ان باراك سيحدد الطريقة التي يخرج بها من اجتماع الاحد امام الرأي العام الاسرائيلي على اساس نتائج اجتماع عرفات, فان ادرك باراك ان عرفات متماسك حول موقفه, وان الامر سيحتاج إلى وقت اطول مما هو متاح امام كلينتون, بل وامام باراك نفسه, فان رئيس الوزراء الاسرائيلي لابد ان يستخدم مناسبة اجتماع البيت الابيض لارتداء قناع الصقور, وسحب (تنازلاته) السابقة بشأن القدس حتى يستعيد تأييد بعض قطاعات المتشددين على الساحة السياسية الاسرائيلية. اما عرفات فان اجندته واضحة, فعلى الرغم من الرفض الامريكي والاسرائيلي لفكرة نشر قوات دولية في الضفة والقطاع, فان شوارتز يقول ان الزعيم الفلسطيني سيعيد طرح المسألة على بيل كلينتون. ويضيف شوارتز ان هدف عرفات واضح (ذلك انه يريد اعلان الدولة الفلسطينية تحت حماية الخوذات الزرقاء), واوضح العضو القيادي في لجنة ادارة (ايباك) رأس الرمح للوبي الاسرائيلي في واشنطن, ان عرفات حصل على دعم مالي وسياسي عربي يكفيه لاعلان الدولة المستقلة, وان عليه الان اقناع بيل كلينتون. اما المتشائمون فانهم يفوقون المتفائلين عددا بكثير في مختلف دوائر العاصمة الامريكية. وعزز مناخ التشاؤم بعد اعلان دينيس روس اعتزامه مغادرة وزارة الخارجية الامريكية في يناير المقبل, فقد قال روس انه يرغب في تخصيص المزيد من الوقت لاسرته, وان الموقف الراهن يحتاج إلى جهد ووقت كبيرين يأتيان على حساب عائلته, وعلى الرغم من ان روس قال انه واثق من ان الادارة المقبلة ستلعب دورا رئيسيا في جهود السلام, الا ان احدا لم يلتفت إلى هذا التصريح الاخير باعتباره (امنيات خاصة). ذلك ان الادارة المقبلة ستحتاج إلى وقت طويل حتى تمسك بزمام الامور في واشنطن, ثم انها تحتاج لوقت طويل اخر حتى تستوعب حساسيات وتعقيدات المواجهة بين الفلسطينيين والاسرائيليين, ويعني ذلك ان لقاءات كلينتون وعرفات هي (اللقاءات الاخيرة) التي قد لا نرى مثيلاتها قبل شهور طوال, ان لم تسفر عن شيء ايجابي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات