اجرى (بيان الاربعاء) حوارا مع الدكتور اسعد عبدالرحمن عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيس مجلس ادارة هيئة الموسوعة الفلسطينية الذي اكد ان حكومة رئيس الوزراء الاسرائيلي، ايهود باراك مزقت اتفاق اوسلو الذي تناثر في الهواء وذهب مع الريح مع اول صاروخ صهيوني. واوضح ان اسرائيل هذه الايام تطلب الكثير من السلطة الفلسطينية هذه الايام لكن السلطة لا تلبي لها شيئا مؤكدا ان اسرائيل لم تطلب من الجهات الامنية الفلسطينية اعادة اعتقال اعضاء حركة المقاومة الاسلامية حماس الذين تم الافراج عنهم على اثار الضربات الصاروخية الاسرائيلية على مواقع السلطة الفلسطينية. وفيما يلي تفاصيل الحوار : * لنبدأ من ملف القدس هل من جديد على هذا الملف؟ وهل هناك تشدد في الموقف الفلسطيني في ظل الظروف الراهنة؟ ــ الموقف الفلسطيني ما زال كما هو وعلى ما كان عليه في قمة كامب ديفيد الثانية التي رفضت فيها القيادة الفلسطينية الخضوع للضغوط الأمريكية والإسرائيلية. * ولكن القيادة الفلسطينية قدمت تنازلات فيما يتعلق بجزء من الحرم القدسي والمدينة القديمة ؟ ـ ليس بهذه الصيغة لم تتنازل القيادة عن أي جزء من الحرم القدسي, فالوفد الفلسطيني قدم تنازلا بالموافقة على السيادة الإسرائيلية على الحي اليهودي, بالإضافة إلى تأمين ممر آمن إلى ذلك الجزء الغربي من المسجد الحرام والذي يطلق عليه اليهود حائط المبكى, ونعرفه نحن بحائط البراق. هذا هو موقف القيادة الفلسطينية منذ ذلك الحين وحتى الآن. أي انه موقف يصر على عودة جميع الأراضي التي تم احتلالها ابان حرب يونيو عام 1967 , بمعنى عودة القدس الشرقية كاملة غير منقوصة, وهذا ما لم توافق عليه إسرائيل التي أرادت فقط منح الفلسطينيين السيادة على جزء محدد سواء داخل السور أو خارجه, وبالتأكيد لا تعني إسرائيل بهذا المنح أن يكون الحرم ضمن السيادة الفلسطينية . * في مناسبة الحديث عن المسجد الأقصى هل ترى أن إسرائيل جادة في هدمه ؟ ـ من المعروف لدينا أن هناك عدة قوى في إسرائيل لها تحركات مختلفة على صعيد هذا الأمر, فهناك قوى يمينية إسرائيلية متطرفة تعلن جهارا عن برنامجها وحماستها من اجل تدمير المسجد الأقصى وإقامة ما يسمونه هيكل سليمان المزعوم مكانه, بل أن هذه القوى لم تتوقف عند حدود النوايا والخطط المستقبلية أو الرغبة في اقتراف هذه الحماقة, وإنما تجاوزت ذلك بأكثر من اعتداء على المسجد أو المصلين فيه, وكلها اعتداءات عرفت وجرى التعامل معها في حينه ويخضع لهذا الأمر أيضا ما قامت به السلطات الإسرائيلية من حفر أنفاق تحت الحرم القدسي وفي باحاته. وبالإضافة إلى هؤلاء هناك قوى أخرى تختلف في وجهة نظرها مع القوى المتطرفة, ولكنها أيضا يمينية تتحرك بشكل اشد ذكاء من الأولى وربما اخطر, بحيث لا تقول بهدم المسجد الأقصى, وإنما تتحدث عن إقامة هيكلهم المزعوم أو على الأقل كنيس في باحة المسجد الأقصى. ومن هنا كنا وما زلنا نقول للعرب والمسلمين أن عليهم اخذ التهديدات الإسرائيلية بمحمل الجد وان لا يعتبروا أن ما يسمعونه باستمرار من قبل هؤلاء مجرد تهديدات غير قابلة للتطبيق, فقد اعتدنا على الإسرائيليين العمل على ما يريدون جيدا وبشكل دقيق ومدروس, وهم بالإضافة إلى كل ذلك في هذا الموضوع ليس في أوله, أو انهم لم يخطوا الخطوة الأولى فيه, بل انهم خطوا خطوات واسعة في سبيل تحقيقه, ومن هنا يكمن الخطر. ما يطلقه اليهود من تهديدات لهدم الأقصى ليس مزاحا ولا هو غير قابل عندهم للتنفيذ, وعلينا التعاطي معه بكل جدية بوصفها مخاطر حقيقية, خصوصا, وأننا لاحظنا رئيس الحكومة الإسرائيلي أيهود باراك قد حاول في قمة الكامب أن يضع مسمار جحا عبر اقتراحات معينة للاعتداء على حرمة المسجد الأقصى والسيادة الفلسطينية عليه في الوقت المناسب, إلا أن كل هذه المحاولات باءت بالفشل بعد الموقف الفلسطيني المتشدد في حينه . الهيكل المزعوم * قبل الانتقال إلى توضيح الموقف الفلسطيني في قمة الكامب أريد الاستفسار عن مدى حقيقة الأنباء التي تحدثت عن أن حجارة الهيكل المزعوم جاهزة للنقل والبناء مكان الأقصى, وأنها الآن موجودة في النقب ومرقمة في انتظار إشارة البدء في العمل, حيث أن المخطط النهائي قد تم إعداده منذ فترات طويلة ؟ ـ لم اسمع عن ذلك وفي الحقيقة استغربه, إذ أن مثل هذه المعلومات رغم متابعتي الحثيثة لم تصل إلى أسماعي ولا أنا قرأتها اعلم انه قد تكون هناك جهات اكثر بروزا في الحياة السياسية بحيث تقدمت بمثل هذه الخطوات. على أني حتى وان لم تكن هذه المعلومات دقيقة فإنني لا انكر أن هؤلاء اليهود يعملون بكل جد تجاه هذا الموضوع, بحيث علينا أن نأخذ كل الاشاعات الواردة في هذا المعنى على محمل الجد. * فيما تؤكد القيادة الفلسطينية أن قمة الكامب لم تسفر عن حدوث أي تقدم على عملية السلام وأنها لم توافق على أي من المقترحات الأمريكية أو الإسرائيلية لأنها لا تشكل الحد الأدنى من تطلعات الشعب الفلسطيني, تشير بعض التقارير والتصريحات الأمريكية والإسرائيلية إلى أن الرئيس الفلسطيني لم ينفذ ما تم الاتفاق عليه في قمة الكامب وشرم الشيخ, فما هي حقيقة ما جرى في قمة كامب ديفيد الثانية وهل صحيح انه تم الاتفاق على شيء ما ؟ ـ من الواضح جدا ليس لنا كفلسطينيين بل وللعرب وجميع المراقبين أن هناك حملة ترويج واسعة النطاق وشديدة القوة باتت تعمل عليها بعض الأوساط السياسية الإسرائيلية والأمريكية, لا تهدف إلى تشويه صورة القيادة الفلسطينية فقط بل والى تشويه صورة الشعب الفلسطيني بشكل عام والعرب جميعا, وإذا كانت هذه الحملة قديمة إلا أن الجديد فيها الآن هو شدتها وجديتها في إقصاء بعض رموز القيادة الفلسطينية عن مواقعها من اجل إرباك الصف الفلسطيني واحداث بلبلة فيه. أن ما ثبت أخيرا في هذا الموضوع اصبح خارج دائرة المعلومات, ذلك لأنه ثبت بشكل مؤكد ان ما يشاع عن الكامب مجرد طروحات إسرائيلية, كانوا يراهنون على الموافقة عليها, وتأتي هذه المراهنة لدى بعض الأطراف في ظل التأكد من طرفهم أن ما قدمته إسرائيل من ( تنازل ) حسب قولهم كان كبيرا جدا, وبالتالي فانهم يفترضون أن يتم في الجهة المقابلة التنازل على الضفة الفلسطينية, فعندما جوبه الطرف الأمريكي في كامب ديفيد والذي فاوض نيابة عن الطرف الإسرائيلي بالرفض الفلسطيني كانت الدهشة ترتسم على وجههم جميعا. وهم في هذا السياق لم يلاحظا أن (كرمهم) هذا أو ( تنازلاتهم ) تلك إنما جاءت قياسا على ما قدمته حكومة بنيامين نتانياهو, وليس قياسا على مرجعية مؤتمر مدريد واتفاق المبادئ في أوسلو, تلك المرجعية التي تتلخص في تنفيذ قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية. بل أن ما حدث في كامب ديفيد ما هو أسوأ من هذا وهو أن الادارة الأمريكية التي نادت بالمرجعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة عادت وعدلت عن موقفها كي ينسجم مع الموقف الإسرائيلي, والمصيبة في هذه الردة أن هذه الإدارة باتت تدافع عن هذا التحول أو الانعطاف بشكل جدي ومتصلب. خصوصا فيما يتعلق بمصير القدس واعتمادهم السابق على المرجعية التاريخية. وتأسيسا على ذلك فان كل ما قالته الإدارة الأمريكية في البداية ثم تراجعت عنه نوعا ما ومن ثم كل ما قاله المسئولون الإسرائيليون ثم عادوا وتراجعوا عنه إنما كان نوعا من محاولات الضغط على الطرف الفلسطيني وإحراجه عربيا ودوليا. ونحن نذكر الرحلات المكوكية التي قام بها الأخ أبو عمار والتي جال فيها عواصم الوطن العربي والإسلامي وغيره بهدف توضيح المواقف الفلسطينية وجلاء الصورة لدى السياسيين العرب والمسلمين. أما فلسطينيا فقد تم تقديم تقرير مفصل عما جرى في كامب ديفيد الثانية بصورة شفافة وواضحة من خلال تقرير اللجنة التنفيذية الذي قدمه الأخ أبو مازن إلى المجلس المركزي وعرض فيه أمام اعضائه ما حصل . ومنذ ذلك الوقت لم نعد نسمع أن هناك أي اتفاق من أي جانب حتى من الجانبين الإسرائيلي والأمريكي.والجميع يعرف انه لو تم أي اتفاق بين الأطراف المجتمعة في كامب ديفيد الثانية فان الإدارة الأمريكية أو الحكومة الإسرائيلية ما كانت ستسكت عنه خصوصا في ظل هذه الأجواء ولكانت على الأقل أشارت له. ولأنني متأكد من ذلك أقول انه إذا كان قد تم الاتفاق على أي شيء لماذا لا يظهر الأمريكيون أو الإسرائيليون وثائق تثبت صحة ذلك. وفي الحقيقة أنا لا اخفي انه قد ساورني بعض الظنون على الصعيد الشخصي مثلما ساروت الكثيرين انه قد تم تراجع أو حتى اتفاق ما, إلا أن التقارير الأكثر رصانة سواء الدولية أو الإسرائيلية نفت كل هذه الظنون, إضافة إلى أن التتابع الزمني منذ كامب ديفيد حتى الآن والتأكيدات التي حصلنا عليها من جميع القيادات الفلسطينية سواء في اجتماعات القيادة الفلسطينية المشتركة أو في اللجنة التنفيذية منفردة تثبت كلها أنه لم يجر أي اتفاق, ناهيك عن التقرير الصافي التفصيلي الذي قدمه الأخ أبو مازن باسم اللجنة التنفيذية أمام المجلس المركزي الفلسطيني, والذي حظي بعملية نشر واسعة لمضامينه. ومن هنا تأكد للجميع أن المحاولات الإسرائيلية الأمريكية لإحراج القيادة الفلسطينية كانت مجرد اتهامات لا أساس لها من الصحة, وأنها تهدف كذلك إلى تلميع الموقف الإسرائيلي دوليا, وضرب الموقف الفلسطيني لاحقا عند حدوث أي مفاوضات تالية من اجل قبول المفاوض الفلسطيني لاحقا ما لم يقبله في قمة الكامب. وقد لاحظنا بعد هذا الفشل كيف أن إسرائيل نقلت عملية المفاوضات أن جاز التعبير إلى الميدان محاولة بقوة السلاح فرض ما لم تستطع فرضه على الطاولة. تهجير العمال * يشعر الكثير من الفلسطينيين أن هناك هدفا إسرائيليا بطرد الفلسطينيين إلى البلاد العربية المجاورة فهل تعتقد أن هذا الشعور له ما يبرره ؟ ـ هذا هو الهدف في صلب الاستراتيجية الإسرائيلية, وخصوصا استراتيجية القوى اليمينية الأكثر تشددا. ومن الواضح أن هذا الجنون الدموي الذي تمارسه آلة الحرب الإسرائيلية مدعومة من قوى المعارضة لديها يشكل نوعا من الضغط الهائل سواء على الصعيد المادي أو الصعيد المعنوي لدى كثير من الفلسطينيين, وهؤلاء الإسرائيليون يسعون إلى تحقيق هذا الهدف بصورة مبرمجة وبشكل تدريجي, وطويل النفس. إلا أن هذا المخطط لا يمر على شعبنا الفلسطيني الواعي بهذه البساطة فكل تلك المحاولات جرى كشفها من قبل قوى الشعب والجماهير خصوصا بعد التجربة الاليمة التي مررنا بها في العام 1948 والعام ,1967 هذه التجربة التي استفاد منها الشعب كثيرا, مما دفعه إلى خلق حالة استراتيجية يطلق عليها اسم الاستراتيجية المضادة, وجوهرها رغم بساطتها (نموت ولا نرحل). * جراء الحصار الإسرائيلي المفروض على مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية سمعت أصواتا قيادية تتحدث عن ضرورة استيعاب الدول العربية وخصوصا الخليجية للعمال الفلسطينيين, هذه الدعوة ألا تعني إذا ما تمت تفريغ الأراضي الفلسطينية طوعا من أهلها, وبشكل تدريجي كما سبق وذكرت ؟ ـ بالتأكيد هذا الأمر صحيح, ولكن لي اعتراض على قول أن تلك أصوات قيادية .. المهم أن هذا موجود بالفعل في العقلية الإسرائيلية, أما ما طرحته السلطة فهو الخطة البديلة التي لا بد منها إذا ما أراد الاخوة العرب العمل على مساعدة الفلسطينيين وهذه الخطة تتمحور في تثبيت المواطن الفلسطيني في أرضه عبر سلسلة من الوسائل والاساليب أهمها تقديم المساعدات لهم وإيجاد استثمارات لكي يجد المواطن الفلسطيني فرصة للعمل في هذه الاستثمارات وعلى أرضه, تكون بديلا للعمل في ( إسرائيل ). خلافة عرفات * بدأ يطفو على السطح مجددا الحديث عن خلافة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات, فلماذا حتى الان لم يعين الرئيس عرفات خلفا له مع العلم ان الساحة الفلسطينية بحاجة ماسة الى عدم خلق ارباك اضافي لها, وغياب عرفات بشكل ابو بآخر من شأنه ان يحدث زعزعة في البيت الفلسطيني الذي يبدو ان فيه الكثير من الشخصيات الطامحة لان تكون البديل مما يعني المزيد من البلبلة ؟ ـ هذه الاحاديث التي تخشى من حدوث فتنة ما في حال غياب الاخ ابو عمار, غير دقيقة, وهذه الخشية ليست في محلها, فالفتنة التي ذكرت لن تخرج عن كونها زوبعة في فنجان, ذلك انه ليس مطروحا من قبل أي جهة هذا الموضوع بجدية, لان ابو عمار ما زال حيا, وما زال قادرا على ممارسة اعماله بالكفاءة ذاتها التي كان يمارس بها اعماله وهو اصغر سنا, بل ان هذه الطاقة التي لدى ابو عمار تثير دهشة وذهول الكثيرين جراء قدرته على متابعة العديد من المواضيع في آن معا بالاضافة الى الطاقة الهائلة التي يتمتع بها. اما فيما لو حدث ما هو مقدر لاي حي على وجه هذه الارض فان ميكانزمات الخلافة متوفرة, ولا اظنها ستكون مشكلة كبيرة اذ ان كل الزعماء مهما ارتفع شأنهم وسطع نجمهم الى زوال. وهذا الكلام يقودنا الى الاشارة بان الشعوب ليست عاقرة وهي على الدوام قادرة على انتاج المزيد من الزعماء والقادة والشعب الفلسطيني ليس استثناء . * ولكن دكتور الا تعتقد ان القيادة سترتكب خطأ فادحا فيما لو تركت الباب مفتوحا على الاحتمالات خصوصا في هذا الموضوع, علما بان اسرائيل هنا الحاضرة الغائبة ؟ ـ هنا تكمن المشكلة الحقيقية ولا اعني ما بعد الاخ ابو عمار ولكن اثناء وجوده بمعنى ان ما يجري حاليا الان هو امر مختلف فالتصريحات الصهيوينة متكاثرة في هذه الاثناء والتي تتحدث عن ضرورة ابعاد الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات باعتباره وفقا لتصريحاتهم هم لم يعد شريكا في السلام وباعتبار ان ما لا يوافق عليه الاخ ابو عمار يأتي بديل له من المنتظر ان يوافق هذا البديل على جميع الطروحات الاسرائيلية او لنقل الاملاءات الصهيونية . واحب ان اؤكد هنا ان ما يجري حاليا ما هو الا اغتيال سياسي لسمعة ابو عمار في الاوساط السياسية الدولية هذا الاغتيال الذي قد يفضي الى اغتيال جسدي لاحقا, مع علمنا ان لباراك خبرة طويلة في قتل القيادات الفلسطينية. عرفات مستهدف * هل تريد القول ان عرفات مستهدف من اسرائيل ؟ ـ نعم مستهدف, لقد ورد اكثر من تقرير عن محاولة لاغتيال او تصفية الاخ ابو عمار وترافق ذلك مع تقارير صحفية عديدة تحدثت عن مثل هذا الموضوع, ولكن لا يحتاج المرء الى الكثير من الذكاء حتى يدرك ان ثمة تمهيد سياسي واعلامي بل وتشجيع لمثل هذا الامر. * عودة الى الاحتمالات التي يمكن ان تفتح اذا ما غاب عرفات دون طرح بديل مقنع, الا تعتقد ان ذلك سيدفع الساحة الفلسطينية الى كارثة, خصوصا في ظل وجود اسرائيل التي لن تتخلى عن هذه الفرصة السانحة لتفجير الازمة الفلسطينية الفلسطينية ؟ ــ لا شك ان غياب زعيم تاريخي بوزن ابو عمار سيحدث الفراغ الذي كان قد احدثه غياب زعماء تاريخيين في مناطق اخرى في اوقات سابقة, غير ان هذا الفراغ, وهذه الفجوة في أي نظام عالم ثالثي تسوده الزعامات التاريخية ظاهرة شهدناها في الماضي وسنشهدها في المستقبل, غير ان هذا ا لفراغ الكبير الذي يحدث عادة بعد غياب قائد كبير لن يمضي وقت حتى يتم شغله والشعوب دائما كما كانت في السابق قادرة على خلق مزيد من القدرات الخلاقة لدى بعض افرادها, بمعنى انه هناك بدائل دائما ولا اقول هنا انه بالامكان ان ينتقل الشعب من زعيم الى اخر بسهولة ويسر, هذا غير ممكن, بالاضافة الى انه من غير الممكن ان يتم ملء الفراغ بالكامل, فنحن هنا نتحدث عن قيادة تاريخية. اما البديل وان كان لن يستطيع اكمال المشوار بالطريقة نفسها الا انه من الممكن ان نقول انه بالامكان ملء فراغ ما. فقد ذهب تشرشل وديجول وماوتسي تنج ولم تتوقف الامم عن العطاء والتقدم, وان كانت المسيرة قد تعثرت لفترة زمنية ما. * د. عبد الرحمن هل تخشون انتم القيادات الفلسطينية من طرح الموضوع على الرئيس عرفات, لماذا لا يتم تخفيف العبء عن الشعب الفلسطيني في هذا الجانب ؟ ـ لماذا نخاف, الموضوع نفسه طرح في الصحف وتناولته التقارير باستفاضة, بل ان الاخ ابو عمار اجاب عليه في احد المؤتمرات الصحفية حين قال ان الاليات موجودة ومتوفرة لاستلام خليفة ما. وبالتأكيد فان غياب قائد من وزن ابو عمار عن الساحة الفلسطينية في هذه المرحلة بالذات سيكون له ابعاد سلبية كبيرة, فالشعب الفلسطيني مشغول الان بنضاله ضد اسرائيل, وهذا يعني ان أي انتكاسة على وضعه الداخلي لن تكون في صالحه مطلقا واسرائيل ستعمل بالتأكيد على استغلال ذلك الامر. ونحن نعلم ان غياب عرفات في ظل ظروف اكثر استقرارا, مثلا بعد اعلان الدولة الفلسطينية وتحقيق عملية التسوية سيكون اقل تكلفة مما لو غاب قبل اعلان الدولة. تلاحم كبير * من الملفت للنظر مستوى التلاحم الشعبي الكبير في الداخل الفلسطيني هذا التلاحم الذي دعت اليه حاجة الارهاب الاسرائيلية, فلماذا لا تكمل السلطة هذا التلاحم وتخرج المعتقلين السياسيين من حركة (حماس) والجهاد الاسلامي من سجونها ؟ ـ اريد في البداية ان اؤكد ان هناك تلاحما كبيرا بين القيادة الفلسطينية والجماهير والقوى وانه وان كانت هناك هوة تفصل القيادة عن الجماهير قبل الانتفاضة فان وحدة الحال دفعت الجميع الى التلاحم بحيث ردمت بقوة وحرارة المواجهة. حتى ان القوى والجماهير التي كان لديها بعض الشكوك في القيادة فانها الان وبسرعة قياسية قد تخلت عن شكوكها في سبيل الثقة بعرفات وقيادته وان القيادة الفلسطينية لم تتخل يوما ما عن الثوابت الفلسطينية, وبالاخص عن برنامج الحد الادنى اثناء مفاوضات قمة كامب ديفيد الثانية, وهذا الامر كان كما قلت سابقا مدفوعا بقوة من خلال وحدة الحال, فالسلطة والجماهير والقوى الفلسطينية وفي طليعتهم الحزب الحاكم فتح, واحزاب المعارضة الكبيرة سواء حركة حماس او الجهاد الاسلامي كلها في خندق واحد, وعلى ارضية برنامج سياسي موحد جوهره تطبيق قرارات الشرعية الدولية بعد ان قامت حكومة باراك بتمزيق اتفاق اوسلو الذي تناثر في الهواء وذهب مع الريح مع اول صاروخ صهيوني . * اذا كان الحال على ما تصف لماذا اعادت السلطة الكثير من معتقلي حماس الى سجونها ؟ ـ اذا كانت هذه المعلومات صحيحة فانني من الداعين الى ان تقوم السلطة بالافراج عن هؤلاء المعتقلين جميعا, فنحن نرفض ان يكون في السجون الفلسطينية سجين سياسي واحد, وان وجد هذا السجين فان على السلطة اتخاذ طريقين اما تقديمه الى القضاء كما هو معمول به في المجتمعات الحضارية, وكما نص عليه اعلان استقلالنا في الجزائر عام 1988 , اما الحل الآخر فهو اطلاق سراحهم . وحتى لو كان هناك مبررات لمثل هذه الاعتقالات لدى هذا المسئول او ذاك في السلطة فان جميع هذه المبررات قد سقطت, ونحن جميعا نجابه التناقض الاساسي الذي يحاول ذبحنا جميعا بما فينا اهلنا في ارض الـ 48. * هل تعتقد ان عودة المعتقلين الى سجون السلطة مطلب اسرائيلي كما تحدث عنه البعض ؟ ــ في الحقيقة فان اسرائيل تطلب الكثير هذه الايام, وواضح ان السلطة لا تلبي لها شيئا. تصعيد اسرائيلي * من الملاحظ من الاجراءات الاسرائيلية على الساحة الفلسطينية ان رئيس الوزراء الاسرائيلي يريد التصعيد واشعال الشارع الفلسطيني من خلال القتل والمزيد من العنف والارهاب, فما مرد ذلك برأيك ؟ ـ من الواضح ان السياسة الاسرائيلية يحركها عاملان اثنان : الاول يتعلق بالسياسة الاستراتيجية التي قوامها خطة باراك ومن والاه على فرض السلام الاسرائيلي, بالصيغة الباراكية تماما مثلما حاول نتانياهو عندما اراد فرض السلام بصيغته الخاصة, وكما جوبه الاخير بالرفض الفلسطيني فان باراك يجابه بالرفض الفلسطيني الذي يطالب بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية بحدودها الدنيا كما نصت عليه مرجعية مدريد واتفاق اوسلو. اما العامل الثاني فهو المأزق السياسي الداخلي الذي يجابهه رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك والذي لا مخرج منه اما بفرض السلام الباراكي وهو امر اتضح انه غير ممكن او بزيادة التصعيد وتوسيع رقعة المجازر وهدر الدم الفلسطيني وتوسيع الازمة لتشمل اطرافا عربية وبخاصة سوريا ولبنان لخلق اجواء خاصة لحكومة طوارىء طالما ان الحكومة الوطنية غير متوفرة وهذان هما العاملان الكبيران في السكوت الباراكي على الاستفزاز الشاروني في الحرم الشريف, مثلما هو وراء المجزرة التي تلت في اليوم التالي ثم توسيع المجزرة الى الان. * ما هي الاوراق التي تراهن عليها السلطة في الوقت الراهن؟ ـ لطالما كانت لدينا اوراق ثابتة على مدار السنين اولها هذا الشعب الجبار بما فيهم اهلنا في اراضي الـ48 واهلنا في الشتات, هذا الشعب الذي اكد بنضالاته انه شعب يستحق الحياة, ويستحق ان يعيش كما باقي شعوب الارض المطمئنة على ارضها الا ان الهجمة الصهيونية على امتداد قرن وربع القرن لم تتركه بسلام. هذه ورقتنا الاولى والاهم ان هذا الشعب الباسل الذي يعرف كيف يموت كما يعرف كيف يعيش. وقدرة هذا الشعب على التجدد والانبعاث من جديد كلما قيل انه قعد او استكان هي الورقة الاكبر والاشد قوة بيد القيادة الفلسطينية. اذا كانت اسرائيل تحميها الورقة الاهم في المنطقة وهي القوة النووية فان القيادة الفلسطينية ليس لديها تلك القوة بل ليس لديها قوة اقل بكثير ولكن لديها شعبها الذي يقودها كما تقوده. للاسف اصبح المنظرون الاسرائيليون والغرب ومن ابرزهم الامريكيون يتكلمون عن معادلة كيف ان اسرائيل تقهر عدوها الشعب الفلسطيني بالرصاص والقوة, وفي المقابل كيف يقهر الشعب الفلسطيني عدوه الاسرائيلي بالشهداء, هذه المعادلة القذرة التي يتكلم عنها قادة الرأي العام الغربي رغم وضاعتها وساديتها ووحشيتها, تشير الى الواقع الفلسطيني بكل دقة ان الشعب الفلسطيني الذي تساوت عنده الحياة مع الموت امام الاخطار المحدقة وامام التهديد الاسرائيلي لمقدساته يقهر عدوه بالشهادة, بالنضال, بالصدر الاعزل. اما الورقة الاخرى التي بيد القيادة الفلسطينية فهي التركيبة السياسية الفلسطينية من حيث تعددها وتنوع القوى فيها سواء داخل منظمة التحرير الفلسطينية او خارجها. وسواء كانت هذه القوى حركة فتح او الجبهة الديمقراطية او الجبهة الشعبية او حركة حماس او حركة الجهاد الاسلامي او غير ذلك كلها تشكل اوراقا اضافية وقوية .اما الورقة الثالثة فهي ورقة ان القيادة لم توقع بعد أي معاهدة سلام مع قوة الاحتلال, حتى تحول هذا التوقيع الى خطوط من ذهب, وبهذه الحالة تحول هذا الوضع الى قوة هائلة مع علمنا ان الاسرائيليين احوج ما يكونوا الى هذا التوقيع, بل انني اقول بكل ثقة انهم احوج اليه اكثر من الشعب الفلسطيني نفسه, وفي المقابل فاننا نعلم كيف ان باقي الدول العربية ينتظرون هذا التوقيع وانه مرهون بالتوقيع الفلسطيني. هذا على الصعيد الداخلي الفلسطيني اما على الصعيد القومي فان البعد العربي الذي نعرف جيدا القوة الهائلة الذي نستمد منه تحركاتنا, بل هذا البعد ظهر في الوقت الحالي لدى جماهير الشعب نفسها بحيث لاحظنا انها كانت تعرف جيدا ان من وراء انتفاضتها يقف الشعب العري بأسره وهذا ما يعطي الانتفاضة بعدا اضافيا لا يقل اهمية عن قوة الدفع الذاتي الذي يملكها الشعب. ومن المعروف انه على الصعيد العربي سواء الجماهيري او القيادات فان هذا الوجود يشكل رصيدا هاما للروح الفلسطينية بالاضافة الى كونه يشكل رصيدا مهما للعمل الفلسطيني. واذا ما تم تطوير حركة الجماهير العربية التي برزت عليها مؤشرات عديدة مؤخرا بعد الانتفاضة فان ذلك لن يكون حاضنة للمقاومة الفلسطينية وحسب, بل سيكون قوة هائلة جبارة الى جانب هذه المقاومة. اضف الى ذلك الورقة الاسلامية التي لم تشتغل حتى الان كما يجب, والامر ذاته ينطبق على دول العالم الثالث. اما الورقة الاخيرة فهي ورقة الرأي العام العالمي وبالذات منه الغربي سواء على صعيد الحكومات او على صعيد المنظمات والمجتمعات, بالاضافة الى كل ذلك فان هناك احتياطيا معطلا حتى الان يجب ان لا ننساه وقد يبقى معطلا لفترة غير قصيرة ويتمثل في قوى السلام الاسرائيلي والليبرالي الموجودة ولو على نحو هامشي في المجتمع الاسرائيلي. والمطلوب ان يرتفع صوتها كي لا تترك اثرا مهما كان هذا الاثر بطيئا مثلما حدث في الموضوع اللبناني وبخاصة بعد ان زاد حزب الله من الوجع الاسرائيلي. اسلوب حزب الله * على ذكر حزب الله لماذا لا تعمل القيادة الفلسطينية, واسمح لي ان استخدم العبارة نفسها, على زيادة الوجع الاسرائيلي بالاسلوب نفسه الذي يستخدمه حزب الله ؟ ــ القيادة الفلسطينية خاضت هذا الشكل من الصراع, وكانت الرائدة فيه حتى من الحدود اللبنانية نفسها, منذ نهاية الستينيات, غير ان الظروف الان باتت مختلفة, وذلك لطبيعة اختلاف المواجهة, فنحن لم نعد ظاهرة تحررية عبر الحدود, بل ظاهرة تحررية ومجابهة في الاحشاء, وذلك بحكم التلاحم والاشتباك بين المجتمعين الفلسطيني والاسرائيلي سواء على الصعيد السياسي او على الصعيد الاقتصادي او الاجتماعي. ونحن في هذا السياق لا نخوض معركة تحرير جزء من الاراضي المحتلة كما هو الحال مع حزب الله, هذا الحزب المتميز, وانما نخوض معركة انتزاع كامل اراضينا الى جانب معركة طمس الدولة, وتأتي هذه المواجهة من الرحم, على عكس الحالة اللبنانية حيث ان الدولة كانت داعمة للمقاومة اللبنانية وفي الطليعة منها حزب الله.