بيان الاربعاء : أراضيها وثرواتها مازالت مطمعاً للغرب ، روســيا ورقــة جــرداء في مهــب الــريــاح التوســعية الأطلســيــة

على خلفية الصراعات بين قيادات الناتو واعباء الشريك الامريكي, عقدت دول الناتو مؤتمرات ومنتديات للخروج بصيغة تحقق لاوروبا امنها دون فرض اعباء جديدة وتحقق لامريكا مصالح اكثر فكانت ندوة ميونيخ وملتقيات دافوس العسكرية والاقتصادية. قامت ندوة ميونيخ الامنية لأول مرة عام 1963 بمبادرة خاصة من جانب صاحب دار نشر يدعى (ايفالد هاينريش فون كلايست) وهو حفيد احد الناشرين الالمان المشاهير من القرن الميلادي التاسع عشر, وكان مراده من المبادرة الاعتماد على حوار علمي تحليلي حول الشئون العسكرية للاستفادة منه في التأليف والنشر, بمشاركة خبراء يتحدثون تحت عنوان (الندوة الدولية لعلم الدفاع العسكري) كما تقول الترجمة الحرفية لاسم الندوة الاصلي, والذي حافظت عليه لثلاثين عاما ثم كان تعديله إلى اسم (المؤتمر الدولي للسياسة الامنية), في ضوء اجواء ما بعد الحرب الباردة, وفي ضوء تحول ندوات النقاش إلى مؤتمر دولي كبير. كانت اوروبا تتساءل في كل مؤتمر تعقده وتجيىء الولايات المتحدة فيه بقرار جديد أو دفع جديد هل ما تفعله اوروبا من مساعٍ امنية مستقلة امنيا عن الولايات المتحدة ام انه مجرد حلف يدعم نواياها بحجة تطوير للقوة الدفاعية الاوروبية داخل الحلف بزعامته الامريكية. في مؤتمر دافوس العسكري طرحت فكرة التوسع عام 1999 والتي تضمنت في بدايته الاقتصار على ثلاث دول هي بولندا والمجر وتشيكيا التي انضمت له, وفسرت امريكا التوسع على انه بناء شكل جديد للامن الاطلسي. ودار الجدل حول الموجة الثانية من التوسع التي تشمل دول البلطيق الثلاث استونيا, لاتفيا, وليتوانيا التي تتطلع لعضوية الناتو, كما لم يتم تجاهل الرفض الروسي لهذا التوسع والذي يرافق دعوة للانضمام للناتو بشروط. توسع الناتو ارتبط بنشر اسلحة نووية في اراضي الدول الاعضاء التي انضمت حديثا اليه والذي قابله تهديد روسي بالرد بقوة على لسان احد جنرالات وزارة الدفاع الذي اكد بأن (الغرب بصدد تحضير الرأي العام لاحتمال مماثل وان رد الفعل الروسي سيكون قاسيا), ورغم ذلك حرصت روسيا على تجنب حصول مواجهة مع الغرب. وروسيا تعد المفتاح المستقبلي لموجة التوسع الثانية, فهي هدف هذا التوسع اللوجستي, كونها قوة نووية تبقى مصدر خطر على امن اوروبا وامريكا, وهذا ما كان احد مبررات امريكا لقيام نظام الدفاع المضاد الامريكي حتى لو تم تصدير مسميات دولية اخرى كتهديد العراق وكوريا الشمالية وايران وليبيا. المستهدف وفق تقارير خبراء هو نشر قوس مضاد للصواريخ في الاسكا بهدف تفادي هجمات صاروخية محتملة من بلدان تصفها واشنطن بانها (خارجة عن القانون) والواقع انها تريد فرض نشر منظومة صاروخية وقواعد عسكرية في الدول التي انضمت حديثا على حدود روسيا لتكون موسكو اقرب ما تكون إلى اهداف هذه الصواريخ. المخاوف الاوروبية والصينية والهندية والروسية جاءت على مستوى الاصرار الامريكي وهشاشة مبرراته, فقد خشي الاوروبيون ان يؤدي النظام الذي ستنشره الولايات المتحدة إلى نوع من الانفصال عن شبكة الحماية النووية لحلف شمال الاطلسي وجعل الولايات المتحدة اكثر حماية من اوروبا, وقد سعى وزير الدفاع الامريكي وليام كوهين دون جدوى لاقناعهم بان ذلك غير وارد وان الالتزامات الامريكية الدفاعية بما فيها تلك التي تعهدت بها لدى الحلف ستبقى قائمة. ولم تنس الولايات المتحدة وهي تطمئن اوروبا من خوفها من تصدع منظومة الدفاع الاطلسي ان تذكر للشركاء الاوروبيين ان التملص من الريادة الامريكية ليس مقبولا كون امريكا هي العمود الفقري الاستراتيجي داخل الحلف الاطلسي. كانت مواقف روسيا على توسع الحلف والتي جاءت على لسان وزير دفاعها بشكل رد فعل عنيف فقال الوزير: (ان التوسعة الراهنة لحلف شمال الاطلسي في البلدان الشرقية وفي المنطقة السوفييتية سابقا والمرتبطة باستخدام القوة دون تفويض من مجلس الامن الدولي تكشف عن عنصر جديد عن علاقتنا ولا يمكن انتظار رد فعل ايجابي من جانبنا). خارج مجال الاطلسي كانت الصين والهند من حضور دافوس فطالب الصينيون بشبكة تشاور امني على ارضية الامم المتحدة فقط مشيرين إلى ان الاحداث قد اثبتت ان التدخل في شئون الاخرين باسم حقوق الانسان يؤدي إلى نتائج سلبية, وبدلا من حماية حقوق الانسان يجري تهديم الاستقرار الاقليمي وتعريض السلام العالمي والامن الدولي للخطر, ذلك جاء على لسان نائب وزير الخارجية الصيني وانج جوانجوا. روسيا ورياح الناتو اما الهند فقد بدت اكثر ابتعادا عن منهج عدم الانحياز الذي كانت من مؤسسيه في حقبة الحرب الباردة وجاء موقفها على لسان وزير شئون الامن الهندي براجين ميشرا: (اننا نجد اليوم الهند الجديدة المستعدة لاعادة النظر في تلك الشعارات ــ مثل عدم الانحياز ـ واتخاذ القرارات على اساس المصلحة القومية, هذه الهند اشد تمسكا بالديمقراطية العلمانية, وهي على استعداد للدفاع عنها). روسيا كانت الورقة الاهم في مهب الرياح التوسعية للناتو, فالناتو كحلف سياسي عسكري مغلق منذ انشائه عام , 1949 هدف للدفاع عن مصالح امريكا في اوروبا, ويتحول اليوم إلى اداة للتوسع الخارجي والتدخل في شئون الدول الاخرى بما في ذلك تلك التي تقع خارج حدودها. وحملت خطوات اوروبا محاولات لاسترضاء روسيا كي تعود للتعاون مع حلف شمال الاطلسي, واشترطت روسيا لذلك ان تشارك الحلف في عملياته الهادفة إلى تصفية وتجنب الازمات. شروط روسيا لم تقتصر على المشاركة بل جاءت على لسان رئيس الاركان الروسي الجنرال فاليري مانيلوف: * اولا: ان تتمكن روسيا من تقييم الوضع السياسي والعسكري في العالم على قدم المساواة مع الحلف. * ثانيا: ان تشارك في اتخاذ القرارات لتصفية وتجنب الازمات. * ثالثا: ان تشارك في تطبيق القرارات. وعلاقات روسيا بالناتو تجمدت منذ القصف الذي قامت به قوات الحلف على يوغسلافيا في 24 مارس عام 1999 عدا ما يتعلق بعمليات حفظ السلام التي يقوم بها الحلف وتشارك فيها روسيا كما في البوسنة والهرسك, فماذا تخشى روسيا؟ تتصل اهداف الناتو للتوسع مع مشكلة القرن الحادي والعشرين العميقة وهي مشكلة بقاء الحضارة الانسانية, فزيادة الاندفاع إلى تأمين الطاقة وتنمية الثروة الاقتصادية تجر إلى نوع الحياة في بلدان العالم من خلال الوصول إلى الثروات الطبيعية وتظهر هذه المشكلة بشكل خاص في الدول المتطورة التي يكون دخل الفرد فيها مرتفعا. وتشكل اراضي روسيا للغرب اهتماما خاصا اذ يوجد كما اشرنا 60 ـ 70% من احتياطي العالم من المواد الاولية فيها. تكمن طبيعة الخطر الجديد على روسيا كون الحرب قد اصبحت من جديد في اوروبا اداة لتحقيق السياسة, فقد بدأ كل شيء من البلقان من جديد, وتوسيع الحلف في مفهوم الروس يعني انتصار الخط الاستراتيجي في اوروبا الغربية لاستخدام القوة أو التلويح باستخدامها كأساس لمؤشر نوعي للعلاقات الدولية وكأساس للسيادة على العالم من قبل مجموعة الدول الصناعية السبع. وفي المذهب العسكري الامريكي فإن منطق المصالح الحيوية الامريكية تشمل عمليا كل العالم بما في ذلك منطقة القوقاز, واداتها الاساسية في الدفاع عن هذه المصالح تبقى دائما قواتها المسلحة والناتو. وترى صحيفة (البرافدا ديلي) ان امريكا هي من ادخلت مفهوم (العمليات التي لا تصل إلى مستوى الحرب) وان التوضيح الموسع لهذا المصطلح يأخذ معنى اصطلاحيا آخر هو اقامة السلام, ويصبح العنصر الاساسي في هذه السياسة بتفسير الولايات المتحدة: (الاجبار على قبول السلام), بهذا يصبح من السهل على الولايات المتحدة استعمال القوة العسكرية. وكان حلف الناتو قبل انهيار الاتحاد السوفييتي مجبرا على الاكتفاء بوظيفة ضبط النفس عندما يفكر بقوة الطرف الاخر في ظروف التكافؤ الاستراتيجي مع الاتحاد السوفييتي, لكن هذا التمسك ضعف الان كثيرا مما سمح للولايات المتحدة باستعمال القوة بنشاط اكبر أو التهديد باستعمال القوة. تغيير استراتيجي ترى روسيا ـ وفق برافدا ديلي ـ ان توسع الناتو يغير بشكل جذري القاعدة الاستراتيجية باتجاه غير ملائم يضعها في ظروف طارئة, فروسيا اضاعت نتيجة انهيارها ما نسبته 17% من القوات العامة والجيش المدرع و2% من جيش الصواريخ الاستراتيجية و5% من قوتها الجوية, وانخفض بشكل حاد عدد السفن في الاسطول البحري كما انخفض بشكل ملحوظ عدد المواقع العسكرية والقواعد والمخازن والمصانع. وفي ظروف ازمتها الاقتصادية فإن الحكومة الروسية تخصص ميزانية للانفاق على الجيش والتسليح اقل بـ24 مرة مما تخصصه دول الناتو للانفاق على جيوشها, ودخول دول جديدة في الناتو مثل بولندا والمجر وتشيكيا سيغير التناسب بشكل اكبر لصالح الناتو. وبالمقابل فان تحت تصرف الناتو وقيادته العسكرية شبكة متطورة من السكك الحديدية وحوالي 550 مستودعا للاسلحة والمحروقات و33 حقلا للتدريب العسكري, وهذا يرفع امكانيات قواته بشكل ملموس ويعطيه اختصارا للوقت وامكانية التحرك تقريبا لاقل من 30 يوما. وترى (البرافدا) ان الناتو سيستعمل التكتيك الجوي المكثف للقيام بعملية استراتيجية اولى وحاسمة ضد روسيا, بعمق 600 ــ 1000 كليومتر من الحدود الدولية لروسيا, وكانت امكانية الناتو قبل انضمام المجر وبولندا وتشيكيا التحرك بـ 550 طائرة حربية مقاتلة من اصل 5300 طائرة, وهي باستطاعتها ان تصل فقط إلى حدود مدن سيمولنيسك, بريانسك, وكورسك وهي حدود روسيا مع اوكرانيا وروسيا البيضاء التي هي اقرب لدول الغرب الاوروبي. اما مع انضمام الدول الثلاث ودخول دول اخرى من دول اوروبا الشرقية في مجموعات الناتو العسكرية فستكون هناك امكانية للوصول باتجاه الشرق بعمق 650 ـ 750 كيلومترا, وهذه الدول ستضيف للناتو حوالي 290 مطارا عسكريا بما في ذلك المطارات والقواعد التي بناها الجيش السوفييتي والتي تتسع لحوالي 3500 طائرة حربية, ومع استخدام هذه القواعد سيكون بامكان كل القوة التكتيكية الجوية للناتو القصف بالصواريخ حتى نهر الفولجا. وبدخول دول البلطيق سيصل الخط المباشر إلى موسكو حيث ان في هذه الدول السوفييتية السابقة بقايا لقواعد الجيش السوفييتي (موانىء, مطارات عسكرية, ثكنات, مخازن للاسلحة.. الخ), مما يعطي لحلف الناتو الامكانية خلال سبعة ايام من نشر 280 الف جندي و300 ـ 400طائرة مقاتلة وحوامة, وفي حال تمكن قوات الناتو الجوية من الوصول إلى الاورال وتدمير الجسور على نهر الفولجا ستنفصل القطاعات العسكرية عن موسكو ويدمر قسما كبيرا من المواقع العسكرية بما فيها بطاريات الصواريخ المتحركة من طراز توبل إم. الاوروبيون ينظرون إلى ما يملكه الروس من اسلحة حديثة اذ تصل إلى ما نسبته 30% فقط بينما تملك دول الناتو 60 ــ 80%, وفي حال احتفاظ روسيا بتوجهاتها السابقة فإن الاسلحة الحديثة ستصبح 10% فقط وبحلول عام 2005 ستصبح نسبة الاسلحة الحديثة في روسيا من 5 ـ 7% فقط. الغرب يربط روسيا وبشكل واضح باتفاقيات دولية ليست لصالحها مثل اتفاقية (ستارت2) ووضع مراقبة امنية على مجال المعلومات الذهنية, وعليه تعول اوروبا ان توصل عسكرتاريا الروس إلى النسبة المتدنية هذه عنها. كما ان الاوروبيين والامريكيين يحاولون عن طريق افساد الاجهزة الحكومية الروسية اختراق المكمن الروسي لنزع الثقة في التركيبة العسكرية الروسية وايجاد عملاء مؤثرين في اجهزة الحكم وعندها تصبح الدولة غير قادرة على التصدي لاي اعتداء خارجي, ومع تفعيل دور الطابور الخامس يصبح تأمين امن روسيا امرا مأساوياً. اوروبا تتذبذب بين هويتها الامنية الضائعة في الانفراد الامريكي وفي اعبائها الثقيلة ومسئولياتها المطلوبة منها في الناتو, وبين طموحاتها في الحصول على مواطىء اقدامها القديمة في الشرق الذي خرجت منه مكرهة والثروات الشرقية مازالت تراودها. فهل ينجح الناتو في الحفاظ على تماسكه والسيطرة على روسيا واراضيها وعالمها؟ ذلك ما ستفرزه الحقبة المقبلة الاكثر قتامة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات