بقي الناتو بعد انهيار الاتحاد السوفييتي مؤسسة تؤطر شكليا للامن المشترك بين اوروبا وامريكا, وكرس نفسه لمهمة بدت جديدة في بادىء الامر ثم ما لبث الاوروبيون ان ايقنوا انهم سقطوا في فخ المصالح الامريكية. تلك المهمة كرست القوات الاوروبية ـ الامريكية لحماية الامن العالمي أو كما تسميه الولايات المتحدة بحفظ السلام, ومع تفاعل الاحداث منذ عام 1990 اثر حرب الخليج ثم كوسوفو رشحت عناصر جديدة لترسم وجه العالم في ما اسمته امريكا بالعولمة والنظام العالمي الجديد. مؤشران, وبعد عشر سنوات على نهاية الحرب الباردة, يرسمان مستقبل الناتو استنادا إلى مفردات الواقع اليوم وهما: * استمرار الناتو في عملية توسعه. * والتوازن الاستراتيجي واقتسام المسئولية والاعباء بين اوروبا وامريكا. ويشكل هذان المؤشران مشكلتين تعيقان استمرار التحالف العسكري الاورو ـ امريكي باعتبارهما اساس المرحلة المقبلة. فما هي ملامح المرحلة المقبلة, وعلى اي اساس يتم رسمها, وما هي الاسباب الحقيقية وراء توسع الناتو؟ ارتبط توسع الناتو في الخطاب السياسي الامريكي ـ الاوروبي باستخدام القوة دون تفويض من جانب مجلس الامن الدولي أو الامم المتحدة وحمل صيغة حفظ السلام. وكان اول تطبيق فعلي لذلك حرب كوسوفو التي شكلت منعطفا خطيرا في تاريخ الامن الدولي ومفهومه, وهو الذي دفع اوروبا للبحث عن مفهوم للهوية الاوروبية للدفاع والامن, ودافع اوروبا ينبثق من اشتداد مخاوفها مما يسميه خبراؤها الاستراتيجيون (الانفراد الامريكي الاستراتيجي والعسكري وقدرتها الاقتصادية المتفوقة). وحاولوا في عدة مناسبات رسم سياسة تهدف إلى التميز الامني ومن ذلك ما قاله وزير الدفاع الالماني رودولف شاربينج في ندوة ميونيخ: (لاتزال امريكا بحاجة لحلفاء ديمقراطيين اقوياء لبلوغ القيم وتحصيل المصالح المشتركة, لكنها ـ اي اوروبا ـ لا يمكن ان تكون شريكا حاسما الا اذا حملت قدرا اكبر من المسئولية في ضمان السلم الاقليمي اكثر مما مضى, رغم اننا لا نريد منافسة الولايات المتحدة, لكننا نرغب على الاقل باستقلالية القرار). وبين طموح اوروبا بأن يكون لها دور اكبر في القرن الحادي والعشرين في اطار الزمالة مع امريكا الشمالية, وبين الازمات التي تواجهها دوله في اطار تطوير قدراتها العسكرية, تجنح تيارات داخل الاتحاد الاوروبي لايجاد سياسة امنية مستقلة عن واشنطن رغم اعترافهم بالعجز عن الاستقلال بأنفسهم. وتسيطر هذه الصور على اجواء العلاقات الاوروبية ـ الامريكية منذ بداية التسعينيات, يزيدها قتامة احساس الاوروبيين بأن امريكا تستخدمهم كأداة لتنفيذ مطامعها في الشرق الادنى والاقصى على حد سواء. يضاف إلى هذا الانزعاج الروسي الشديد من التوسع الاطلسي شرقا وعلاقته بالحرب الاخيرة حول كوسوفو والذي ينعكس في كل مؤتمرات الناتو وفي الصياغة الجديدة للمهام الامنية للقوات العسكرية الروسية ايضا. وتشير التقارير إلى ان الحرب في كوسوفو كانت القشة التي قصمت ظهر البعير في العلاقات الامنية الاوروبية الامريكية ودفعت الاوروبيين بعد سنوات من النزاع إلى الاتفاق على انهاء الحرب الاطلسية في كوسوفو واتخاذ خطوات عملية على طريق تميزهم العسكري الامني والسياسي الخارجي. مد وجزر بقيت العلاقة بين اوروبا وامريكا تتأرجح بين دعم كامل يدفعها للتورط في النزاعات الدولية ومخالفة مجلس الامن, وبين تراجع ملحوظ, وكانت لامريكا سياستها بعيدا عن الشراكة الاوروبية والتي هدفت للحصول على مواقع افضل في قيادات الناتو العسكرية عند تجديد هيكله أو عند العمل على وضع صياغة جديدة للاتحاد الاوروبي الغربي. وهذا ما دفع الاعلام الاوروبي إلى مهاجمة امريكا واتهامها باستغلال تفوقها التكنولوجي والعسكري لتبقي الاوروبيين في الموقع الثاني ضمن حلف شمال الاطلسي وبالتالي فرض وصاية على الدفاع الاوروبي. ونجد ان صحيفة (لوموند) الفرنسية هاجمت اهداف امريكا وسعيها لتعميق الفجوة الدفاعية بينها وبين الاوروبيين, فالولايات المتحدة تعتبر نفسها في موقع يمكنها من تجاوز حلفائها الذين تتهمهم بأنهم لا يبذلون الجهد الكافي لتحمل اعباء المسئولية المشتركة مما يجعل دعوة بعضهم إلى المطالبة باستقلالية اوروبية عن حلف الاطلسي دعوة غير منطقية. وبتحليل للميزانية الدفاعية الامريكية التي اقرت للعام 2000 نجد ان ما ذهب اليه الاوروبيون قريب من الواقع ان لم يكن الواقع كله, فالقيمة الاجمالية للميزانية الامريكية الدفاعية لعام 2000 التي صوت عليها الكونجرس تبلغ 8.267 مليار دولار اي ما يعني زيادة 9.6 مليارات دولار عن ميزانية العام الماضي ,1999 اذا ما طرح منها تكاليف الغارات الجوية التي شنت على كوسوفو, وهي لا تكتفي بكونها اعلى مما طلبه الرئيس الامريكي بيل كلينتون, بل تتضمن تصعيدا غير مألوف في مصاريف القطاعات الرئيسية التي تشكل خطورة تصعيد التناقض بين الولايات المتحدة وحلفائها بالمقارنة مع ما هيأته الحكومات الاوروبية للعام 2000. سلكت واشنطن مسارين لتعميق الفجوة الدفاعية مع اوروبا هما: * اولا: قيمة المبالغ المرصودة لشراء اسلحة لتطوير وتجديد ترسانتها والتي تبلغ نحو 53 مليون دولار ـ وفق مصادر صحفية متعددة ـ وبحسب مصادر الجيش الامريكي فإن صعود الارصدة بالنسبة للعام الماضي 1999 تراوح بين 9.2% للقوات الجوية و8% للسلاح البري و12% لسلاح البحرية. * ثانيا: بلغ الرقم الاكبر الذي خصص للانفاق على الدراسات والبحوث والتطوير لحفظ مستقبل التكنولوجيا 7.37 مليار دولار وقد سجل وحده نموا بلغ 3.2% و6.8% اذا ما قورن بمثله في هذا العام. وبالمقابل فان ميزانية الدفاع الفرنسية لعام 2000 فيما يخص الحصول على تجهيزات جديدة في تراجع مستمر, بل انها سجلت انخفاضا بلغ 11% بالنسبة لبرنامج الانفاق العسكري الذي كان مقترحا من 1997 حتى عام 2002 . وفي تقارير صحفية نشرت تفاصيل عن نفقات التسلح في الدول الاوروبية الخمس عشرة سجلت هذه النفقات انخفاضا بنسبة 7% الذي استمر منذ عام 1992 حيث بلغ في مجمله 22%, وفي مجال الدراسات والبحوث والتطوير فان الدول الاوروبية الاعضاء في حلف شمال الاطلسي تستثمر 9 مليارات دولار فقط, وهو ما يعادل ربع ما تستثمره الولايات المتحدة, وبهذا يكون لزيادة الميزانية الدفاعية الامريكية نوع من فرض الوصاية على الدفاع الاوروبي. نظام أمني اوروبي يضاف إلى ذلك ما لمسه الاوروبيون من اهداف الولايات المتحدة في صياغة مفهوم للدفاع عن اراضيها وامنها وهو ما تمثل في طرح قضية نظام الصواريخ الدفاعي, وطرح امكانية توسع الناتو, والامر الاخير يتعلق باستراتيجية جديدة تستند إلى شن حرب لانهاء ما تبقى من الاتحاد السوفييتي السابق بما في ذلك روسيا الحالية والسيطرة على منابع الثروات. دفع ذلك اوروبا لوضع صياغة جديدة لمنظمة امنية بقيت هي الوحيدة في مواجهة الاستعداد الامريكي العالي, وتلك هي منظمة (الاتحاد الاوروبي الغربي) والتي لا تشارك فيها امريكا, لكن ذلك لم يمنع من انفاذ الرغبة الامريكية في ابقاء المهام المقررة دون مستوى الاستقلال عن الحلف وبالتالي عنها. قرارات اوروبا وضعت مستقبل دولها على المحك امام خطر الانفراد الامريكي بالقوة فصاغت جملة قرارات شكلت اهدافها منها: 1ـ تشكيل فيلق عسكري مشترك يكون جاهزا عام ,2003 ومزودا بأحدث الاسلحة التي تمكنه من اداء مهام عسكرية سريعة. 2ـ الاتفاق الفرنسي ـ الالماني على اطلاق قمر صناعي استطلاعي للتخلص من الاحتكار الامريكي للمهام الاستطلاعية في حلف شمال الاطلسي. 3ـ التفاهم الفرنسي ـ البريطاني على تطوير الصناعة العسكرية المشتركة. 4ـ اتخاذ خطوات جديدة لتنشيط منظمة الاتحاد الاوروبي الغربي واعتبارها المنظمة العسكرية للاتحاد الاوروبي. كانت هذه الخطوات بمثابة انعطافة حاسمة في جهود بدأتها فرنسا اثر انهيار الاتحاد السوفييتي ومعسكره, وقد واجهت هذه الجهود معارضة امريكية شديدة بلغت حدود التهديد الضمني الذي ربط بين خطر تحول علاقات الحلفاء الاطلسيين والعلاقات التجارية بين الجانبين. وفي رد على ذلك شرعت امريكا نحو توثيق علاقاتها بشرق آسيا وجنوبها الشرقي على حساب علاقاتها التقليدية مع اوروبا الغربية. الواقع الذي صدم الاوروبيين كشفته حرب البلقان, فقد فضحت حقيقة اعتماد الاوروبيين الكامل على الامريكيين عسكريا واثار ذلك عدة اسئلة على صعيد القرار السياسي منها: متى يكون التحرك العسكري المحتمل؟ وضد اي جهة وبأي حجم وكيفية؟ وهذا مازاد الالحاح على تميز اوروبي اكبر فأنشيء الفيلق الاوروبي المشترك, لكن الخلاف مازال محتدما وخاصة فيما يتعلق بشأن اتخاذ قرار الحرب خارج مجلس الامن الدولي, وبما سبب ازمة في العلاقات الغربية الروسية اثناء حرب كوسوفو. العقبات الحقيقية في مسألة التميز الامني والعسكري لاوروبا لا تقتصر على التغلب على المعارضة السياسية الامريكية, بل تتعداها إلى وضع القدرات العسكرية الاوروبية الراهن وبنية توزيع المهام والطاقات والتسلح والقيادات فيه وذلك ادى وفق تقارير ودراسات إلى كشف الغطاء عن حقيقة القدرات الاوروبية. فثلثا منشآت الاتصالات الالكترونية ومعدات نقل الجنود والعتاد امريكية الصنع والقيادة, ونصف الطاقة الجوية الضاربة في اي عملية عسكرية امريكية ايضا. وما يثير الخوف الاوروبي اضافة إلى ذلك توسع الناتو الذي تختبيء وراءه نوايا امريكا في خلق عمق استراتيجي اورو ـ امريكي في شرق آسيا يمكنها من تأسيس مراكز لقوتها العسكرية التي ستستند اليها في خطواتها المقبلة.