هل يمكن للولايات المتحدة وهي الدولة التي ابتكرت الديمقراطية الحديثة منذ ما يقارب 225 عاما, أن تنتخب رئيسا لم يفز بأكبر عدد من أصوات الشعب؟. (وهل ستشرق الشمس من جديد على الغرب) بعد يوم الانتخابات؟. إن تلك الفكرة الغريبة تطرح نفسها وتكتسب بعض المصداقية لان السباق بين المرشحين آل جور الديمقراطي وجورج بوش الجمهوري يمضي دون أن يبرز أي منهما بصورة واضحة. ويشحذ ذلك السباق المحموم الذي سيظل الغموض يكتنف نتيجته حتى اللحظة الاخيرة, الذاكرة القومية إلى إنعام النظر مجددا في نظام المجمع الانتخابي الذي يتم تطبيقه حاليا في الولايات المتحدة. ويتم بموجب هذا النظام انتخاب الرؤساء ليس عن طريق التصويت الشعبي المباشر ولكن من خلال مجموعة مكونة من 538 من المقترعين من كل من الولايات الخمسين, إضافة إلى ضاحية كولومبيا التي تتمتع بوضع خاص في العاصمة الامريكية.. وكل المناصب العامة الانتخابية في الولايات المتحدة يتم اختيار المعينين فيها بالاغلبية البسيطة للاصوات. وعلى الرغم من أن المنتخبين يتم اختيارهم استنادا إلى أغلبية الاصوات في كل ولاية, فإن التقلبات في حسابات المجمع الانتخابي تعطي للمهتمين بالشئون السياسية مجالا واسعا لصياغة مجموعة كبيرة من سيناريوهات يوم الانتخاب, والتي لم تشهد البلاد مثيلا لها منذ أكثر من مائة عام. وأكثر السيناريوهات التي يثور الجدل بشأنها الان هو السيناريو المتعلق بحصول نائب الرئيس جور على مقعد الرئاسة بفارق ضئيل حيث يشير السيناريو إلى أنه يمكن أن يفوز بمائتي وسبعين صوتا انتخابيا كليا رغم خسارته للتصويت الشعبي في نفس الوقت. ويمكن أن يحدث هذا السيناريو لان جور يتفوق على بوش بهامش ضئيل في أكثر الولايات كثافة سكانية, باستثناء تكساس, ولكنه يتخلف عنه في الجزء الاكبر من البلاد. وإذا فاز جور في كاليفورنيا (54 صوتا) ونيويورك (33) وفلوريدا (25) وبنسلفانيا (23) وإلينوي (22) وميشيجان (18), فإنه سوف يحصد مائة وخمسة وسبعين صوتا. وبإضافة الولايات التسع الشمالية الشرقية الصغرى, فسوف يفوز جور بحوالي 241 صوتا. وسوف تتوقف المعركة الحاسمة على فوز جور بثلاثة من الولايات الستة الواقعة في الوسط الغربي والشمال الغربي والتي يعد الفوز بها مسألة حظ إلى حد كبير وهي واشنطون (11) وأوريجون (7) ومينوسوتا (10) وويسكنسون ( 11) وأيوا (7) وميسوري (11). ويمكن لبوش أن يفوز ببقية الولايات وهي أكثر من ثلاثين ولاية تمتد من نيفادا ( 4) إلى تكساس (32) ونورث كارولينا (14), ومع ذلك يخسر الانتخابات. بالطبع يقول مؤيدو بوش إن مثل ذلك السيناريو غير مرجح على الاطلاق. ويؤكدون أن بوش سوف يحصد الاصوات في فلوريدا وبنسلفانيا وميشيجان مما يجعل الفوز بالانتخابات أمرا عسيرا بالنسبة لجور, الذي يتعين عليه أن يفوز بهذه الولايات ليتجنب انتصار بوش الكاسح. غير أن أكثر السيناريوهات إثارة للاهتمام هو أن يحصل كل من المرشحين على 269 صوتا انتخابيا كليا. وسوف يؤدي مثل ذلك التعادل إلى حدوث أزمة سياسية في البلاد لم تحدث منذ عام 1800 عندما تعادل توماس جيفرسون مع آرون بر. ووفقا للتعديل الرابع عشر للدستور, والذي تمت المصادقة عليه بعد انتخاب جيفرسون من قبل الكونجرس, يتم اختيار الرئيس (في حالة تعادل مجموع الصوت الانتخابي الكلي والحاسم لدي كل من المرشحين) عن طريق التصويت في مجلس النواب حيث يعطى لكل وفد ولاية صوتا واحد. ويحصل أول مرشح يفوز بـحوالي 26 صوتا, أي أكثر من نصف عدد الولايات الممثلة, على الرئاسة. ولكن ما الذي يحدث إذا كان هناك انقسام في التصويت بين عدد الاصوات الشعبية وعدد الاصوات الانتخابية الكلية الحاسمة. في حالة فوز المرشح بالاصوات الانتخابية الكلية الحاسمة الانتخابية وخسارته للتصويت الشعبي فسوف يتم الحسم لصالح مجموع الاصوات الكلية, بالطبع يكون الفوز الحاسم من نصيب من يحصد العدد الاكبر من أصوات المجمع الانتخابي الكلية. وقد حدث ذلك الانقسام في الاصوات للمرة الاخيرة في عام 1888 عندما هزم الرئيس الديمقراطي جروفر كليفلاند منافسه الجمهوري بنجامين هاريسون وتفوق عليه بحوالي 90 ألف صوت ومع ذلك خسر سباق الرئاسة بحوالي 65 صوتا من أصوات المجمع الانتخابي الكلية. وكان كليفلاند قد فاز بأغلبية الاصوات بنسبة 3 ـ 1 في الجنوب, بينما فاز هاريسون بالمزيد من الدعم الانتخابي في الولايات الشمالية. ويشير منتقدو هذا النظام أو المجمع الانتخابي إلى هذه السيناريوهات كمصوغ للمطالبة بإلغاء هذا النظام. ويقولون إن الغرض الاصلي منه وهو التقسيم العادل بين الولايات الكبرى والولايات الاصغر وتجنب التأثير السلبي الذي ينجم عن تعدد المرشحين, قد تآكل بمرور الوقت. ودعا عضوان من الكونجرس في مؤتمر صحفي هذا الاسبوع إلى إنهاء العمل بهذا النظام على أساس أنه قد أدى إلى حرمان الملايين من الناخبين من حقهم الانتخابي بإجبار بوش وجور على تركيز اهتمامهم على بعض الولايات التي تعد حاسمة. ويشرح ريتشارد دوربن عضو مجلس الشيوخ الديموقراطي عن ولاية إلينوي الذي قدم مشروع قانون إلغاء العمل بنظام المجمع الانتخابي موقفه في هذا الصدد. يقول دوربن (أعتقد أن تجربتنا في العام الحالي الذي يشهد سباقا انتخابيا يتقارب فيه المرشحان بغض النظر عن نتيجته, سوف يكون عاملا حاسما يذكرنا دائما بأن أفضل شيء نقوم به في أمريكا هو أن نضع ثقتنا في الشعب الامريكي, وأن يكون لدينا تصويت شعبي لاختيار الرئيس الامريكي وأن ننتهي من نظام المجمع الانتخابي مرة واحدة وإلى الابد) ويرى المدافعون عن هذا النظام الانتخابي أن من شأنه دعم الاستقرار السياسي في البلاد ويقوي نظام الحزبين لانه يجعل من المستحيل تقريبا على أي مرشح لحزب ثالث أن يقحم نفسه في اللحظة الاخيرة. وقد حصل روس بيرو مؤسس حزب الاصلاح, على سبيل المثال, على 19 في المئة من التصويت الشعبي ولكنه لم يحصل على أي صوت من أصوات المجمع الانتخابي الكلية الحاسمة. كذلك ينظر إلى هذا النظام على أنه يجبر المرشحين على تنظيم حملات انتخابية قومية, على النقيض من التركيز على المراكز المزدحمة بالسكان مثل نيويورك ولوس أنجلوس وشيكاغو والمنطقة الشمالية الشرقية الضيقة المساحة. وفي سباق يتقارب فيه المرشحان إلى درجة التعادل إلى حد بعيد كما هو الحال الان, فقد يضطرا إلى الصراع للفوز بالولايات الصغيرة مثل ويست فيرجينيا (5) ونيومكسيكو (5) وهي ولايات يمكن تجاهلها تماما في أي حملة للتصويت الشعبي. د.ب.ا

