الملف السياسي ـ الاعـلام العربـي ودوره في المواجهة

مرة اخرى يكشف العدو الصهيوني عن وجهه العنصري البشع, لتظهر على طبيعتها هذه المؤسسة العسكرية الفاشية في (اسرائيل) حيث تقف الدبابة الاسرائيلية في مواجهة الطفل الفلسطيني الاعزل الا من ايمانه الفطري بعدالة قضيته واستعداده للموت في سبيلها. قبل خمسين عاما قتلت العصابات الصهيونية الاجرامية الاطفال الفلسطينيين حتى وهم اجنة في ارحام امهاتهم في مجازر كثيرة لاتزال ماثلة في الاذهان مثل مجزرة دير ياسين وكفر قاسم وغيرها من المجازر التي يصعب حصرها والتي عبدت الطريق لاقامة الكيان العنصري الصهيوني في فلسطين امام سمع وبصر العالم يومها لم يتحرك الضمير العالمي كما لم يتحرك الرأي العام العالمي لانه كان لايزال تحت تأثير صدمة الحرب العالمية الثانية ويحتاج لفترة من التأمل. ومرت جريمة العصر الكبرى التي اشتركت فيها القوى الاستعمارية كافة فيما كان الضمير والرأي العام العالميان يغرقان في نوم عميق لم يوقظهما منه لا اصوات المدافع الصهيونية ولا صراخ الضحايا ولاعويل النساء او بكاء الاطفال. ولكن هذا الرأي العام العالمي يستيقظ في نهاية المجزرة كما يصحو عامل المطحنة عند توقف مسنناتها عن الدوران ويعبر عن ذاته في الامم المتحدة التي صنعتها له القوى الكبرى ليقول نعم لاقامة الكيان الصهيوني على اشلاء الجسد الفلسطيني الممزق ويقبل بتسييد الجلاد على الضحية مترجما حالة واضحة من السقوط الاخلاقي المريع, قبل ان يستسلم تماما لماكينة الاعلام الصهيوني التي صورت اسرائيل فيما بعد على انها نعجة بريئة ضعيفة تعيش بين قطيع من الذئاب المتوحشة التي تريد افتراسها. بيد ان هذه الخدعة الاسرائيلية لم تدم طويلا اذ سرعان ما كشفت هذه النعجة رداءها الناعم في عام 1967 وخلعت قناعها المزيف وكشرت عن انياب ذئب متوحش مزقت بها كل ما حولها من ارض ولحم بشري بسادية بشعة صدمت في البداية الحس المرهف للرأي العام العالمي الذي سرعان ماعاد للنوم من جديد على انغام التهليل الصهيوني والامريكي. يومها قال الكثيرون من المنظرين في عالمنا العربي الكبير المترامي الاطراف ان المشكلة تكمن في اننا لم نصنع اعلاما واعيا وموضوعيا يكشف حقيقة هذه النعجة المزيفة التي خدعت الرأي العام العالمي اننا لم نستطع ان ننقل حقيقة ما جرى في فلسطين الى العالم وفي محاولاتهم تبرير التقصير العربي, اعتبر البعض ان احوال العرب في عام 1948 لم تكن مهيأة لمواجهة العدو الصهيوني ان كان عسكريا او اعلاميا لاسيما وان معظم الدول العربية في ذلك الوقت اما كانت محتلة او انها حديثة العهد في الاستقلال وان النصر العربي لابد آت بعد ان تحررت الكثير من الدول العربية بل كلها من نير الاستعمار وما عليها بعد ذلك إلا استجماع قواها لتحرير فلسطين واعادة بناء الامة العربية من جديد واقامة الوحدة العربية واللحاق بركب الحضارة الى آخره من الشعارات التي راحت تتكاثر في الخطاب الاعلامي العربي بالبرعمة كهدرية الماء العذب وانفجر جدل في صفوف المنظرين العرب حول ما اذا كان الفشل العربي ناتجا عن التقصير الاعلامي ام عن ضعف القوة العسكرية التي كانت في اوجها في بيانات الخطابة العربية. ومع تفجر هذا الجدل وانعكاساته على الواقع العربي بدا وكأن شيئا ما سيتغير في التفكير العربي وان نكبة فلسطين عام 1948 ونكسة الخامس من يونيو عام 1967 قد احدثت الرجة المطلوبة لايقاظ الديناصور العربي الذي نمت على صدره الطحالب في ليل السبات البارد. ومضى قطار الزمن وانقضى اكثر من خمسين عاما على اقامة الكيان الصهيوني في فلسطين ومازال العرب مع الاسف يتحدثون عن فارق القوة الكبير بينهم وبين عدوهم التاريخي المتمثل في الكيان الصهيوني وسيطرة هذا العدو على وسائل الاعلام العالمية وكأن عشرات السنين الماضية لم تكن كافية لاستنهاض القوة العربية او اقالة الاعلام العربي من عثرته المزمنة. اذ انه من كبير المفارقات التي قد تستعصي على الفهم ان يتحدث احد ما في الوطن العربي عن ضعف عسكري عربي في الوقت الذي تكاد فيه مستودعات الاسلحة العربية تتقيأ من شدة الازدحام ويكفي للدلالة ان نشير الى ان خمس انتاج العالم من الاسلحة تقريبا يكدس عند العرب كما يعمل الكثير من علمائهم الذين استدرجهم الغرب في مشاريع تسلحية غربية تقليدية وغير تقليدية الامر الذي يسقط وبشكل قاطع مقولة الضعف العسكري العربي سيما وان القوة العسكرية العربية اثبتت فاعليتها ولو بشكل محدود في حرب السادس من اكتوبر حيث اجبر الهجوم العربي آنذاك العدو الصهيوني على الاستعانة بالولايات المتحدة والتهديد باستخدام سلاحه النووي الذي يطلق عليه العسكريون الاسرائيليون خيار شمشون والذي يستخدم من وجهة النظر العسكرية الاسرائيلية في حال تعرض الكيان الصهيوني لخطر الزوال بالكامل. ان الرأي العام العالمي الذي يعتبر المحك الرئيسي لقياس نجاح او فشل الرسالة الاعلامية العربية لايزال خاضعا لتأثير الاعلام الصهيوني المباشر اذ كيف نفسر تقاطر اكثر من مسئول غربي وعلى رأسهم الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان الى المنطقة لاطلاق سراح ثلاثة قتلة صهاينة احتجزوا في ارض لبنانية محتلة على يد رجال المقاومة الوطنية اللبنانية المشروعة بحكم القانون الدولي فيما تعتقل قوات العدو الصهيوني شعبا بأسره في فلسطين وتقصف الطائرات والدبابات والمدافع الاسرائيلية الثقيلة المدنيين العزل من ابناء الشعب الفلسطيني بل وتبلغ الوقاحة وانعدام الموضوعية بالمسئولين الغربيين وعلى رأسهم الامريكان الى مطالبة الضحية وهي الشعب الفلسطيني بوقف ما يسمونه بالعنف وكأنما يطالبون الذبيحة بألا ترتعش لكي لاتلوث بدمها وجه القاتل. اما ما يدعو للاستغراب والاستهجان هنا فهو ان الخطاب الاعلامي العربي مازال يتحدث عن خيار استراتيجي اسمه السلام ظنا منه ان هذه النغمة ستقنع الرأي العام العالمي بعدالة القضية العربية متجاهلين ان القرارات في الدول الكبرى ولاسيما المؤثرة منها انما تتخذ انطلاقا من مصالح تحددها مراكز القوى المادية في هذه الدول. واذا اردنا ان نحدد نقاط الضعف في الخطاب الاعلامي العربي نرى ان ابرزها انه يوجه رسالة لاتواكب تحديات المرحلة. ثانيا: ان اي رسالة اعلامية يجب ان تكون ضمن خطة ليست فقط اعلامية وان تخدم اهدافا اخرى تندرج في اطار خطة متكاملة ومع عدم وجود خطة عربية اعلامية او غير اعلامية واضحة للتعامل مع المشروع الصهيوني نرى ان هذا الاعلام غالبا ما يتسم بالضعف. والدليل على ذلك ان الصراخ الاعلامي العربي الذي هيجته انتفاضة الاقصى سيعود بالتأكيد في حال توقف هذه الانتفاضة الى برامجه التي عجزت وتعجز حتى عن معالجة ابسط المشكلات في المجتمعات العربية. ولعل ما يمكن ان نخلص اليه هنا ان الاعلام العربي لم يتطور بما يتماشى وأهمية القضية التي يحمل لواءها مثله في ذلك مثل النظم السياسية التي لم تنجح حتى الآن في وضع خطة واضحة سواء على الصعيد الاقليمي او القومي لمواجهة المشروع الصهيوني الذي استطاع تسخير كل انواع الاكاذيب بدءا من ارض الميعاد الى الهولوكست الى مقولة ارض بلا شعب لشعب بلا ارض الخ من الخرافات الصهيونية الكثيرة. اخيرا لابد من التساؤل ألم يحن الوقت بعد لاستراتيجية عربية ترتكز الى قوة فاعلة واعلام واع وغير منفعل قادر على الفعل والتأثير لخدمة القضايا العربية وفي مقدمتها قضية العرب الاولى القضية الفلسطينية. بقلم: نبيل سالم/ كاتب فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات