الملف السياسي ـ تقارب نقاط المرشحين, آل جور وبوش.. جولات الجدال الثلاث في قضايا المجتمع الاستهلاكي

مشهد مضحك, مشهد اساتذة الجامعات الامريكية, وهم يتقمصون شخصيات التجار, ويروجون في اساليب دعائية جذابة للكورسات الدراسية التي ينوون تقديمها في مطلع كل فصل دراسي, لاسيما في ايام التسجيل, حيث يحتار الطلاب ماذا يختارون من المواد؟ هناك ترى في عرصات التسجيل الفارهة لفيفا من الاساتذة يتبارون في تزيين متضمنات مناهجهم الدراسية, وأساليبهم التدريسية, حتى يقنعوا الطلاب باختيار تلك المواد التي يقدمونها لهم وتبدو نشوة الاستاذ عارمة عندما يتمكن من اقناع العدد الاقصى المسموح له بحضور تلك المادة, والا فلا بأس بأن يتمكن من اقناع العدد الادنى, الذي بدونه لاتسمح نظم الجامعة بتدريس المادة. وما ازال اذكر فرحة استاذ لنا, ذكر في مطلع الفصل الدراسي, عندما شرع في التدريس, انه عندما صمم مفردات ذلك (الكورس), استشار زملاءه الاساتذة, فأفادوه بأنه لن يستطيع ان يجتذب اكثر من اربعة او خمسة طلاب على الاكثر, وهم دون العدد المطلوب: (أما الآن فقد استطعت ان اسجل تسعة طلاب للمادة كما ترون)!! هكذا قال في فرح الانتصار وزهوه. تسويق الذات استرجعت الذاكرة شريط تلك الايام النضرة, مع تسارع ايقاعات الحملة الانتخابية الرئاسية الامريكية بعد اكتمال حلقات الجدال بين كل من آل جور وبوش الابن, فقد كان كل منهما يحاول ان يبيع شيئا, او يحاول ان يبيع نفسه بالاحرى, للناخبين, وبنفس طريقة اولئك الاساتذة الميامين, التي يحاكون بها طريقة التجار الملحاحين في الاسواق. استنفد آل جور الى الحد الاقصى كل مواهبه الخطابية والجدلية والتمثيلية كما استنفد رصيده الثقافي والمعلوماتي من كل الملفات المتاحة ليخطب او يشرى ود الناخبين, الى ان تجاوز كل المعقول, فبدا اشبه بممثل يغير شخصيته, كلما تبدل الدور الذي اسند له, فلم يعد الناس يدرون من هو آل جور الحقيقي, ومن هو آل جور الممثل, وادت تلك الحيرة التي استبدت بناخبين كثر, الى تغييرهم لآرائهم فيه, وبالتالي اخذت نقاطه الانتخابية تتساقط تباعا لصالح بوش الابن. كانت انتهازية آل جور مقززة للجمهور حيث آذاهم استعراضه وتباهيه بقدراته الخطابية, ورفعه لصوته بدون مبرر, وانتقاده العنيف الجارح لاطروحات بوش الابن, ذلك خطأ بين كان بامكان آل جور ان يعالجه منذ البدء, بانتهاج اسلوب طبيعي في الحوار, وبالتركيز على تقيم نفسه, اكثر من منافسة خصمه, ولكنه آثر غير ذلك, الامر الذي اضر به سريعا, كما افادت استطلاعات الرأي العام, عقب الحوار الاول, فحاول ان يعالج ذلك الضرر البالغ ولكنه مرة ثانية لم ينتهج الاسلوب الامثل, كما لم يمتثل للحكمة الامريكية الدارجة القائلة (كن نفسك على الدوام) (نٌم ٌُّْ م ) فرجع الى اسلوب التمثيل, متخليا عن اسلوب الجدال الصاخب, ليبدو شديد التهذيب والموضوعية فينال رضا الناقدين, وهنا حرص على ألا يختلف مع بوش الابن, وعلى ان يقرب من اطروحاته الى اطروحات بوش قدر الامكان. اعادة الخطأ اما في الجدال الثالث فقد آثر آل جور ان يعيد نفس خطأه الاول, خطأ الهجوم الكاسح غير المؤسس جيدا على بوش الابن وانتهاز كل صغيرة وكبيرة, ليشن على اثرها حملة قوية عليه برجاء ان يهزه ويزعزع موقفه امام الجمهور ومع ان الموضوع الاول في الجدال الثالث كان يحظى باتفاق من غالبية المواطنين الامريكيين, وكان طبيعيا ان يتفق حوله المرشحان, الا ان آل جور كان يحاول ان يرسم خطا فاصلا بينه وبين رأي الخصم فيه, وما كان يكتفي بذلك, انما كان ينظر الى بوش نظرة مباشرة في عينيه, ويقول له بوضوح انني اختلف معك تماما في هذا الموضوع, والموضوع هو نظام التأمين الصحي, حيث يتهم المواطنون شركات التأمين بعدم تلبية مطالب (روشتات) الاطباء كاملة وذلك من اجل اختصار التكاليف, وهنا حلا لآل جور ان يتهم بوش بانه يحابي شركات التأمين ضد المواطنين قائلا ان تلك الشركات تنفق على الدعاية اكثر مما تنفق على البحوث, ولذا وجب إلزامها بتخفيض الاسعار, ومع ان آل جور اعلن صراحة انه ضد تدخل الدولة لتحديد اسعار الادوية, وهو نفس موقف بوش, الا انه مع ذلك اعلن انه يختلف فيه مع بوش. تسويق بوش ان هذا لايعني ان آل جور وحده هو الذي كان يسوق نفسه, بافتعال تلك المواقف والمعارك فان بوش هو الذي سبقه الى ذلك, عندما حاول ان يرسم لنفسه طيفا يختلف نوعا ما عن الطيف المحفوظ في الذهن الامريكي عن تراث الحزب الجمهوري فجاء بوش الابن ليعلن انه جمهوري, ولكن بنزعة انسانية, وبالطبع فهذه ادانة غير مباشرة لبرامج حزبه الجمهوري, تعني انه حزب رأسمالي متشدد, يجرى في ركاب اصحاب المال, ولا يلتفت الى اصوات الطبقات الوسطى والدنيا, كما باعد بوش نفسه اكثر واكثر عن الطيف القائم للحركات الاصولية البروتستانتية التي هي الداعم الشعبي الاكبر لحزبه بوصفها حركات متطرفة اكثر من اللازم, وذات حلول ووصفات نهائية قاطعة, الامر الذي لايتماشى مع المرونة المتطلبة في العمل السياسي. ولكيما يؤكد نقطة افتراقه عن حزبه هنا فقد انطلق بوش الابن ليخطب ود الاسر والاباء, وتجرأ ليقبل اطفال الناس, وهي عادة غير مستلطفة في امريكا, ولكنه فعلها ليؤكد للشعب نزعته الانسانية العاطفية (الغالبة), وفي هذا المساق اقترح ايضا خصم مبلغ الف دولار من حصيلة الضرائب لكل اسرة لها طفل في سن المدرسة او الجامعة, وهنا هجم عليه آل جور ليبين له زيف دعاويه وسطحيتها, داعيا اياه ان كان اصيلا ان يتخلى عن دعم المدارس الخاصة, لصالح المدارس الحكومية, واستلهم آل جور هنا فكرة صاحبة (كلينتون) الذي دعا في الماضي لتعيين مئة ألف رجل بوليس, لضبط الجريمة في الشارع, فدعا آل جور الى تعيين مئة ألف معلم في المدارس الحكومية, لسد الخلل في العملية التعليمية, وهو الخلل الذي تشتكي منه الاسر, وتنتزع بسببه اطفالها من المدارس الحكومية, الى المدارس الخاصة التي تصل رسومها الدراسية الى حدود ألف دولار في الشهر الواحد. ان تلك هي نوعية القضايا التي تبارى فيها المرشحان, خلال جولات الجدال الثلاث وخلال جولات الطواف على المدن الكبرى وخلال الاجتماعات المتتالية بالجاليات ومراكز المصالح والضغوط, وهي في غالبها قضايا المجتمع الاستهلاكي, الذي يظن انه حسم مختلف قضاياه الاساسية الكبرى, او اثر ان يقفز عليها, وفي مثل هذه القضايا يسهل التلاقي والتوافق, ولكن نزعة التسويق المتأصلة في السياسيين الامريكيين ابت الا ان تطل وتبرز, لتدعو كل مرشح لتمييز نفسه, واصطناع خلافية مع خصمه, او حتى مع تراث حزبه وبرامجه, ولعل الداعي الاكبر لبروز تلك النزعة الآن, هو ما تدل عليه برامج استطلاع الرأي العام, عن تقارب نقاط كل من المرشحين, فجعل كل منهما يفتعل شيئا جديدا, ليزيد من نقاطه, جريا وراء ما يطلبه المستمعون او المشترون في هذه الحال! حتى كتابة هذه السطور لم يتمكن اي من المرشحين من احراز الـ 270 صوتا انتخابيا التي تعد الحد الادنى للفوز بالرئاسة, وبما ان بوش لايزال متقدما قليلا على آل جور في عدد الاصوات فانه قد اخذ يصعد من صوته بالهجوم الحاد على آل جور, وبصورة شخصية صارخة, ثم اخذ يتجول عارضا نفسه في مجامع ولايات ديمقراطية, صوتت في الانتخابات الرئاسية الثلاثة الماضية للمرشحين الديمقراطيين, راجيا ان يسوق نفسه هناك بأفضل مما فضل آل جور الذي فضل اخيرا ان يعتمد على نشر اعلانات لاتظهر فيها صورته, ولا يسمع فيها صوته بينما سمح لكلينتون بأن يذهب ليتحدث بالنيابة عنه في مجامع السود, الذين يصوتون بأغلبيتهم الساحقة للجمهوريين, ولكن دعوة لويس فراكان لهم بعدم التصويت للمرشح اليهودي ليبرمان قد تهز تلك الاغلبية قليلا, وبمناسبة فراكان فان اصوات مسلمي امريكا قد تكون لها قوة الترجيح الحاسمة, اذا ما فاز بوش الابن, فقد اعلن اللوبي الاسلامي في واشنطن تأييده له ودعا المسلمين للتصويت له, بعد ان قبل بدعم بعض مطالب المسلمين. كانت تلك المقايضة بين بوش والمسلمين خطوة متأخرة منه, ولعلها آخر صفقات حملته الانتخابية, وغدا سينظر في امرها المحللون السياسيون, اذا ما قدر لبوش ان يفوز. د. محمد وقيع الله

طباعة Email
تعليقات

تعليقات