الملف السياسي ـ خط أحمر في كل التسويات, تهويد القدس ركيزة الحلم الصهيوني

القدس هي جوهر القضية الفلسطينية حقا, وهي العاصمة الطبيعية لدولة فلسطين, وتقع المسئولية المباشرة لتحريرها على عاتق الشعب الفلسطيني وقيادته. ولا تملك السلطة الفلسطينية التنازل عن شبر واحد من القدس الشرقية أو القدس القديمة داخل الأسوار, وكان الحديث عن إعطاء حائط البراق, الذي يسميه اليهود حائط المبكى, لاسرائيل خطأ استراتيجيا فادحا تورط فيه المفاوض الفلسطيني في قمة كامب ديفيد الثانية والفاشلة التي انعقدت في الولايات المتحدة في يوليو الماضي, ذلك أن حائط البراق هو الجزء الجنوبي من الحائط الغربي للمسجد الأقصى, ومنه عرج النبي المصطفى عليه السلام الى السماوات العلا. ولا يملك عرفات أو غيره التنازل عن الحائط, أو عن الحي الأرمني في القدس القديمة, فالقدس بشطريها تاريخيا, أرض عربية, والقدس الشرقية بوجه خاص خط أحمر في كل التسويات السياسية المنتظرة على المسار الفلسطيني, والقدس القديمة أمانة في أيدي الفلسطينيين استودعها العرب والمسلمون, ولا ينبغي أن يفرط العالم الاسلامي أو الدول العربية في السيادة الفلسطينية الكاملة عليها. والقدس كما ينبغي أن تكون قضية مصرية, وعربية, واسلامية, وتفرض حقائق التاريخ, وعلوم الصراع الدولي والاستراتيجية أن تتحمل كل من مصر والدول العربية مجتمعة أو بعضها, والدول الاسلامية أو من يستطيع منها مسئولياتها في التخطيط الاستراتيجي لتحرير القدس في المدى القريب (7-8 سنوات) أو المتوسط (15-20 سنة) بغير إبطاء. ولم يعد ممكنا أو مقبولا أن يترك الأمر لجامعة الدول العربية التي فشلت في الحفاظ على الأرض الفلسطينية التي أتاحها قرار التقسيم الذي صدر من الأمم المتحدة عام , 1947 ولم تستطع وقف مخطط تهويد فلسطين طيلة 53 عاما متصلة, ووقعت ضحية للخداع الاسرائيلي في مفاوضات التسوية السياسية التي دارت في عقد التسعينيات في القرن العشرين الذي يوشك أن ينصرم بمحنه وأحداثه الجسام. إن مصر مطالبة بأن تتحمل مسئولياتها المباشرة إزاء قضية القدس في ضوء صلاتها التاريخية العضوية بها, والمسلمون مطالبون باليقظة والوعي بأبعاد الصراع الاسلامي اليهودي في القدس, وبالعمل الجاد للتصدي لخطة اليهود للاستيلاء على القدس القديمة, وأجزاء من القدس الشرقية, فلم يعد كافيا ذلك النشاط المتواضع والهامشي لتلك اللجنة التي شكلها المؤتمر الاسلامي ولم تنجز شيئا يذكر طيلة عدة سنوات متعاقبة. وجامعة العرب بدورها بدأت في قمة القاهرة الطارئة في أكتوبر الماضي مع التعامل مع القضية الفلسطينية بأسلوب عملي وواقعي, ولكن البداية متواضعة, ولا تعبر عن اصرار عربي على مواجهة اسرائيل الى آخر المدى اذا استمرت في رفض قيام كيان فلسطيني في الضفة الغربية وغزة ومضت في استيطانها الاستعماري في فلسطين وتهويدها للقدس الشريف. إن القدس لن تتحرر إلا بتكامل الاستراتيجيات المصرية والعربية والاسلامية للحفاظ على عروبتها واسلامها وانتزاعها من أيدي المحتل الصهيوني. مصر والقدس منذ عهد سنفرو أول ملوك الأسرة الرابعة في الدولة القديمة في مصر الفرعونية كانت فلسطين تحت السيادة المصرية, ولقد استوطن الكنعانيون, وهم من أبناء شبه الجزيرة العربية, القدس في القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد برعاية كاملة من فرعون مصر. وعندما انتهى عصر الدولة الوسطى عام 1785 ق.م سرى الضعف في أوصال المملكة المصرية واندلعت الثورات في أرجائها وتسرب الفساد الى كل مرافق البلاد, وبدأ عصر اضمحلال وتأخر يعتبر من أظلم عصور التاريخ المصري القديم. وعندما حارب شاؤول (وهو طالوت في القرآن الكريم) ملك العبرانيين شعب فلسطين, ساعد المصريون الفلسطينيين, وهزموه شر هزيمة عام (1050) قبل الميلاد في معركة (جلبوع) شمالي القدس, وبعد موت سليمان انقسمت دولته الى قسمين متناحرين, ويروي سفر أرميا أن فرعون مصر شيشنق الأول قد اجتاح مملكة يهوذا بعد توليه الحكم عام 950ق.م وأخضعها لسيادته الكاملة بعد أن دمر مدنها, وأجزاء من هيكل سليمان الخشبي. وقد اضطر المصريون عام 701ق.م الى حصار أورشليم لتأديب مملكة يهوذا التي كانت مزدوجة الولاء للآشوريين وللمصريين. وفي عام 608ق.م اتجه الجيش المصري بقيادة الفرعون نيكاو ليلتقي بجيش يهوذا بقيادة الملك يوشيا في معركة طاحنة في سهل مجدو, الذي انتصر فيه من قبل الفرعون تحتمس الثالث, وانهزم يوشيا هزيمة نكراء, ونقل الى أورشليم ليموت ويتجه الى جهنم مباشرة, بينما دخل نيكاو بلاد يهوذا على النحو المبين في كتاب الملوك الثاني, الإصحاح ,23 وأسر الفرعون يهوأحار خليفة يوشيا, وولي أحناه يهوياقيم حاكما على يهوذا, وفرض عليه الجزية. وفي عام 39 ق.م بدأ حكام يهودا في اعادة بناء الهيكل, والتمرد على الرومان الذين سيطروا على فلسطين عام 63 ق.م, فعاقبهم الوالي القيصري بيلاطس عام 26م بنهب الهيكل وبدء هدمه لشق قناة للري مكانه, وانتهى الأمر على يد القائد الروماني تيطس الذي حاصر أورشليم, وشدد ضغطه عليها, وقتل اليهود أنفسهم بأنفسهم, ومات منهم نحو مليون يهودي, ودمر الهيكل عن آخره فلم يبق فيه لوح خشبي أو حجر قائم, وطرد اليهود من فلسطين مشتتين في أنحاء الأرض لينشروا الفساد والربا وخراب الذمم في كل أرض حلوا بها. وحين حرر العرب فلسطين عام 638م من الرومان نشروا العدل في فلسطين, واهتم الأمويون بالقدس وبعمارة مسجد الصخرة ذي القبة الذهبية والمسجد الأقصى ذي القبة الفضية على يدي الخليفة الوليد بن عبدالملك في بداية القرن الثامن الميلادي. وفي عام 878م ضم الطولونيون فلسطين والقدس الى مصر, وتحققت وحدة مصر وفلسطين حتى استولى السلاجقة على بيت المقدس عام 1071م ثم تتالت الغزوات الصليبية, وسقطت القدس في أيدي الصليبيين عام 1099م وجاء صلاح الدين بمشروعه الوحدوي على أساس اسلامي, وحشد قواته التي تنتمي الى دول اسلامية عدة كانت قد وحدت تحت رايته, وكان جند مصر العمود الفقري لهذا الجيش الاسلامي الكبير الذي ضم معهم جنود سوريا وحلب والجزيرة العربية وديار بكر. وانتصر الناصر صلاح الدين في حطين في رمضان 583 هـ, الموافق يوليو عام 1187م, وتحققت من جديد وحدة مصر وفلسطين. وبعد سبعين عاما, وفي عام 1258م أنهى الغزو المغولي للعراق بقيادة هولاكو نحو خمسمائة عام من الخلافة العباسية في بغداد, واجتاح المغول سوريا, وتقدموا الى غزة دون مقاومة تذكر في فلسطين, لكن الملك المظفر قطز حاكم مصر تصدى للغزاة, وانتصر في غزة أولا ثم في عين جالوت في رمضان سنة 658هـ تحت شعار (وا إسلاماه) العظيم. وأنقذ المصريون الاسلام من أخطر تهديد تعرض له منذ بدء الدعوة المحمدية, بل والحضارة البشرية شرقا وغربا من المغول البرابرة بعد ما فعلوه من دمار شامل في فارس والعراق والشام. وعادت وحدة مصر وفلسطين من جديد منذ عام 1260م واستمرت في عصر المماليك حتى الغزو العثماني عام 1517م. وباحتلال العثمانيين صارت مصر والشام دولا تابعة محتلة وحرمت من أسباب النهضة وأسس التنمية الى أن تولى علي بك الكبير حكم مصر عام 1763م وسيطر على أمورها, وتوسع في فلسطين والشام حتى وصل الى حلب وبدأ حلم الوحدة المصرية الفلسطينية يتحقق من جديد لولا خيانة بعض قواده وتحالفهم مع العثمانيين. ولم تمض سنوات طويلة حتى استطاع محمد علي خلال الثلث الأول من القرن التاسع عشر الميلادي تحويل مصر من ولاية عثمانية الى دولة كبرى ضمت مصر والسودان والحجاز ونجد واليمن وفلسطين والشام, وقد حاربت مصر الدولة العثمانية وهزمت جيوشها في معارك الزراعة وعكا وحمص وبيلات وقونية حتى كانت هزيمة نزيب الكبرى في يونيو 1839. ولم يحدث التحالف بين مصر والدول العثمانية برغم الرابطة الاسلامية بسبب تآمر السلطان العثماني على محمد علي, ورفض الآستانة لدور مصر كدولة قوية مستقلة في عالمها العربي والاسلامي مما أدى الى انكماش مصر في نهاية عهد محمد علي, وتحول الدولة العثمانية الى (رجل أوروبا المريض) ونجاح التآمر الأوروبي على الدولتين. وفي التاريخ المعاصر, ارتبط تاريخ مصر بفلسطين منذ بدايات القرن العشرين, وخاض جيشها الحرب ضد اسرائيل أعوام ,1948 ,1956 ,1967 ثم ,1973 وهي السند الأساسي للفلسطينيين في الصراع الدائر حول الأرض والقدس حاليا سواء في مجال المواجهة أو التفاوض, ولا تملك مصر أن تتخلى عن روابطها العضوية بفلسطين اليوم وغدا, وتقع عليها مسئولية تاريخية وقومية مباشرة في أن تجدد تحالفها مع شعب فلسطين, وتعمل معه يدا بيد لتحرير القدس من جديد, وتفكر مع قادته في كونفيدرالية مصرية فلسطينية دون أن تخشى مؤامرات اسرائيل, والمخطط الأمريكي لاقامة كونفدرالية ثلاثية تضم اسرائيل وفلسطين والأردن, وتهيمن عليها الدولة الصهيونية, وتهدد أمن مصر وسوريا معا. استراتيجية المواجهة الاسلامية يعلو تلمود الحاخامات كتاب التوراه الذي حرفوه وبدلوا فيه تبديلا, ولم تعد اليهودية ديانة توحيدية في اسرائيل بل أصبحت ديانة وثنية تحول فيها رب العالمين الى إله لبني اسرائيل دون غيرهم من الشعوب, وأصبحت اليهودية رباطا عنصريا للمولودين من أمهات يهوديات. لقد غدت اليهودية عنصرية وعرقية ولم تعد قيما ومبادئ وعبادات وأخلاق واستباح يهود اسرائيل المحرمات في تعاملهم مع العرب, وعاملوهم بطرق حيوانية سواء داخل الخط الأخضر (عرب 1948) أو في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وتمسك اليهود بخيار القمع والردع فالسلام لدى باراك وشارون هو هدنة ما بين حربين, والحرب هي الخيار السياسي والاستراتيجي الوحيد لاسرائيل, وتهويد القدس هو ركيزة الحلم الصهيوني لقيام اسرائيل الكبرى, وتهويد أكبر جزء ممكن من فلسطين حتى يمكن أن تستوعب اليهود الذين يتدفقون الى أرض الميعاد التي كتبها الله لأبيهم ابراهيم, واختصوا بها أنفسهم دون العرب من نسل اسماعيل عليه السلام. واليوم يطبق اليهود خطة (حقول الأشواك) للفصل العنصري لعزل وحصار الفلسطينيين في كانتونات منفصلة تحيطها المواقع العسكرية الاسرائيلية, وهي بمثابة اعلان حرب حقيقي على الوجود العربي في فلسطين, واليهود ينتهكون حرمة المسجد الأقصى, ويحفرون الأنفاق تحته, ويسعون الى تهويد الحرم الابراهيمي في الخليل, ولم يعد الصراع العربي الاسرائيلي خلافا على الحدود أو نزاعا على الأرض, أو مجرد صراع ثقافي أو نفسي بل أصبح صراعا دينيا يهدد وجود العرب في فلسطين والشام وسيناء, ويضرب المقدسات الاسلامية في الصميم, لم يعد مقبولا أن تنأى دول اسلامية كبرى عن قضية فلسطين. ونحن ننتظر القمة الاسلامية في الدوحة, وبدء صياغة استراتيجية متكاملة لدعم كفاح الشعب الفلسطيني وإجهاض محاولات إخماد محاولات الانتفاضة, والدعم المباشر للمقاومة بالمال والسلاح, وحصار اسرائيل سياسيا ودبلوماسيا واقتصاديا. إن آمالنا في المواجهة الاسلامية, ثم في صياغة استراتيجية عربية واضحة لمستقبل الصراع في فلسطين قد تجددت, فإن هذا الصراع قد وصل الى ذروته الحرجة ولم يعد يقبل التأجيل أو الانتظار لجيل الغد. ولتبدأ مصر المواجهة, ولله الأمر من قبل ومن بعد. بقلم لواء أح/ صلاح الدين سليم محمد/ الأستاذ الزائر بأكاديمية ناصر العسكرية العليا

طباعة Email
تعليقات

تعليقات