الملف السياسي ـ تدويل قضية القدس.. هل يكون الحل النهائي للمشكلة

ماحدث فى الثامن والعشرين من شهر سبتمبر الماضى يؤكد وبمالا يدع مجالا للشك أن القدس منطقة حساسة ومن المحرمات الفلسطينية العربية والاسلامية وهى خط أحمر لا يمكن لأى قائد أو زعيم فلسطينى أو عربى أن يتجاوزه, لقد هبت الشعوب العربية من الخليج حتى المحيط لمجرد أن السفاح شارون حاول زيارة الحرم القدسى, ومنذ ذلك الوقت والانتفاضة مستمرة والشهداء يسقطون, فالقدس رمز دينى ومكان مقدس فهى اولى القبلتين ومسرى النبى صلى الله عليه وسلم, كما لها قدسية بالنسبة للمسيحيين, فى حين لم يثبت تاريخيا أن كان لليهود فيها مثل هذه الحقوق, كما ثبت ان كل ما يرددونه من مزاعم حول هيكل سليمان وغيره ماهو الا أكاذيب ومزاعم يقولونها ويصدقونها هم فقط.. (الملف) التقى د. محمد السيد سعيد نائب مدير مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية و د. حسن بكر استاذ العلوم السياسية لالقاء الضوء حول أهمية القدس وموقعها فى أى محاولات قد تتم لانهاء الصراع العربى الاسرائيلى, وامكانية استعادتها بالحرب وتطهيرها من دنس الصهاينة, وتدويل القدس وهل يكون هو الحل النهائى للمشكلة؟ وهل تحول الصراع حول القدس الى صراع اسلامى يهودى أم أنه مازال صراعا عربيا اسرائيليا, وغيرها من التساؤلات. بداية يرى د.محمد السيد سعيد نائب مدير مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أن تحويل القدس إلى قضية إسلامية يهودية, لن يكون فى صالح الجانب العربى ولا فى صالح القضية لأننا بذلك سوف نفقد تأييد ومؤازرة نحو 2 مليار مسيحى فى العالم, كما أن التركيز على أن الصراع حول القدس هو صراع اسلامى يهودى سوف يقلل من التعاطف الدولى معنا وخاصة فى ظل الصورة السلبية المأخوذة عن الاسلام والتى روجتها وسائل الاعلام الغربية, فالاسلام عند الكثيرين فى الغرب هو دين العنف واضطهاد المرأة والأديان الأخرى, ومن هنا فإنه يجب عدم التركيز على الأمر لأنه لن يكون فى صالحنا ويجب ألا ننسى أن فى القدس العديد من المقدسات المسيحية ولها عند المسيحيين نفس القيمة والتقديس, وهو لا يعتقد أن الصراع حول القدس سيتحول الى صراع دينى فرغم جوهر وأهمية ذلك, الا أن الأساس فى القضية هو أن القدس جزء لا يتجزأ من الأرض العربية المحتلة فى 5 يونيو ,1967 ومن الأفضل أن يتم التركيز على هذا الوضع فى سعينا لاسترداد الحقوق العربية فى القدس, فالعمل على هذا المستوى سيكون مفيدا فالصراع هنا يجب أن يكون حول حق تاريخى ثم تقنينه من خلال القرارات الدولية العديدة وخاصة القرارين 242 و 194 ينصان على حق العودة والتعويضات وغيرهما من القرارات الدولية الأخرى, لابد من حصر الصراع مع الاسرائيليين حول القدس فى هذا المستوى, وبحيث نكشفها امام المجتمع الدولى ونظهرها امام المجتمع الدولى فى صورة الدولة المعتدية الهمجية التى لا تنفذ ولا تنصاع لقرارات الشرعية الدولية, وانها ارض عربية أخذت بالقوة, هذا مانريد طرحه على المجتمع الدولى, أما اذا تم طرح القضية على أنها صراع اسلامى يهودى, فهذا سوف يطمس الحق الفلسطينى فى القضية, ويحول دون تعاطف الرأى العام العالمى معنا. اشراف الأمم المتحدة وحول رأيه فى تدويل قضية القدس وهل يكون هو الحل النهائى للمشكلة؟ يقول د.محمد السيد سعيد: أنا مع التدويل المؤقت للقضية وأعتقد أن هذا الأمر كان قد تم طرحه خلال المفاوضات بين الفلسطينيين والاسرائيليين قبل الانتفاضة الفلسطينية, وكان هذا الطرح يقوم على فكرة اشراف الأمم المتحدة على القدس, أى نقل السيادة على المدينة من الجانب الاسرائيلى الى الأمم المتحدة, وبعدها يتم التفويض من المنظمة الدولية للجانب الفلسطينى فى الاشراف على الأماكن المقدسة الاسلامية, هذا الطرح يعتبر جيدا للغاية بالنسبة للفلسطينيين لأنه سينقل المسألة برمتها من الإسرائيليين الى المنظمة الدولية والفلسطينيين, وكان سيخلق واقعا جديدا تنقل فيه السيادة للسلطة الوطنية الفلسطينية وخلع هذه السيادة من اسرائيل وهذا كان سيعد انجازا كبيرا حتى ولو استغرق تنفيذه عشر سنوات, ولكن هذا الطرح تم رفضه نهائيا. من الجانب الإسرائيلى, ولذلك تم طرح الصيغة الأخرى وهى الخاصة بالمشاركة فى السيادة وتلك لم يقبل بها الجانب الفلسطينى, فى حين وافق الجانب الاسرائيلى عليها ولكن على القدس الشرقية فقط, واننى اقترح فى هذا الشأن أن تكون المشاركة على القدسين معا الشرقية والغربية, وبحيث يكون هناك وجود رمزى للفلسطينيين فى القدس الغربية وخاصة أن هناك أراض وممتلكات فلسطينية بها, مع وجود رمزى اسرائيلى فى القدس الشرقية وبالتالى يكون هناك قدر أكبر من التوازن, الفلسطينيون يكون لهم كلمة فى القدس الغربية, والاسرائيليون يكون لهم كلمة فى القدس الشرقية, وإن كانت هذه الصيغة تأتى فى مرتبة تالية من حيث الأفضلية بالنسبة لتدويل القضية. وفيما يتعلق بإمكانية استعادة القدس من دنس الصهاينة من خلال عمل عسكرى أو حرب كاملة يعتقد د.محمد السيد سعيد أن الحديث عن حل عسكرى لن يكون مجديا الا اذا مالت موازين القوى خلال الفترة المقبلة لصالح الجانب العربى وهذا الأمر غير متوقع على المدى القريب أو المتوسط, وبالتالى استعادة القدس من خلال عمل عسكرى أو انتفاضة شعبية أمر غير متوقع وهناك تحفظات كثيرة على امكانية تحقيقه, حيث انه لا يوجد سياسى اسرائيلى أو رئيس حكومة هناك يمكن أن يتخلى فى الأمد القريب عن شئ ما فى القدس, لأنه يعرف النتائج التى ستترتب على ذلك, بل أنه لا يوجد سياسى اسرائيلى يستطيع أن يسوق أى تنازل فى القدس للرأى العام الاسرائيلى, فقضية القدس وكما هى شائكة جدا بالنسبة للجانب الفلسطينى والعربى, فهى كذلك بالنسبة للجانب الاسرائيلى, أى اننا امام واقع اسرائيلى وسلطة اسرائيلية لا يمكن أن تقبل بالتخلى أو الانسحاب من أى أراض فى القدس, وبالتالى فالحل لابد أن يكون من خلال المجتمع الدولى وهذا يتطلب أن يكون هناك نظام دولى قادر على أن يجبر اسرائيل على الانصياع للقرارات الدولية, أما الحديث عن حل عسكرى فهناك صعوبة فى ذلك لأنه يحتاج الى ظروف استثنائية, مع ذلك يمكن المزج بين كل البدائل المتاحة من انتفاضة شعبية وعمليات مقاومة منظمة ومستمرة واجراءات عربية فى اتجاه محاصرة الجبروت الاسرائيلى دوليا, فضلا عن تنشيط العمل على المستوى الدولى ودعوة المجتمع الدولى لأن يمارس دوره فى الضغط على اسرائيل, هذه الأمور وغيرها كثير يمكن أن تعمل كعوامل أساسية فى اتجاه استعادة القدس ولكنها لا تكفى بدون وجود الارادة الدولية لإجبار اسرائيل على تنفيذ القرارات الدولية والانسحاب من القدس الشرقية. استعادة الحقوق العربية وإذا كان د.محمد السيد سعيد يعول كثيرا على النظام الدولى وقرارات الشرعية الدولية فى استعادة الحقوق الفلسطينية والعربية والاسلامية فى القدس ولا يتحمس كثيرا للحل العسكرى ويرى بأنه لا يستطيع حل القضية الا اذا مالت موازين القوى كثيرا لصالح الجانب العربى وهذا أمر غير متوقع على المدى القريب, فإن د.حسن بكر استاذ العلوم السياسية يرى أن قضية القدس لن تحل الا من خلال حرب, وعمل عسكرى ولكن قبل اللجوء الى هذا الحل يرى أن هناك بعض الخطوات يجب اتخاذها لأنها قد تساعد فى استعادة الحقوق العربية فى القدس ومنها نقل المعركة الدبلوماسية بين العرب والصهاينة الى داخل الاراضى الأمريكية, فلابد أن تكون نقطة البدء هناك حيث اللوبى الصهيونى واليهودى الذى يساعد اسرائيل, لابد أن يكون هناك عمل عربى منظم من أجل استقطاب الرأى العام الأمريكى لمساندة الحق العربى فى القدس أو على الأقل نجعله محايدا فى هذه القضية ولا نتركه فريسة سهلة للوبى الصهيونى, والعرب يمكنهم أن يقوموا بهذا العمل بسهولة لوجود العديد من العوامل المساعدة, ومنها المصالح الأمريكية فى الشرق الأوسط, فمعروف أن مصالح الولايات المتحدة مع العرب أكثر بكثير من مصالحها مع اسرائيل, فالاموال العربية هى العصب الأساسى الذى يقوم عليه الاقتصاد الامريكى, ولذلك يجب أن يشعر الأمريكيون أن هناك خطرا على مصالحهم مع العرب اذا استمر انحيازهم السافر للإسرائيليين, أيضا يجب الاستفادة من المواقف الايجابية للزنوج والسود فى الولايات المتحدة, فهم مؤيدون للمواقف العربية وهؤلاء قوة ليست بسيطة حيث أن عددهم يصل الى 60 مليون شخص, السود ضد اسرائيل لمواقفها العنصرية وتحالفها مع الأنظمة العنصرية وخاصة جنوب أفريقيا قبل سقوط العنصرية هناك, كما يحمل السود والزنوج التجار اليهود المسئولية عن وقوعهم فى الرق أيضا يوجد فى الولايات المتحدة نحو 6 ملايين عربى, و 25 مليون مسلم فى حين أن عدد اليهود 6 ملايين فقط, ولو تم التركيز على المسلمين والعرب والسود لكان لنا (لوبى) كبير يمكن أن يؤثر كثيرا على اللوبى الصهيونى فى الولايات المتحدة, فنحن اذا شكلنا مع هؤلاء فضلا عن الضغط بالمصالح المشتركة بين العرب والأمريكيين لاستطعنا توجيه السياسة الخارجية الأمريكية فى الاتجاه الصحيح. حرب جهادية انتحارية ويضيف د.حسن بكر: والأهم من ذلك هو اعلان الحرب الجهادية الانتحارية ضد القوات والاحتلال الاسرائيلى, فإسرائيل لا ينفع معها فى الوقت الحالى حروب الجيوش النظامية, وعندنا نموذج حزب الله فى جنوب لبنان والذى أجبر الطاغوت الاسرائيلى على الهروب ليلا وتحت جنح الظلام بسبب الخوف من عمليات المقاومة, هذا النموذج لابد ان يحتذى, ولابد أن يسمح لمن يريد المشاركة فى الحرب الجهادية الانتحارية بأن يشارك, وبعيدا عن الجيوش النظامية العربية مع توفير الدعم المالى لهذه الحرب, أننى على ثقة من أن مثل هذه الحرب يمكن أن تحرر القدس وفلسطين كلها, لقد اصيب الجيش الصهيونى بالهلع وأعلنت حالة الطوارئ القصوى بسبب بعض الصبية الذين يقذفونهم بالحجارة, كما لم يناموا منذ أن أقدم أحد الشباب الفلسطينيين على القيام بعملية انتحارية خلال الأيام الماضية, والذى فجر نفسه أمام احدى القواعد العسكرية الاسرائيلية, وأخيرا سلاح البترول فلا شئ يمكن أن يهز الولايات المتحدة والغرب أكثر من البترول, وإننى هنا لا أقول القطع النهائى للبترول ولكن التخفيض فى البداية, استخدام سلاح البترول من شأنه أن يؤثر كثيرا بإتجاه الضغط لاستعادة الحقوق العربية الفلسطينية وخاصة فى القدس, ولكن هذا يحتاج الى قرار عربى عام تلتزم به كل الدول البترولية, كما حدث ابان حرب أكتوبر ,1973 من خلال الاجراءات والخطوات السابقة يمكن أن ندفع باتجاه استعادة الحقوق العربية فى القدس. تدويل قضية القدس وعن رأيه فيما تم طرحه من مبادرات حول تدويل القدس وهل يكون ذلك هو الحل النهائى للمشكلة يقول د.حسن بكر: إننى لا أعتقد أن اسرائيل يمكن أن توافق على تدويل قضية القدس, فإسرائيل لن تتنازل عن شبر أخذته فى المدينة المقدسة الا بالقوة, فما أخذ بالقوة لن يسترد الا بالقوة, أما التعويل على القرارات الدولية فلن يحقق لنا شيئا, فلو كانت اسرائيل تلقى بالا بالقرارات الدولية والشرعية الدولية لما كانت هى اسرائيل الحالية ولما كانت لها كل هذه الأراضى, إسرائيل لا تعترف الا بالقوة, فهى تزدرى الأمم المتحدة وقراراتها وتعيش على الفيتو الأمريكى ولذلك لن ينفع معها موضوع التدويل, ثم ان هذا التدويل المفروض أن يتم من خلال قرارات مجلس الأمن والتى اذا لن توافق عليها فسوف تبادر الولايات المتحدة فورا باستخدام حق الفيتو لاجهاض هذه القرارات, اسرائيل لن تسلم القدس الشرقية الا بعد أن تنهك قواها من خلال حرب جهادية شعبية انتحارية, يسقط فيها الشهداء فى سبيل استرداد القدس الشرقية, وأكرر أمامنا نموذج حزب الله وماحدث فى جنوب لبنان قد فرت القوات الاسرائيلية كالفئران المذعورة تحت جنح الظلام هربا من عمليات قوات حزب الله. ويرى د.حسن بكر أن قضية القدس هى جوهر ولب الصراع العربى الاسرائيلى فهى لم تعد قضية فلسطينية اسرائيلية والا أمكن التوصل لحلول بشأنها ولكنها قضية عربية اسرائيلية, ولذلك لن يقبل أى من القادة العرب بأى تنازل بالنسبة للقدس لما يمكن أن يترتب على ذلك من ثورة الشعوب العربية والاسلامية فهى قضية حساسة للغاية ولن يجرؤ أحد على التنازل فيها, لقد رفض عرفات تقديم أى تنازل خلال قمة كامب ديفيد الثانية وساندته مصر فى ذلك لأنه يعرف جيدا ان حياته يمكن أن تكون ثمنا لأى تنازل فى موضوع القدس, وعلى الجانب الآخر فالإسرائيليون هم الآخرون لا يفكرون البتة فى التنازل عن القدس ومن هنا فالقضية هى لب الصراع وسوف تحتاج لوقت طويل وعمل كبير فى اتجاه حلها, لأنه بدون حلها لن تعرف المنطقة الاستقرار. القاهرة ــ صالح الفتيانى

طباعة Email
تعليقات

تعليقات