الملف السياسي ـ الاجتزاء الصهيوني للحقائق, القدس عربية الأصل وادعاءات اليهود إفك مبين

لا تعدو الادعاءات التاريخية للصهيونية بشأن مدينة القدس بصفة عامة وحائط المبكى على وجه التعيين, أن تكون إفكا علميا وعدوانيا سافرا على حقائق التاريخ ومعطيات علم الآثار. والحقيقة أن الدوائر الصهيونية تلجأ دوما إلى الترويج, علنا وضمنا, لمفهوم الانقطاع التاريخي واجتزاء الحقائق وكأنها تعرض لأجزاء من شريط سينمائي معتبرة أن كل جزء هو شريط قائم بذاته ومفصول عما قبله أو بعده, وفي كل مرة تختار الصهيونية حدثا تاريخيا بعينه لتعتبره بداية الأحداث المعتبرة وتنطلق منه في تبرير أطماعها العدوانية. فالقدس أو أورشاليم هي في نظرهم عاصمة دولتهم الموحدة لأنها كانت حاضرة داود وسليمان (عليهما السلام) ومن هذه النقطة يبدأ تاريخ المدينة, ذلك على الرغم من أن الحفائر الأثرية بل وكتابات العهد القديم تثبت جميعها الأصل العربي الكنعاني للمدينة. فهي (يبوس) مدينة الكنعانيين, وقد عرفت بهذا الاسم نسبة إلى اليبوسيين الذين هاجروا من جنوب الجزيرة العربية ضمن الهجرات الكنعانية. ويظهر أنه كانت لهذه المدينة قدسية دينية خاصة إذ لجأ إليها سيدنا إبراهيم (عليه السلام) بناء على دعوة من حاكم يبوس (ملكي صادق) أو الملك الصادق أو المقدس. وتستند الأدبيات اليهودية في تبرير قيام داود بالاستيلاء على يبوس (أورسالم ــ أورشاليم) إلى أن (الرب قد أعطى إبراهيم ونسله هذه الأرض في الوعد الذي قطعه على نفسه), وقد اعتبر هذا الوعد قصرا على آل يعقوب رغما عن أن الخليل إبراهيم وقت أن أعطى هذا الوعد لم يكن لديه من الذرية سوى سيدنا إسماعيل (جد العرب) ولكنه الاجتزاء الصهيوني للحقائق مرة أخرى. وفضلا عن هذا وذاك فقد ظلت يبوس أو أورشاليم حسب الوثائق المصرية القديمة تقاوم محاولات العبرانيين للاستيلاء على المدينة قرابة قرنين ونصف من الزمان وهي الفترة التاريخية التي تفصل بين عهد (يوشع بن نون) خليفة موسى عليه السلام وبين عهد سليمان عليه السلام. وطبقا لرواية العهد القديم فإن اليبوسيين جعلوا لمدينتهم سورا حصينا منذ بداية غزوات يوشع ولم يستطع داود أن يقتحم هذا السور سوى بخدعة الدخول عبر عين الماء التي كانت تمتد من خارج الأسوار إلى داخلها. ولدينا في رسائل تل العمارنة الفرعونية خطابات أرسلها حاكم أورشاليم الكنعاني (عبد خيبا) مستنجدا بسيدة التابع له (فرعون مصر) لإنقاذ المدينة من غزوات العبرانيين, وقد أكد فيها تبعيته للفرعون الذي أجلسه على العرش وتبعته أورشاليم للملك ففي الرسالة 278 يقول عبد خيبا أنظر لقد وضع الملك اسمه على أرض أورشاليم إلى الآن حتى أنني لايمكنني ترك أرض أورشاليم وعاد عبد خيبا ليحرر في رسالته رقم ,289 (انهم (أي الأعداء) الآن يحاولون الاستيلاء على أورشليم وإذا كانت هذه الأرض ملكا للملك هل تترك أورشليم تسقط. ليت الملك يرسل لنا خمسين رجلا كحامية ليقوموا بحراسة البلاد). ومن أسف أن جهود ملوك مصر في هذه الفترة من القرن 14 ق. م لم تتجاوز الاستعدادات الحربية التي لم تغادر مصر تاركة أورشليم الذي حاول مهاجمتها في عهد ملكها (أدوني صادق). وطوال 250 عاما تفصل بين عهدي يوشع وداود كانت أورشاليم في أيدي اليبوسيين يكافحون من وراء أسوارها الحصينة محاولات الغزو الإسرائيلي. وطبقا لروايات العهد أيضا فإن هذا الغزو لم يفلح, رغما عن الاستيلاء على المدينة, في القضاء على السكان الأصليين الذين ظلوا يسكنون أجزاء من أورشليم, بدليل بقاء اسم (صادق) في تاريخها. ففي أيام داود وسليمان نجد طائفة من الكهنة تحمل هذا الأسم الخاص بالملوك اليبوسيين وهي طائفةالصدوقيين وهم مميزون عن اللاويين. ومعنى ذلك أنه كانت بالمدينة طبقة مقيمة لم تتأثر بالهجرات ولا بالملكية ولا بالحكومات الأجنبية قبل أيام ابراهيم إلى تشتت اليهود أيام الامبراطور الروماني هدريان. فالمدينة عربية الأصل لا انقطاع في تاريخها المسجل في وثائق تل العمارنة الفرعونية بل ولم تكن في يوم من الأيام مدينة بلا سكان أو أرض غاب عنها أصحابها بل نراهم يتمسكون بها حتى بعد دخول داود وجيشه إليها. ذلك عن إفك أكاذيب الانقطاع التاريخي أو الديموغرافي لأورشاليم. أما عن هيكل سليمان فالأمر يبدو أكثر سهولة ويسرا إذ أن دحض الحديث عنه أمر أبسط من أن تعوزه التحليلات الموضوعية للنصوص التاريخية, لا لشيء سوى أنه أمر يتصل بعلم الآثار والمخلفات المادية, ورغم تعدد محاولات الحفر والتنقيب الأثري من قبل الاثاريين الذين يعتقدون في صحة ما ورد في العهد القديم(التوراة) أو حتى البعثات الإسرائيلية إلا أن أحدا منهم لم يتجاسر على القول بأن هناك حجرا واحدا يعود إلى عهد سليمان بل ولا حتى لتاريخ أبعد من العقد الأخير من القرن الأول قبل الميلاد أو العقود الأولى من القرن الميلادي الأول. وأول ما يسترعي عن الانتباه في قصص هيكل سليمان أن داود لم يؤمر ببناء معبد الرب مكتفيا بحفظ الألواح والتابوت تحت خيمة وهو ما يتناسب مع الطبيعة البدوية لليهود, بينما قام سليمان وبعد 480 عاما من تاريخ خروج بني إسرائيل من مصر ببناء الهيكل مستعينا بأشجار الأرز التي أرسلها له حاكم صور فضلا عن بنائين من فينيقيا ومصر لندرة مثل هذه الخبرات بين الرعاة الرحل. وطبقا للأوصاف التي أوردها الإصحاح السادس من العهد القديم فقد كان هيكل سليمان بناء تمتزج فيه التأثيرات العراقية والفينيقية والمصرية القديمة سواء من حيث التصميم المعماري أو الأساليب البنائية والزخرفية. والحقيقة أن كل ما تبقى من هيكل سليمان هو ذلك الوصف التاريخي الوارد في التوراة, ذلك أن هجوم الملك البابلي نبوخذ نصر على المدينة قد انتهى في عام 597 ق.م إلى الاستيلاء على أورشاليم وأسر ملكها (يهيواكيم) المتحالف مع مصر ومعه آلاف من رؤساء المدينة ووضعوا في المنفى. وفي هذا الهجوم لم تهدم أورشاليم كلها ولكن نهبت بعض كنوز المعبد ووضع (صدقيا) وهو من أعضاء البيت المالك تحت الرقابة الشديدة للمصريين. وقد توهم صدقيا أنه في إمكانه القيام بثورة ضد بابل مستعينا بالمصريين وبالفعل ثارت يهودا على بابل بعد تسع سنوات وقاومت أورشليم الحصار البابلي لمدة عام ونصف العام ولكن في عام 586ق.م فتحت ثغرة في السور واجتاح الجيش البابلي المدينة ووقع صدقيا في الأسر وقتل بعد ذلك في بابل. وبعد شهر من سقوط المدينة أرسل نبوخذ نصر أحد قواده إلى أورشليم ومعه تعليمات لمحوها فجعلها قاعا صفصفا وهدم بين الملك وكل منازل أورشليم وأخذ كنوز المعبد الذهبية بعد أن اقتلع أحجاره وهكذا تم القضاء على المعبد وأصبحت أورشليم مدينة موحشة. ومع بداية الحكم الفارسي لبابل سمح لليهود المنفيين بالعودة إلى أورشليم تحت رئاسة حكام يهود تابعين للملك الفارسي وجرت محاولة إعادة بناء هيكل سليمان في ذات موضعه مرة أخرى خلال السنوات الممتدة بين عامي 539 ق.م و 516 ق.م ورغم ذلك فلم يعثر على أي أثر لهذا المعبد الثاني وبعد استيلاء الاسكندر الأكبر على ممتلكات الفرس في الشرق حكمت الأسرة السلوقية بلاد الشام كافة وكانت لها السيطرة على أورشاليم مع ترك حرية العبادة لليهود واخضاعهم للمراقبة العسكرية المشددة ثم تغيرت تلك السياسة أيام أنتيوخس الرابع أبيجانس عام 175 ق.م, إذ عمل على ادخال العبادات اليونانية, وحدث أن مال بعض اليهود إلى الهيلينية وفي عام 169 ق.م سرقت الأواني المقدسة من المعبد واثار ذلك الشعب في المدينة فأرسل الحاكم السلوقي قوة عسكرية ذبحت الكثير من الأهالي وهدمت الكثير من مباني أورشاليم أيضا واصبح يطلق على المعبد بعد ذلك (معبد زيوس) ومارست الفرق اليونانية عباداتها الوثنية وقدموا الخنزير على مائدة قربان المعبد ومزقت الصحف التي كان مكتوبا عليها الشريعة وأما عادات اليهود مثل عطلة السبت والأعياد التقليدية والختان فقد كان كل من يقوم بها يعدم. وبعد فترة من الاضطرابات والصراعات الداخلية بين فرق اليهود خضعت أورشاليم للحكم الروماني على يد (بومبي)في عام 65ق.م. وقام الرومان في عام 37ق.م. بتعيين (هيرود) الأدومي ملكا على البلاد, ولما كان هيرود يعتبر في نظر اليهود خائنا للعقيدة (أدومي) فقد كان موضع كراهيتهم ومن ثم فقد سعى لاستجلاب رضاهم بتحصين المدينة وتجديد أسوارها ثم باعادة بناء الهيكل وابعاد تماثيل وعبادة زيوس منه. وقد شرع في بناء المعبد في عام 20ق.م إلا أنه توفي قبل اتمام البناء وظل العمل قائما فيه إلى سنة 70 إلا أن اليهود اعتدوا على حرمة المعبد الذي شرع في تشييده هيرود وأحالوه إلى سوق للبيع والشراء ويتزاحم في ساحته تجار الثيران والكباش والحمام ويصبح مربطا للأنعام كما كانت تحيط بالمعبد مكاتب الصيارفة واختلطت في ساحة المعبد البهائم بالناس وحين رأى السيد المسيح عليه السلام هذه الاهانات قال لتلاميذه, أترون هذه الأحجار العظيمة لا يترك حجر على حجر إلا وينقض. وبالفعل تحققت نبوة السيد المسيح. ففي عام 69م هام يتطس بن فسباسيان امبراطور روما أورشاليم ودخلت جيوشه إلى المعبد وأشعلت النار في قدس الأقداس واضرمت النار في المدينة كلها وأمر يتطس بإبادة المدينة كلها فيما عدا ثلاثة أبراج من سورها لحماية جنوده. وعاد يتطس إلى روما وقام هو ووالده بموكب كبير عرضت فيه كنوز المعبد وأخصها الشمعدان الذهبي ذو السبع شعب وشريعة اليهود وسار في الموكب أسرى اليهود الذين جيئ بهم من أورشاليم وأقيم قوس النصر ليتطس في قلب روما تخليدا لهذا الحدث ومازالت نقوشه توضح موكب الأسلاب وضمنها الشمعدان ومقصورته وبعد ذلك سمح لليهود بالعودة إلى أورشاليم حيث أعادوا بناء المعبد, ولكن ثورة يهودية ضد الرومان أدت إلى قيام الامبراطور هدريان بمهاجمة المدينة في عام 135م ولم يكتف هدريان بهدم المعبد بل هدم المدينة بأسرها وشيد على أنقاضها مدينة جديدة أسماها (ايليا كان ولينا) وبنى معبد للاله جيوبتر على انقاض المعبد اليهودي وأصدر مرسوما بحرمان اليهود من الدخول اليها ولم يرفع قرار التحريم إلا في القرن الرابع الميلادي حينما سمح لليهود بالدخول للبكاء لمدة يوم واحد هو التاسع من أغسطس وهو بالمصادفة ذات اليوم الذي هدم فيه المعبد الأول على يد نبوخذ نصر (586 ق.م) والمعبد الثاني على يد يتطس (69م) والمعبد الثالث على يد هدريان(135م) أما ما يبكي عليه اليهود, وهو حائط المبكى أو البراق فهو لايعدو أن يكون بعض أحجار ضخمة في بناء الجزء الغربي من سور القدس والدكة الحجرية التي أقامها (هيردود) حوالي 20 ق.م في موضع يعتقد أنه الموقع المتوارث لهيكل سليمان ومن بعده للحرم القدسي. بل أن هناك من يعتقد أن هذه الأحجار تعود إلى فترة حكم حفيده هيرود أغريما في منتصف القرن الميلادي الأول, فهي بحال من الأحوال مقطوعه الصلة, كأحجار بني بها هذا الحائط, عن عهد سليمان ما تلاه أيضا. وعندما دخل المسلمون إلى بيت المقدس لم يكن به يهودي واحد واشترط أهل (ايليا) في وثيقة استسلامهم للخليفة عمر بن الخطاب الا يقيم فيها أحد من اليهود وكان ذلك تقليدا مرعيا منذ قيام اليهود بمساعدة الفرس في الاستيلاء على المدينة من أيدي البيزنطيين قبل أن يستعيدها الروم مرة أخرى حسب الوعد القرآني الوارد في أول سورة الروم. وتتناسب حقيقة خلو القدس من أي مقدسات لليهود مع وقائع التاريخ التي تؤكد عدم وجود استقرار وامتداد للاقامة اليهودية بالمدينة حتى أن مراكز ثوراتهم كانت دائما في المناطق المحيطة بها مثل الجليل ونابلس وذلك من أجل الاستيلاء على المدينة والدخول إليها. وقد سبق أن ثار نزاع في عام 1930 حول حائط المبكى وتم تشكيل لجنة من عناصر أوروبية مسيحية من قبل عصبة الأمم وقبل اليهود تحكيمها وانتهت هذه اللجنة إلى عدم أحقية اليهود فيما يعرف بحائط المبكى واعتبرته اللجنة من حقوق المسلمين وحدهم مع اجازة ولوج اليهود إليه وفق شروط خاصة وفي مواعيد لا تخل بالسيادة والحقوق الإسلامية فيه. ويعلم الصهاينة بعد نشر نتائج الحفائر الأثرية التي تمت في هذه المنطقة خلف المسجد الأقصى بدءا من عام 1865م أنه توجد دلائل أثرية أقدم عهدا من أحجار هيرود (الادومي) أو حفيده هيرود أغريبا, فعلى أي شئ يبكي اليهود عند الحائط؟! بقلم: د. أحمد السيد محمد/ كاتب مصرى ــ جامعة القاهرة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات