الملف السياسي ـ بقيت منذ آلاف السنين مسرحا للصراع, القدس عبر التاريخ بوابة المنطقة وقبلة المتحاربين

منذ أن سطعت شمس هذه المنطقة اعتبرت مدينة القدس بما حولها لما تكتسبه من جغرافية مجبولة بالقداسة بوابة المنطقة وقبلة للمتحاربين, فما من إمبراطورية بزغ شمسها وكتب لها النجاح دون أن تضع يدها على هذه البقعة, فقد بقيت منذ آلاف السنين والى يومنا هذا مسرحاً للصراع بين الساكنين فيها والوافدين إليها, سكاناً كانوا أم غازين. وقد لا نغالي القول إذا ما اعتبرنا أن هذه البقعة ليس كغيرها من البقاع على وجه الخليقة عامة, فقد شهدت حروباً دامية أكثر بقاع العالم, لا بل تعتبر المكثف الحقيقي للصراعات الكونية عبر التاريخ, كما أنها شكلت بالنسبة لكل الإمبراطوريات القديمة والوسيطة والحديثة عامل استقرارها واستمرارها أو بداية انهيارها وتداعيها ومن ثم سقوطها. وانطلاقاً من هذا الفهم وهذه الرؤية الشمولية لما تمثله هذه المنطقة من أهمية في نظر الساسة قديماً وحديثاً, فقد كانت الشاهد الوحيد على بداية تشكل الإمبراطوريات وملء عامل الزمن أو انسحاقها ووضعها خارج رزنامة التاريخ. ولعل ما تقدم يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن انتشار المدن الفلسطينية من عصر البرونز المبكر, كانت بشكل عام تقع في نقاط استراتيجية, وتسيطر على طرق التجارة الدولية القديمة, ولهذا السبب بالذات فقد أفاق الفراعنة المصريون, على أهمية فلسطين بالنسبة لدولتهم بما في ذلك العقدة الجغرافية التي نسميها هذه الأيام بيت المقدس وما حوله أي الأرض الفلسطينية. فقد غزى القائد أوني, الذي عمل عند الفرعون بيبي الأول, وقام بحملات عسكرية إلى فلسطين في الربع الأخير من الآلف الثالث قبل الميلاد, وهذا الغزو تزامن مع تعاظم قوة الاكاديين في العراق, وتزايد نشاطهم العسكري إلى الغرب من الفرات. ومن الجدير بالذكر, وحسب تقديرات الباحثين, أن الصراع الدائم والمستمر مع الفراعنة في تلك المنطقة قد أضعف السلطة المركزية في مصر, أي على زمن السلالة الثامنة, حتى أصبحت القبائل التي حاربتها تدق أبواب الدلتا, والذين يطلق عليهم الباحثون اسم الهكسوس. لكن من الملفت للنظر وحسب الرقيمات والنقوش والمكتشفات الأثرية, والتي ظهرت فيها إشارات واضحة للكثير من المدن الفلسطينية, مثل عسقلان وحاصور وشيكم وأورشليم (القدس), والتي ورد اسمها لاول مرة منذ أيام السلالة الفرعونية الثانية عشرة. ولم تسلم هذه المنطقة الاستراتيجية من صراع حاد ما بين ملوك كنعان, وتحتمس الثالث عندما تسلم السلطة في مصر واستتب الحكم في مصر في سنة (1447 ق. م), وتجددت الحملات المصرية على فلسطين. وتشير المصادر إلى أن السبب يعود إلى تحرك ملوك كنعان, بقيادة قادش, وكان للملك قادش كما يبدو أطماع توسعية في فلسطين. وتحرك الفرعون سنة 1480 ق.م لترسيخ الحكم المصري فيها, والتقى ملوك كنعان في معركة مجدّو وهزمهم, إلا أنه عاد دون القضاء عليهم. وبعد ذلك جاء دور القبائل الإسرائيلية التي جاءت اثر تراجع الإمبراطوريات الكبرى في المنطقة بسبب صراعاتها, والمترافق مع انهيار الائتلاف الكنعاني, بفعل ضغط أكثر من قوة متحركة على الأرض, ومنهم القبائل الفلسطينية التي برزت على مسرح الأحداث, والتي جاءت عبر البحر الأبيض ونزلت في غرب فلسطين وحاولت التوسع باتجاه الجنوب. وبعيداً عن أساطير التوراة, فقد برز شاؤول ( 1004 ), بعد أن هزم, بالاعتماد على أبناء قبيلته, العمونيين وبعض القبائل الفلسطينية, وعزل المناطق الكنعانية المدنية المستقرة عن بعضها, أقام الوحدة بين القبائل الإسرائيلية, لكن حدود ملكه ظلت مبهمة في كتب التاريخ إلى يومنا هذا. لكن النصر لم يدم طويلاً فقد برز صراع بين شاؤول وداود, فبعد هروب داود من وجه شاؤول الذي عزم على قتله, لجأ إلى ملك جات الفلسطيني, أخيش, وعمل في خدمته حارساً لحدوده من هجمات القبائل المتنقلة في الصحراء, واتخذ مقراً له في الطرف الجنوبي الشرقي من أرض فلسطين. وتقول المصادر أن داود الذي نقل مقره إلى حبرون (الخليل), والذي ساندوه الفلسطينيون, الذين استغلوا الصراع لمصلحتهم, سكتوا عن داود وساندوه في صراعه بشأن ميراث مللك شاؤول, ولم يستفيقوا على الخطر إلا بعد أن وضع يده على أورشليم, وأنهى حكم اليبوسيين الكنعاني فيها. وبعيداً عن رصد تطور الإمارات فبعد موت داود وتسلم سليمان انقسمت المملكة, وبعد موت الثاني بخمس سنوات, جاءت حملة الفرعون الليبي الأصل شيشاك (شيشنق), على فلسطين (نحو 925 ق. م). بموازاة ذلك قام الملك البابلي نبوخذ نصر الثاني وكرس سلطته على بلاد الشام, مشكلاً بذلك إمبراطورية موحدة سياسياً وحضارياً وعرقياً. وعلى العكس من ملوك أشور, الذين اكتفوا من ملوك يهودا بالجزية, فان نبوخذ نصر قضى عليها, وخرب عاصمتها, وسبى أعداداً كبيرة من الطبقة الحاكمة فيها إلى بابل, قاطعاً الطريق على أية أحلام قد تراود سكانها بإعادة بناء مملكة داود. وهنا لسنا بصدد بروز الإمبراطورية الفارسية لكنها لم تغفل مد نفوذها إلى فلسطين ومصر, بعد أن قضت على بابل, وأصبحت الوارثة الحقيقية لأشور, وأعادت تحت عنوان التسامح الديني مرة ثانية من خلال جيش قورش الفارسي اليهود إلى القدس, كخدم ومرفهين وعيون للتجسس وتأمين هذه البقعة الاستراتيجية والسيطرة عليها. وقد أولى ملوك فارس أهمية كبيرة لجنوب فلسطين, كخط دفاع, بما في ذلك مقاطعة يهودا, متضمنة القدس. حتى أن هذه البقعة ورغم الأطماع اليونانية الواسعة التي حملها معه الاسكندر المقدوني للشرق عامة, إلا أن السيطرة على فلسطين كانت بالنسبة له حجر الزاوية لاستقرار ملكه في هذه المنطقة, وشهدت العديد من الصراعات بين الأمراء اليونان أنفسهم, أدعياء ميراث الاسكندر, ووقعت فلسطين بالبؤرة فكانت مسرحاً للمعارك والحملات المضادة, الأمر الذي ألحق بها وبسكانها ضرراً كبيراً. وفلسطين كمنطقة حدودية بالنسبة إلى المقاطعات الثلاث التي تشكلت فيما بين الورثة بعد موت الاسكندر, انتقلت مرات عدة من يد إلى أخرى. ولم تستقر نسبياً إلا على يد بطليموس الأول, ملك مصر في سنة (301 ق. م ), ثم انتقلت بعد صراع إلى يد سلوقس الذي نازع حليفه عليها وبقيت في يد السلوقيين المسيطرين على سوريا باعتبارها جنوب بلاد الشام وتمتاز بمزايا استراتيجية واقتصادية, وقد سميت الحروب التي نشبت في ذلك العصر مع بطليموس بالحروب السورية, إلى حين الاحتلال الروماني سنة 63 ق. م. ومن الملفت حقاً أنه رغم احتلال بومبي الروماني سنة (65ق. م) لدمشق, لم يهنأ للرومان بال إلا باحتلال فلسطين وخاصة القدس منها ففي سنة 63ق. م أرسل حملة إلى أورشليم بعد أن عدل عن مهاجمة الأنباط, باعتبار أن السيطرة على القدس ومحيطها تؤدي بالضرورة للسيطرة على المحيط الجغرافي الأوسع. ولعل ولادة عيسى المسيح الناصري سنة 4 ق. م, أعطت فلسطين والقدس علاوة على مكانتها الجغرافية والدينية السابقة بعداً دينياً إضافياً. وقد كانت فيما بعد القدس محطاً للنزاع بين الولاة الرومان خاصة بعد أن اعتنق قسطنطين الديانة المسيحية واعتبرت الأيديولوجية التي تتكئ عليها روما في مجمل علاقاتها السياسية والإدارية والدينية. وأصبحت بعد بناء كنيسة القيامة وكنيسة الصعود في القدس مركزاً ذا أهمية قصوى علاوة عن ما كان عليه في السابق. وهنا لا بد من التنويه إلى حقيقة قد تكون غاية بالأهمية, أن علاقة العرب بفلسطين قديمة قدم التاريخ. فقد ورد في النقوش البابلية من أيام نارام سين الاكادي, الذي يذكر أنه غزا فلسطين, وحارب قبائل عربية في جنوبها, نحو سنة 2250 ق. م. والأكيد أن الوعي العربي للذات تشكل عبر قرون طويلة, تحت حكم الإمبراطوريات الكبرى التي قامت في الشرق الأدنى القديم. وهذا الوعي الذاتي بالانتماء تبلور مع ظهور الإسلام وانتشاره, إذ تميز العرب, كحملة لواء الإسلام والدعوة إليه, عن غيرهم من الشعوب التي دخلت فيه عبر الفتوحات. وكان الفتح, تتويجاً لمسار طويل من الهجرات القديمة جداً, والتي صارت تعرف باسم الهجرات السامية, وأن معظم الوثائق التاريخية تشير, إلى أن الممالك العربية القوية الثلاث البتراء وتدمر والجابية عاصمة بني غسان في الجولان كانت لها علاقة قوية بفلسطين. وحتى الفتح الإسلامي كان يرى أنه لا بد من فتح فلسطين بالدرجة الأولى والسيطرة على بيت المقدس كمقدمة لكنس البيزنطيين. فقد بقيت الحرب دائرة زهاء أربع سنوات من عام (633 حتى 638 ), وحسمت في عام 637 م, بعد حصار طويل للقدس, حيث هرب القائد البيزنطي منها, فبقيت تحت سلطة البطريرك سفروبيوس, الذي اشترط تسليم المدينة المقدسة إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب, الذي كان قد وصل إلى الجابية للقاء القادة هناك, وتنظيم الاراضي التي وقعت في أيديهم, ودراسة خطط المستقبل حيث عقد الخليفة عمر مع البطريرك صلحاً سلمت بموجبه المدينة للخليفة. وكتب عمر عهداً للمسيحيين من سكانها آمنهم به على أرواحهم وأموالهم وكنائسهم, لقاء الجزية والولاء لدولة الاسلام. وتؤكد المصادر أن عمر حظر على اليهود الاقامة في القدس بين المسيحيين تحت طائلة العقاب الجسدي والمادي. لكن القدس لم تسقط من العقل الصليبي الغربي, فقد بقوا يلهبون المشاعر الدينية لدى الشعوب الأوروبية, باتجاه القدس لقبول فكرة الحروب الصليبية والانطلاق لتجسيدها على الأرض. وسقطت حصون الدولة الفاطمية أمام الحملة الصليبية التي اتبعت الخط الساحلي ودخلت إلى صور وعكا ومن ثم القدس, التي تمنعت عليهم, فحاصروها من 7 يونيو إلى 15 يوليو 1099 م. وسقطت القدس حيث قاموا بمذبحة رهيبة بالسكان المحليين, الذي يقدر عددهم ما بين 20 إلى 30 ألف شخص. وبعد تأسيس مملكة أورشليم اللاتينية, توجه قادتها إلى استكمال احتلال ساحل البلاد وداخلها. لكن لم يستقر الوضع لمملكة أورشليم اللاتينية, فقد ولدت ردود الفعل الإسلامية حالة من النهوض في الموصل, شجع عليها عدد من الانتصارات التي حققها حكام المقاطعات ضد إمارات الشمال الإفرنجية, وكذلك الصراع بين هذه الإمارات وبيزنطة. وبدأت حركة (1113م) لتوحيد الإمارات الإسلامية في العراق وسوريا, من أجل عمل مشترك ضد الفرنجة. حيث وصلت هذه الحركة ذروتها أيام عماد الدين زنكي, الذي برز ( 1146م), واستطاع فرض سلطته على حكام المقاطعات في العراق وسوريا, ماعدا دمشق التي, تشبث حاكمها باستقلاله فظل موضوعاً في الخندق المعادي لعماد الدين, وبالتالي إلى جانب الصليبيين. ولعل عماد الدين فتح مرحلة جديدة من الاشتباك مع الإفرنجة امتدت إلى ابنه ووصلت إلى صلاح الدين الأيوبي وصولاً إلى المماليك, الذين على أيديهم تمت تصفية مملكة أورشليم اللاتينية في مدينة عكا. وكانت قبل ذلك معركة حطين الفاصلة في عام 1187م حيث ألحق بهم هزيمة ساحقة وأخذ الكثير من أمرائهم, بمن فيهم ملك أورشليم, وبذلك سقطت المدن والحصون والقلاع في يديه بدون مقاومة بما فيها القدس. ومن الجدير ذكره أنه في ظل العصرين الأيوبي والمملوكي, بقيت فلسطين وبيت المقدس ساحة حشد ضد التحدي الخارجي الذي بقي متربصاً لهذه البقعة المقدسة من العالم الإسلامي, رغم كل السلبيات التي سادت في نهاية العصر المملوكي. ومن الملاحظ أن هذه المنطقة لم تشهد استقراراً إلا بالوجود العثماني الذي دام من 1516 إلى 1916م, سوى محاولة نابليون الفاشلة في عام ,1799 وانتهت عند أسوار عكا. لكن الاستيطان اليهودي تسلل مرة أخرى, إلى جنوب غرب القدس بجبل صهيون, الذي يحج إليه اليهود لاعتقادهم أن الملك داود دفن هناك في نهاية القرن التاسع عشر. وبدأت الهجرة الصهيونية الأولى تحت أسم يبيلو. وفي سنة 1882 أسس المهاجرون ثلاث مستعمرات هي ريشون ليتسيون, وروش بينا, وهمعلا. انتظاراً للوصاية البريطانية ووعد بلفور, والتقسيمات التي أحدثها سايكس بيكو, حتى كانت عام النكسة 1948م, وحصل ما حصل حتى بدت الفصول تتوالى تباعاً مذابح وحروب وانكسارات, وانتفاضات. بقلم: عبد الكريم محمد/ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق

طباعة Email
تعليقات

تعليقات