تتكشف تباعا تفاصيل تبين إلى أي مدى أثرى رجل صربيا القوي السابق مجرم الحرب سلوبودان ميلوسيفيتش وأفراد حاشيته على حساب بلادهم خلال العقد الماضي. ويقول الخبير الاقتصادي دراجان فوسينيتش ان الرئيس الصربي السابق ورئيس يوغسلافيا المخلوع, ميلوسيفيتش الذي مارس الدكتاتورية لسنوات سمح لاتباعه بشراء شقق كبيرة في وسط العاصمة بلجراد بسعر يقل عن ألف دولار بكثير للشقة الواحدة. وتم نهب ملايين الدولارات من أموال الدولة في إطار عمليات خصخصة وهمية لعقارات وشركات حكومية. ونشرت صحيفة ريبورتر الصادرة في بانيا لوكا مؤخرا قائمة بأسماء أولئك الذين تلقوا سيارات طراز مرسيدس وبيجو وأودي وميتسوبيشي وغيرها من الدولة. وتبدو القائمة كما لو كانت سجلا بالشخصيات البارزة على المسرح السياسي الصربي في عهد ميلوسيفيتش وعلى رأسهم أفراد عائلته. فقد أثرى أعضاء النخبة السياسية عن طريق شراء منازل فاخرة بأسعار تقل بكثير عن قيمتها الحقيقية. ويقول السياسي المعارض ملاديان دينكيتش في كتابه (اقتصاد الخراب), ان أسوأ جرائم تلك الحقبة لا تتمثل في تحويل أموال الدولة ولكن في سرقة الثروات الخاصة. وبدأ هذا عام 1989-1990 بتأسيس (الرابطة الوطنية لنهضة صربيا). فقد تبرع مواطنو يوغسلافيا بنحو 100 مليون دولار بالعملة الصعبة والدينار للرابطة, ليصل جانب كبير من هذا المبلغ إلى جيوب أعضاء النخبة السياسية. وكانت الخطوة التالية هي تجميد كافة المدخرات بالعملة الصعبة في بداية عام 1991 مما أتاح للدولة مصادرة نحو أربعة مليارات دولار. ويقول دينكيتش ان القادة تمكنوا من تحويل نحو ثلثي هذا المبلغ من خلال سياسات الدولة المتعلقة بالتضخم, وأغرق البنك الوطني السوق بالدينار وقام, من خلال شبكة محكمة من الوسطاء, بشراء العملة الاجنبية بأسعار رخيصة من السوق السوداء غير القانونية ولكن تغض الحكومة الطرف عن عملها. وتم نقل ذلك المبلغ, الذي سرق في الحقيقة من جيوب المواطنين, بواسطة الحقيبة الدبلوماسية إلى لارناكا بقبرص حيث كان الفرع المحلي لبنك بيوجرادسكا بانكا, سايبروس أوفشور بانكينج يونيت, محورا لعملية غسيل أموال ضخمة. ويقال ان الاكياس التي وضعت فيها تلك الاموال بدت كما لو كانت أجولة أسمنت وبلغ إجمالي المبلغ 15 مليون دولار. وبعد فرض العقوبات على يوغسلافيا, تم نقل الشحنة الثمينة إلى تيميسفار برومانيا ومن هناك وجدت طريقها عائدة إلى قبرص أو إسرائيل أو اليونان. من ناحية أخرى أغرى بنكان من البنوك الخاصة, هما يوجوسكانديك برئاسة يزديمير فاسيليفيتش وبنك دافيمنت بانكا برئاسة دافينا ميلانوفيتش, المواطنين باستثمار مدخراتهم في البنكين بأسعار فائدة شهرية تصل إلى 18 في المئة. وكان البنكان قد حصلا على تراخيص مزاولة النشاط في زمن قياسي رغم ان رئيس أحدهما لم تكن لديه أي خبرة على الاطلاق في مجال العمل المصرفي وكان رئيس الثاني مجرما مدانا. وفي النهاية بلغ مجموع الاموال التي جمعها البنكان من المواطنين, الذين اضطر بعضهم لبيع ممتلكاتهم لاستثمار ثمنها مع البنكين, نحو 600 مليار دولار. ويتفق محللو النظام المصرفي اليوغسلافي الان على ان جانبا كبيرا من المبلغ وجد أيضا طريقه إلى جيوب النخبة السياسية, ولكن إثبات وجود حسابات مصرفية خارجية سيكون أمرا صعبا حيث أنها مفتوحة بموجب توكيلات تخفي وراءها توكيلات أخرى في دول مختلفة. ولم يكتف ميلوسيفيتش بذلك بل عين أنصاره في مناصب رفيعة بكبرى الشركات تم نهبها. وجمع أعوان آخرون لميلوسيفيتش ثروات طائلة من خلال منحهم سلطات احتكار في استيراد النفط الخام والبنزين والسجائر والادوية والحبوب وغيرها من السلع الاساسية الشحيحة. وثمة دليل آخر على كيفية تحقيق قلة من الناس الثراء على حساب الاغلبية, هو مشروع كرني فره (القمة السوداء) على جبال هومولوي على الحدود الرومانية شرقي صربيا. ففي تلك المنطقة, بنت كوادر الحزب الحاكم في بلجراد خلال الاعوام الخمسة الماضية منتجعا فاخرا يضم منحدرات للتزلج ومهابط لطائرات الهليكوبتر وطرقا وسط الجبال للربط بين وحداته السكنية. وذكرت صحيفة بليتش الصادرة في بلجراد ان المنتجع المجاور للبحيرة تكلف بناؤه, وفقا لتقديرات غير مؤكدة, 100 مليون دولار في وقت كانت تعاني فيه صربيا نقصا في كل شيء - الخبز, الادوية, والكهرباء. د.ب.ا