برعت الآلة الدعائية الصهيونية لعقود طويلة في تصوير ما يربطها بالنازية على أنه علاقة عدائية, بينما أكدت الحقائق الدامغة, والوقائع التاريخية الثابتة أن علاقة النازية بالصهيونية أقرب ما تكون الى تطابق الصوت مع صداه! وأن عناصر التماثل بينهما يجعل الصهيونية بمثابة التوأم للنازية. المثير أن تلك العلاقة ليست فقط ذات جذور عميقة, لكنها أيضا ذات فروع باسقة, أنضجت الكثير من الثمار المرة التي عانى من علقمها البشر في بقاع عديدة, واذا كان العرب بشكل عام والفلسطينيون على وجه أخص أكثر من تجرعوا تلك المرارة, فإن ضحايا آخرين في الغرب وفي ألمانيا تحديدا دفعوا ثمن تزوير التاريخ والارهاب الصهيوني الذي تعددت صوره وأشكاله. العودة للجذور ولعل اهتمام الباحثين برصد العلاقة بين الصهيونية وآبائها الأوائل بكل من بريطانيا والولايات المتحدة, كان العامل الأساسي وراء حجب طبيعة العلاقات التاريخية الوطيدة التي جمعت بين اليهود عموما والصهاينة بدرجة أعمق والمانيا قبل وبعد و أثناء التجربة النازية على المستوى الايديولوجي والتطبيقي لفترة تتجاوز القرن ونصف القرن. ففي الفترة بين عامي 1835 و1839 نشر ضابط بالحرس الملكي الروسي سلسلة من الدراسات بعنوان (المانيا وفلسطين) دعا فيها لانشاء (مملكة القدس) على أن يتولى عرشها أمير الماني يتعهد ببعث القيم الصليبية من جديد, ويشجع اليهود على الاستيطان في المملكة متهما المسلمين بالتعصب الأعمى. وفي عام 1842 افتتحت روسيا قنصليتها في القدس, ومنحت الحماية لكل من طلبها من اليهود, حتى أولئك الذين ليسوا من أصل ألماني, أو كانت اقامتهم غير شرعية, وبعد عشرين عاما أخرى نشر اليهودي الألماني موسى هس كتابه (روما والقدس) دعا فيه لاحياء الكيان اليهودي, وقبل نهاية ستينيات القرن الـ19 بدأ الألمان في انشاء مستعمراتهم بفلسطين, تحت اشراف جمعية (الهيكل الألمانية) وأقام سكان تلك المستعمرات علاقات وثيقة مع سكان المستوطنات اليهودية, بل أن المستشار الألماني بسمارك تبنى بوضوح الاستيطان اليهودي في فلسطين في هذا الوقت المبكر! في هذا السياق, كان من الطبيعي أن يتجه هرتزل الى المانيا كأول دولة يطلب منها الصهاينة المساعدة في اقامة الكيان الصهيوني, وأرسل عام 1896 نسخة من كتابه (الدولة اليهودية) الى بسمارك, ثم حاول مرارا مقابلة القيصر ليقترح عليه انشاء محمية المانية يهودية في فلسطين, ثم حاول توسيطه لدى السلطان العثماني للسماح لليهود بالاستيطان في فلسطين. وحين اشتعلت نار الحرب العالمية الأولى استمرت الاتصالات بين الصهاينة والحكومة الألمانية, وكان ثمرتها النجاح في تأمين الحماية اللازمة للمستوطنين اليهود في فلسطين عبر النفوذ الألماني في الدولة العثمانية. لعل مبادرة هرتزل المبكرة المتمثلة فيما طرحه من أفكار في كتابه (الدولة اليهودية) تؤكد على سبقه لهتلر في تبني الصهيونية كأيديولوجية انعزالية لفكرة الربط بني الأرض أو التراب والدم, وأن الأمر ليس مجرد توحد مع النازية, أو اقتفاء لآثارها. وخلال الفترة ذاتها أكد الزعيم الصهيوني الألماني كورت بلو منفيلد على أهمية التعاون الصهيوني/ الألماني بقوله (يشكل اليهود حلقة الوصل الطبيعية بين ألمانيا والشرق, وبناء على ذلك فإن المستوطنين اليهود في فلسطين سوف يشكلون معقلا للنفوذ الألماني في ذلك الجزء من العالم). وازاء الفشل في احراز نصر حاسم وسريع على جبهات القتال, تزايد الاهتمام الألماني إبان الحرب الأولى بالحركة الصهيونية, خاصة منذ أوائل عام ,1916 وهو الأمر الذي لاقى تجاوبا من الطرف الآخر, ولم ينتقل مركز ثقل النشاط الصهيوني بعيدا عن المانيا باتجاه بريطانيا إلا بعد تحول الانتصارات الالمانية الى هزائم متوالية! وبعد الحرب الأولى استطاعت العناصر الصهيونية المتطرفة أن تعقد مع الحكومة الألمانية (شبه تحالف) لاتاحة فرصة توطين اليهود في فلسطين, مع الوعد بجني مكاسب سياسية واقتصادية حال قيام الدولة اليهودية, واللافت للانتباه أن ولاء اليهود الألمان لجمهورية (فيمار) التي تأسست عام 1919 كان قويا, وهي الجمهورية التي انتهت باستيلاء النازي على السلطة عام 1933 وبدء صفحة جديدة في العلاقة بين الصهاينة والنظام الهتلري. لقاء مع نيتشه! على هذه الأرضية التاريخية كان اللقاء الايديولوجي بين النازية والصهيونية, ووظف المنظرون النازيون والصهاينة أطروحات المفكرين من أمثال نيتشه, وترتشك وغيرهما, فكان ناتج الفكر النازي والفكر الصهيوني على السواء تفكير عنصري متطرف, انتصر لتيار النقاء العنصري, والتمييز بين الشعوب على أساس الأصل العرقي, بدلا من الانحياز للتيار الآخر الذي آمن بالأخوة الانسانية, رغم أن مقولة النقاء العنصري متهافتة علميا وموضوعيا. والى حد بعيد كان لارتواء الصهيونية حتى الثمالة من أثداء الفلسفة الألمانية التي تقدس روح الشعب, وحقوقه المطلقة, وتؤكد على فكرة علاقة التراب أو الأرض بالدم عضويا في توليفة أسطورية لا تخلو من جاذبية! آثاره العميقة على أساسات البناء الأيديولوجي للصهيونية, لاسيما وأن الآباء الأوائل للصهيونية وعلى رأسهم هرتزل كانت ثقافتهم في الأصل المانية, ولا يخفون اعجابهم بالنموذج الألماني, وكان ذلك الأمر جليا في كتابات هرتزل وأخرين وامتد الأمر ليشمل القصور المبدئي للدولة الصهيونية, وعلاقاتها بألمانيا كما سبقت الاشارة لبعض الارهاصات الى الحد الذي أدى ببعض المستوطنين الى الدعوة لأن تكون (الالمانية) هي اللغة الرسمية للدولة الصهيونية, بدلا من العبرية, وهكذا كان الحال في المؤتمرات الصهيونية الأولى. وبشكل عام, فإن الصهاينة الألمان كانوا أصحاب البصمة الأساسية في صياغة أيديولوجية المنظمة الصهيونية العالمية, قبل عام ,1914 ثم في تنقيحها فيما بعد خلال عشرينيات القرن العشرين. التعاون مع هتلر لم يكن من الغريب في اطار هذه المعطيات التاريخية والايديولوجية أن تنشأ تحت رايات الحكم النازي بقيادة هتلر رغم قوله (إن الله لايمكن أن يختار شعبين)! علاقات تعاون وطيدة بين الصهاينة والنازيين, وهو الأمر الذي لم يعد سرا, رغم كل محاولات الدعاية الصهيونية لنفي ذلك, بل ومحاولة اثبات العكس! كان اللقاء الأول بين العنصريين الصهاينة والنازيين يتمثل في الاتفاق المبدئي على أن الحل النهائي لمشكلة اليهود في المانيا إنما يقوم على حتمية التهجير, واعادة توطين اليهود في فلسطين, وكما التقت الصهيونية عبر عقيدة (شعب الله المختار) بالنازية من خلال زعمها بقصيدة (الشعب الآري المتفوق) ثم بنزوع كلتاهما للاستعمار والتوسع والهيمنة والسيطرة على الشعوب وابادتها, فقد اتفق الصهاينة الألمان مع الايديولوجية النازية على أن اليهود لم يكونوا قط من الشعب الألماني, وأنهم لذلك لا ينتمون لتراب ألمانيا, وكان ذلك الاتفاق غير المكتوب الباب الواسع أمام اتفاقية مكتوبة وموقعة بين الطرفين. وبالفعل تم توقيع اتفاقية (الهعفراة) عام 1933 والتي عرفت بـ ( اتفاقية التحويل) بين حكومة النازي وزعماء الصهيونية العالمية بهدف ترحيل نحو 4 ملايين يهودي من وسط أوروبا الى فلسطين, مقابل مزايا اقتصادية من قبيل سعي الجاليات اليهودية في جميع أنحاء العالم, لترويج الصادرات الألمانية, وكانت (الهعفراة) عمليا دليلا قاطعا على مدى العمق الذي وصل اليه التعاون بين النازيين والصهاينة, وضمنت الاتفاقية التدريب العسكري للشباب اليهودي في معسكرات النازي, قبل تهجيرهم لضمان جاهزيتهم للانخراط في صفوف العصابات الارهابية, ثم جيش الكيان الصهيوني. من ثم فإن الصهاينة لم يعتبروا وصول هتلر لسدة الحكم كارثة, بقدر ما اعتبروا الأمر فرصة تاريخية لتحقيق الأهداف الصهيونية العليا. وبالفعل سعى الاتحاد الصهيوني في المانيا بدعم المنظمة الصهيونية العالمية للحصول على حماية هتلر مرارا وتكرارا, بعد عام ,1933 استنادا الى أن التشابه الايديولوجي بين النموذجين أو التجربتين يمكن أن يحفز النازيين لتأييد الصهاينة. وقد أشار الحاخام يواخيم برنتس بعد مغادرته لبرلين عام 1937 عن تجاربه في المانيا الى أن (الصهيونية في سبيل اهدافها العملية في أن تكون قادرة على كسب التعاون حتى مع حكومة معادية في الأساس لليهود, لأنه عند التعامل مع المسألة اليهودية, فإن العواطف لا تتدخل, وإنما المشكلة الواقعة التي يهم كل الشعوب حلها, وفي اللحظة الراهنة, فانها تهم الشعب الألماني خاصة)! وثبت تاريخيا أن النازيين أقاموا في كل جيتو يهودي مجلسا معظم أعضائه من الصهاينة المفضلين عند النازي على كل اليهود الآخرين! والذين تعاونوا بدورهم مع الحكم النازي, الى حد اعداد قوائم اليهود الذين تم القضاء عليهم, أما لمعارضتهم لأهداف الصهاينة, أو عدم قبولهم الهجرة لفلسطين, أو لمجرد كونهم يمثلونا أحمال زائدة عن حاجة الكيان الصهيوني الذي كان يتم حينئذ السعي الحثيث لاقامته! ولعل تصفية بعض الصهاينة الذين لعبوا دورا مهما خلال هذه المرحلة وأبرزهم ايخمان كانت بمثابة محاولة لاسدال الستار على فضائح تعاون النازي مع الصهاينة في ابادة اليهود عبر عملية مقايضة لا انسانية, باستخدام أقل الأوصاف تهذبا. إذ انحصرت الأولوية الصهيونية في تحقيق (الوطن القومي ) لانقاذ اليهود, تحت شعار (شاة واحدة في أرض اسرائيل تساوي مجتمعا بأكمله في المهجر)! أو كما عبر بن جوريون عن ذلك بقوله (لو أنني عرفت أنه من الممكن انقاذ كل الأطفال اليهود في المانيا باحضارهم الى انجلترا, أو انقاذ نصفهم فقط بنقلهم الى أرض اسرائيل لكنت قد اخترت البديل الثاني)! ثبت كذلك أن العديد من التنظيمات الارهابية كـ(الهاجاناة) و(الارجون) و(شتيرن) وغيرها قد سعت للتحالف مع النازي برعاية الجستابو ضد الامبريالية البريطانية لدعم حكومة الرايخ خلال الحرب العالمية الثانية, وقبل أن تتأكد هزيمة المانيا, مقابل تنشيط تهجير اليهود القادرين على القتال, والعمل في المستوطنات, أو دفع هؤلاء للهجرة, وكانت حملات الابادة من وجهة نظر قادة التنظيمات الارهابية آلية فعالة لتحقيق الهدف المنشود! وبالتوازي فإن النازيين لم يخفوا اعجابهم بالجهود الصهيونية في فلسطين! عنف وارهاب وقد أشار المؤرخ أرنولد توينبي الى أنه اذا كان النازيون قد هبطوا الى أحط درك بالظلم الذي أنزلوه باليهود, إلا أن انحطاطهم لم يبلغ ما بلغه انحطاط الصهيونيين من اليهود, إذ كان رد الفعل المباشر لاضطهاد اليهود تحولهم الى مضطهدين (بكسر الهاء) لشعب أضعف منهم, رغم أنه لم يسئ اليهم).. وربما كان توينبي لطيفا أكثر من اللازم في وصفه للعنف الدموي الذي كان جوهر استراتيجية الارهاب الصهيوني التي تأثرت كذلك بالتيار النازي في ايمانه بأفكار نيتشه الذي كان يرى أن (الشر هو كل ما يصور عن الضعف.. وأن الضعفاء العجزة يجب أن يفنوا)! وترجم جابوتنسكي ايمان الحركة الصهيونية بالعنف الى مؤسسات ارهابية, وأكمل بن جوريون المشوار مؤكدا أن (الوضع في فلسطين لايمكن أن يسوي إلا بالقوة العسكرية, وأن اسرائيل لايمكن أن تعيش إلا بالقوة والسلاح). واعترف بن جوريون أن بيجين (ينتمي دون شك الى النمط الهتلري, فهو عنصري على استعداد لابادة كل العرب, لتحقيق حلمه بتوحيد اسرائيل). وعموما فقد كانت السمة الأساسية للاستراتيجية العسكرية الصهيونية هي الاستناد الى خط رئيسي يتمحور مفهوم التوسع الاقليمي (فكرة المجال الحيوي) وضم الأراضي العربية على مراحل عبر سياسة الأمر الواقع, وهو ما يعرف باستراتيجية الخرشوفة, التي طبقها هتلر, وبرعت في تنفيذها الآلة العسكرية الألمانية النازية في احتلال أوروبا, في اطار الحجج المزعومة بتطبيق نظرية المجال الحيوي على الأرض, كما أشار هتلر في كتابه (كفاحي) وهي حجج شأنها شأن النظرية العنصرية مزيج غريب وغير أخلاقي من العاطفة الفجة والعلم الرديء! على صعيد التشابه في مجال الممارسة أيضا فقد ربطت التجربتان بين العرق والاستيطان الزراعي, فالنازيون ربطوا بين العرق والاستيطان الزراعي تحت شعار الدم والتراب الذي يعبر عن الكيان بقدسية الأرض, وعلى الجانب الآخر ظل الاستيطان الزراعي الشعار المقدس للصهيونية. وبالنسبة لمجالي التعليم والعمل, فقد قصرتهما التجربة النازية كحق للألمان فقط, بينما مارس الصهاينة تهويد العمل, وتقنين احتلال الأرض من أيدي العرب بزعم أن الارض ملك لمن يفلحها, كما فرض الصهاينة أيضا التمييز العنصري في مجال التعليم. واذا كانت الدعاية الصهيونية قد مزجت بين ثلاثة أساليب أو أنماط: الروسي, والأمريكي والنازي, فإن جوهر الفلسفة الدعائية الصهيونية كان يستند ولا يزال الى النظرية الهتلرية التي صاغها جوبلز, وهي على نحو ما امتداد لكثير من أفكار فرويد من ناحية, كما تتبنى عدة تكنيكات غير أخلاقية عمادها (الكذب الذي يصعب اكتشافه). و(المبالغة في الوقائع), و(عرض الرأي على أنه حقيقة) و(استخدام مفاهيم على أنها واضحة, بينما هي مثار جدل) و(الارتباط المزيف) و(غريزة القطيع).. الخ.. إن وصف الصهيونية بأنها الوجه الآخر للنازية في الأفكار والممارسات, بعد أن جمعتهما علاقات تاريخية ممتدة, وخلفية فلسفية مشتركة, ومصالح وأهداف متقاربة ليس من قبيل المبالغة بأي حال إذ أن أوجه التشابه, وربما التماثل بين العقيدة الصهيونية, والفكر النازي ثابتة بالوقائع الدامغة التي تجعل من الصهيونية والنازية وجهان لنفس العملة الرديئة: العنصرية, أبشع افرازات المجتمع الأروبي في القرن الماضي, والذي مازالت البشرية بعد ولوج القرن الـ21 خاصة على أرض فلسطين العربية تدفع ثمنها باهظا حتى اليوم, طالما استمر الزواج الباطل بين الميثولوجيا, والجيو بولتيكا, والايديولوجيا, والاثنولوجيا لينتج مولودا مسخا لا يكف عن المطالبة في ممارسة حق وحشي في السيطرة على (الآخر) بل وإفنائه!! بقلم: علاء عبدالوهاب _ كاتب مصري