ليس غريبا أن تنشأ الصهيونية العنصرية في رحاب الدائرة الحضارية الغربية الأوروبية. فهذه الرحاب هي التي أفرزت الامبريالية والنفعية الداروينية والنازية, إلى جانب الفكر الصهيوني في حقبة تاريخية واحدة. ولنا علاوة على ذلك أن نلاحظ الأصول الألمانية الراسخة للزعماء الصهاينة الذين صاغوا الأطروحات العنصرية للحركة الصهيونية؟ فكلمن تيودور هرتزل وماكس نوردو وألفريد نوميج وأوتودور بورج. كانوا إما من ألمانيا أو من النمسا يكتبون بالألمانية ويتحدثون بها. ويكنون تقديرا للتقاليد السلافية وأنماط التميز التي تكتنف الفكر الألماني . وقد لايعرف الكثيرون أن هرتزل قد غير اسمه من بنيامين إلى تيودور حتى يؤمن نفسه. كما أن اليديشية رطانة ألمانية.وكانت لغة المؤتمرات الصهيونية الأولى وهي الألمانية. وكان قيصر ألمانيا هو أول من خاطبته الصهيونية لتبني مشروعها السياسي. وهكذا لا يصعب تفسير التماثل الفكري بين النازية والصهيونية, كونهما ينحدران من أرومة مذهبية واحدة. وقد كان موسى هس الممثل الأول للصهيونية العنصرية, قبل هرتزل بكثير, من يهود ألمانيا. وهو الذي بكر في التأثر بالفكر العنصري الأوروبي الألماني, عندما نشر كتابه (روما والقدس) عام ,1862 الذي ضمنه رؤاه العرقية العنصرية. فقد جاء هذا الكتاب صدى لأبرز مفاهيم العرقية العنصرية الأوروبية الألمانية التي تضمنها كتاب جوبينو, الصادر عام 1853 تحت عنوان صريح في تعبيراته العنصرية (مقال في عدم المساواة بين الأجناس)! كان هس أول من أخذ المذهب العنصري الجديد في هذا الكتاب الأخير مأخذ الجد. ثم تبعه العنصريون الألمان لاحقا. وبذلك تبدو الصهيونية أسبق على صعيد الحركة من النازية, وإن كانا من منبع فكري واحد. وأثناء محاكمات نورمبرج, كان الزعماء النازيون يؤكدون واحدا تلو الآخر, أن الموقف النازي من اليهود تمت صياغته من خلال الأوليات الصهيونية, وخصوصا كتابات مارتن بوبر عن جذور الدم اليهودي. في كتابه, ينقل هس عبارات القوميين الألمان الشوفينيين ويسقطها على اليهود و(القومية اليهودية المزعومة لديه) فيتحدث عن المقدرة والعبقرية اليهودية تضيء في قلوب شبابه الروح التي هي منبع الحكمة والوحي.., وعن (هذا الشعب الذي يجب أن يحافظ على مستواه عاليا لأن النواة الحية الملهمة موجودة فيه وجود الحياة في حبة القمح..). كأن الفكر العنصري الصهيوني والنازي تغذيا على بعضهما البعض, برغم أن السبق التطبيقي يسجل للصهيونية. هذا عن وحدة المصدر, فماذا عن التماثل الفكري بين هاتين العنصريتين؟ تبدو تجليات الأفكار المشتركة بين العنصريتين في إيمانهما بكل من : ــ القومية العضوية العرقية والتأكيد على روابط الدم والتراب, الأمر الذي يفضي إلى استبعاد أو حتى استعباد الشعوب الأخرى, باعتبارها الشعوب المنبوذة عضويا. ــ النظريات العرقية, فالنازية لا ترى غير الألمان شعبا مختارا, يتعين أن يسود الشعوب الأخرى وفقا لتراتب وظيفي تحدده خصائص الدم واللون والجنس, والصهيونية تكاد تحاكي هذه النظرية بكل دقة. فهي تعتبر أنه ليس هناك شعب غير الشعب اليهودي له دين يربط قومية الدم بالتاريخ بالطبيعة المقدسة. فهم إذن شعب الله المختار. وترى أيضا أن التاريخ الإنساني مقدس من خلال اليهودية فقط. هذا التشابه يفسر العداء النازي للصهيونية, فعندما سئل هتلر عن سبب كراهيته لليهود, أجاب (لا يمكن أن يكون هناك شعبان مختاران. ونحن وحدنا شعب الله المختار) إنها العنصرية التي تطرد ضدها. قدسية الدولة, ومؤدى ذلك أن العنصريتين النازية والصهيونية وضعا الدولة كمرجعية وحيدة لوجودهما العنصري. فطالما أن العرق الألماني (الجرماني السلافي) والعرق اليهودي يخطيان لديهما بالتفوق والتمايز, فلابد من أن ينضوي أبنائهما, المنتمين للأرومة الألمانية واليهودية, تحت دولتيهما المتميزتين بدورهما, وفي الفكر الصهيوني تعد الدولة اليهودية الحالية استمرارا للمملكة العبرانية القديمة, وهي التي من خلالها فقط يتم التعبير عن الإرادة اليهودية, ولأن هذا الفكر يؤمن بوحدانية (الشعب اليهودي ) في كل مكان, إنطلاقا من النظرية العرقية, فإن الدولة الصهيونية تعتبر أنها صاحبة اختصاص عالمي فيما يتعلق بقضايا أبناء هذا الشعب. وأنه لا معني لصيانة حقوق اليهود بالكامل بعيدا عن هذه الدولة. ومن المعروف أن النازية إتجهت إلى توحيد الشعب الألماني بالمنطق ذاته. ولا يعتقد الصهاينة أو النازيون أن الجنس الأري أو اليهودي يمكنه أن ينشأ سيدا بعيدا عن موطنه الخاص. فكل جنس يبحث عن تكوين دولته لأنه لا يشعر بالراحة إلا في ظل دولته الخاصة. وتلتقي العقيدتان الصهيونية والنازية على أن الأريين أو اليهود لاينتمون إلى الأوطان التي يقسمون فيها وإنما إلى الوطن القومي الأم. وهذا الزعم هو الذي يبرر لدى الصهيونية إستخدام مصطلح يهود الدياسبورا أو المنفي أو المجهر بالنسبة لغير المقيمين من اليهود في الوطن (الدولة اليهودية). وبالمثل فإن النازيين آمنوا بوجود دياسبورا ألمانية تربطها روابط عضوية بالأرض الألمانية (أوسلاندويتسن). وأعضاء هذه الدياسبورا ينبغي أن يعملوا من أجل الوطن الألماني ويدينون له. وقد شجعت النازية هذه الدياسبورا على دراسة الحضارة واللغة الألمانيتين. تماما هي الحال مع الصهيونية. وكان للنازية ما يشبه المنطمة النازية العالمية مثل المنظمة الصهيونية العالمية ــ وبصلاحيات متشابهة تقريبا. النزعة النيتشوية ــ الداروينية: وخلاصة هذه الناحية, أن العقيدتين النازية والصهيونية ايقنتا بأفكار داروين ونيتشه. هذه الأفكار القائمة على الاعتقاد بالتمايز بين البشر لأسباب مختلفة. ومن المعروف أن الفكر الدارويني إنطلق من نظرية البقاء للأصلح الذي تفرزه عملية التدافع والتنافس ثم الاصطفاء بين الناس, تماما كعالم الحيوان الأعجم والنباتات.. فيما دعا نيتشه إلى عودة الإنسان لحالة الحيوية والطبيعة المقدسة, ويكون كالحيوان الأشقر المفترس وينبذ أخلاق الضعفاء ويعيش في خطر مستمر. وهذا عين ماسعت إليه الصهيونية التي افترضت أنها ستحول اليهود إلى وحوش يؤمنون بأخلاق القوة, مفتولي العضلات يحسمون كل قضاياهم بالقوة. بدلا من حياة الوهن والاستذلال التي مكثوا فيها مطولا. وكان ذلك يعني ولايزال, عدم الاكتراث بالأخرين عموما. فلا النازية اكترثت بالشعوب الأوروبية التي هاجمتها بضراوة, ولا الصهوينية حفلت بأهل فلسطين, سكانها الأصليين, وهي لم تجد في إبادتهم أو نقلهم إلى خارج ديارهم ذنبا تؤخذ به. فوجود الدولة اليهودية التي تجمع النخبة المصطفاة, أهم بكثير من مصير هؤلاء الجوييم ( الأغراب غير اليهود). هذا التماثل البنيوي الفكري والتأثير والتأثر المتبادل بين العنصريتين إنعكس على طبيعة العلاقة الفعلية بينهما على أكثر من مستوى, قبل صعود الحكم النازي وبعد ذلك. وثمة مصادر موثقة كثيرة فضحت هذه الصلة ولم تفلح الدعاية الصهيونية حول جرائم النازي في حق اليهود في طمسها بالكلية. وقد رأى هتلر بعد وصوله للحكم أن الصهاينة الحقيقيين على استعداد طبيعي لتفهم مشروعه. ويلخص إميل لودينج الكاتب اليهودي الألماني وجهة نظر هتلر في أن (الصهيونية بتوجهاتها الفكرية والعنصرية ومشروعها الاستيطاني ساعدت الرجل على تنظيف المانيا من اليهود). فالصهيونية تعرف مرامي هتلر, لأنها هي ذاتها تحمل مشروعا مشابها, وألمانيا لا تحتمل ( شعبين مختارين) بالفعل. وهناك نماذج محددة للتعاون بين الحركتين النازية والصهيونية . لعل أكثرها شهرة الآن, إتفاقية الهعفراة (والترانسفير), التي تعاونت فيها الحركة الصهيونية مع الحكم النازي لأجل نقل يهود ألمانيا وأوروبا إلى فلسطين. لكن الصهاينة تعاونوا في حالات محددة مع النازيين في عمليات إبادة لليهود. وبذلك فإن عداء العنصريتين لبعضهما البعض لم يتعارض مع ايجاد مجالات للتعاون من منطلقات إنتهازية بحتة. ومع أن الحركة الصهيونية شقت طريقها إلى حيز الوجود قبل الحركة النازية, إلا أنه قدر لهذه الأخيرة أن تسبق إلى تنفيذ مشروعها السياسي بصعودها إلى الحكم وتأسيس ما عرف بالرايخ الثالث, قبل قيام الدولة الصهيونية. ومن جراء ذلك, تمكنت الصهيونية من استحلاب عبرة النازية في التطبيق, واختبار التجليات العملية للعقيدة العنصرية في الممارسة . وهو ما أثرى الاطار الحركي والتنظيمي للعنصرية الصهيونية في فلسطين. فأعمال الصهيونية وممارستها على الصعد العسكرية السياسية والقانونية والإدارية في فلسطين وجوارها, تتماثل حتى التطابق تقريبا وممارسات الحكم النازي. غير أن أحد أبرز أوجه الخلاف في هذا الإطار, أن النازية وجدت تحالفا مضادا تصدى لها إلى أن استأصل نظامها, بينما بقيت الصهيونية العنصرية حية ترزق بدعم من التحالف ذاته . وهذه ملاحظة تضاف إلى الظواهر التي تحتاج لمزيد من التفسير في عالمنا المعاصر. بقلم : د. محمد خالد الأزعر _ كاتب فلسطيني ــ مصر