اعتادت الأدبيات السياسية العربية أن تعتبر الإرهاب من المكونات الرئيسية لخطط الحركة الصهيونية وإسرائيل لقمع الفلسطينيين والعرب, ورغم صحة هذا الاستنتاج إلا أنه بات واضحا باستقراء تاريخ الحركة الصهيونية وأدبياتها أن هذا الارهاب إنما يمتد بجذوره إلى الأساس الصلب للعقيدة الصهيونية, وأن الزعم بأن الصهيونية قد نشأت, واعتدت سياسة الإرهاب, كرد فعل لمذابح الهولوكست النازية ليس سوى تغطية بارعة لحقيقة أن الحركة الصهيونية ذاتها كانت ضالعة في التحريض على هذه المذابح بل وتعاونت مع مرتكبيها. إننا لم نسع هنا لعقد مقارنة بين مذابح هتلر ومذابح إسرائيل بحق العرب في فلسطين ولبنان لا شيء سوى أن ما ستنتهي إليه ما هو إلا كشف عن حقائق ومسلمات باتت معروفة عن مقدار التطابق بينهما فضلا عن أن الانزلاق نحو هذه المقارنة قد يعد في جانب منه تسليما بالمزاعم الصهيونية التي تصور مسلك هتلر الارهابي بأنه عداء لاسامي لليهود, ففي أفضل الأحوال وبفرض صحة قصص الهولوكست فإن هتلر قد قتل في أوروبا حوالي ستين مليونا أوربيا من مختلف القوميات ورغم ذلك فإن أحدا لم يتهمه بالعداء لشعب أوروبا بعينه, فالمذابح كانت موجهة لدول عديدة وضحاياها عشرة أضعاف الضحايا المزعومين من اليهود. وإلى أبعد من ذلك فلن ننساق أيضا إلى تبني التحليلات النفسية الساذجة التي ترى في مذابح هتلر مبررا كافيا لتقمص الضحية اليهودية لروح الجلاد النازي على أرض فلسطين وإنما على النقيض من ذلك كله سنسعى أولا إلى اثبات المسئولية الصهيونية المزدوجة عن معاداة السامية ومذابح الهولوكست. ولم تكتف الصهيونية بتحريض أوروبا على معاداة السامية بل راح قادتها يتعاونون مع الفاشية في إيطاليا والنازية في ألمانيا ذاتها. فبعد وصول هتلر إلى السلطة دعا (جرينج) قادة الصهاينة وطلب منهم دحض الأنباء عن مذابح اليهود في المانيا ونفذ حماة (شعب الله المختار) هذا المطلب بكل رضاء في ظروف آمنة تماما ودون استخدام للعنف أو التعذيب. ومن ناحية فقد ساعد قائد مخابرات هتلر لشئون اليهود (فون ميلونشتير) نشاط المنظمات الصهيونية الرامي إلى إنشاء معسكرات اعادة التربية التي كان الشباب اليهودي يعد فيها لمهام العمل الصهيوني في فلسطين. ومن المعروف أن ليفي أشكول رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق كان يعمل مع حكومة هتلر, إذا كان يعمل ببرلين فيما يعرف بالقطاع الزراعي لمكتب فلسطين بالرياخ الألماني. وقد اعترف (كاستنر) الرئيس السابق للجنة الصهيونية لانقاذ اليهود المجريين بأنه كان على علاقة مباشرة مع القادة النازيين الذين أبادوا نصف مليون يهودي مجري, وأنه كان يعلم سلفا عن خطط الابادة ولكنه التزم الصمت حسب زعمه لانقاذ حياة مئة من الأعضاء الصهاينة النشطين!! ثم وتلك ثالثة الأثافي(أن تأسيس دولة يهودية تاريخية على أساس قومي وشمولي مرتبطة بمعاهدة مع الرايخ الألماني يمكن أن يساهم في المستقبل في المحافظة على وضع ألمانيا وتعزيزه.. وإن تعاون الحركة الإسرائيلية من أجل الحرية ( ليهي) يسير في اتجاه الخطاب الأخير لمستشار الرايخ الألماني الثالث الذي شدد فيه هتلر على أن تنسيقا وتحالفا يجب أن يقبلا من أجل عزل انجلترا وهزيمتها) ولم يشأ شامير أن يقف عند حد العرض السابق, على فجاجته وإنما اتبع ذلك ببرهان عملي على صدق نواياه تجاه حكومة هتلر ومصالحها, فقد قامت عصابة شتيرن بقتل وزير الدولة الانجليزي للشرق الأوسط اللورد موين في القاهرة في نوفمبر 1944 وبعد ذلك قتلت ذات المنظمة ألكونت برنادوت وسيط الأمم المتحدة في القدس يوم 17 سبتمبر 1948. فالدعوة الصهيونية قامت أساسا على استعداء أوروبا ضد اليهود وراح قادتها يمدون يد العون لجلاديهم لخلق أجواء ارهابية يندفع اليهود تحت ضغطها باتجاه فلسطين بل أن المصير المؤلم ليهود أوروبا الذين بقوا أحياء في معتقلات هتلر أصبح أداة في يد الصهاينة الذين ( استخدموا جرائم النازيين لصرف انتباه الرأي العام العالمي عن الجرائم التي تحدث في فلسطين وأيضا لتبرير هذه الجرائم. ان الصهيونية هي الوجه الآخر للنازية وصنوها السامي, ولذا فقد مارست الارهاب ضد اليهود أنفسهم لإجبارهم على الهجرة إلى فلسطين في المناطق التي افتقدت فيها أمثال هتلر . * هل يكفي ما سبق للبرهنة على الطابع الإرهابي للصهيونية؟! ــ ربما لا يكون ذلك كافيا, حيث الملائم طبقا للعقيدة الصهيونية أن يشاع العنف والإرهاب في أوساط اليهود بواسطة المعادين لهم أو حتى بأيدي عناصر صهيونية, ولذا فقد أقدمت العصابات الصهيونية على تقديم برهان جديد عندما استخدمت الإرهاب لإرغام الصهاينة أنفسهم على الالتزام بمنهجها العنصري والعدواني. فمن المعروف الآن أن سجلات الهاجاناة تحوي أسماء 40 يهوديا قتلوا على يد منظمتي أرجون وشتيرن أثناء نشاطهم تحت الأرض أو في سياق تصفية الحسابات الداخلية أو مراجعة الحسابات . وهذا لا يشمل اليهود الذين قتلوا عرضا في هجمات إرهابية مثل تفجير فندق الملك داوود بالقدس. ويصف التاريخ الرسمي للأرجون كيفية اغراق شخص اعتقدوا أنه سيقدم معلومات للشرطة في حال القبض عليه كما اشتمل سجن الهاجاناة على غرفة تعذيب لاستجواب اليهود المشكوك في تعاونهم مع البريطانيين. أما عن إرهاب الفلسطينيين فإن تحقيق هذه الغاية يرقى إلى درجة العقيدة التي لها ما يبررها من التراث التوراتي, فالدولة الحالية لإسرائيل تكرر باسم (رسالة إسرائيل التوراتية) الحركة المقدسة التي أبادت الكنعانيين وتتعامل اليوم مع العرب كما تعاملت مع سكان فلسطين في الماضي أو حسبما جاء. الاصحاح العشرون 16 17. وأما مدن هذه الشعوب التي يعطيك الرب الهك نصيبا فلا تستبق منها نسمة ما بل تحرمها تحريما الحيثيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحوريين واليبوسيين ــ كما أمرك الرب الهك أو أيضا فالآن اذهب وأضرب عماليق وحرم كل مالهم ولا تعف عنهم بل اقتل رجلا وامرأة طفلا ورضيعا بقرا وغنما جملا وحمارا) وليس أدل على دخول هذا التراث التوراتي في نسيج العقيدة الصهيونية من مباهاة الصهاينة وعدم خجلهم من عمليات الابادة التي نظموها بحق العرب. فها هو ( يوسف بورج) يتباهي بأنهم قتلوا آلاف الأغيار مؤكدا أنه في الحقيقة موقف مذهل ونجاح غير مألوف للصهيونية ويمكنني أن أجرؤ على القول بأنه نجاح مبالغ فيه بل إن مذبحة دير ياسين التي نفذتها عصابة بيجين كانت موضع فخر هذا الرجل الحائز على جائزة نوبل للسلام, وتكشف الشهادات الشخصية لقواد العملية والمكتشفة حديثا أن معظم المهاجمين فضلوا إبادة كل من يقف في طريقهم بمن فيهم النساء والأطفال وتقدموا للقيام بذلك قاتلين الأسرى والجرحى وقد امتدح بيجين القتلة لإنسانيتهم (لأنهم تصرفوا بطريقة لم تتبعها أية قوة محاربة أخرى) ذلك على الرغم من إقرار الصهاينة بأن القرية هي احدى القرى التي تحاشت أي تعاون مع القوات العربية. واليوم يتفاخر المستوطنون في الضفة والقطاع بتأييد الجيش لهم في خلق جو مذابح منظمة بين العرب ( ندخل إحدى القرى ونطلق النار على النوافذ ونحذر القرويين ونعود إلى المستوطنه لا نخطف الناس ولكن يمكن أن نمسك بصبى كان يقذف الحجارة فنأخذه معنا ونضربه قليلا.. ). ولعل أبلغ تعبير عن ( إرهابية) الحركة الصهيونية تجسده عمليا في زعامة أربعة من كبار الإرهابيين للكيان الصهيوني, وأولهم بن جوريون الذي أدت قيادته للحركة الصهيونية إلى اشتعال الثورة الفلسطينية عام 1936 وهو القائل دون وجل أو خجل ( أنا لا أخجل من أن أعترف بأنه لو كانت سلطتي تعادل رغباتي لاخترت عددا من الشباب المخلص لقضيتنا وأمرتهم بالتنكر والتظاهر من غير اليهود وملاحقة اليهود بطرق العداء للسامية الفظة عند ذلك ستفوق نتائج الهجرة إلى إسرائيل بعشرة آلاف مرة تلك النتائج التي يحصل عليها مبعوثونا..) والإرهابي الثاني هو مناحيم بيجين رئيس الوزراء الأسبق ورجل السلام في كامب ديفيد ويكفي أنه عندما زار أمريكا للمرة الأولى في 4 ديسمبر 1948 كتبت بعض الشخصيات اليهودية مقالات تهاجمة ومنهم ألبير اينشتاين الذي كتب إلى مدير نيويورك تايمز) أنه لا يعقل أن يساند معارضو النزعة الفاشية في العالم الحركة التي يمثلها بيجين حين يعرفون الوجه الصحيح للغايات السياسية لبيجين ونشاطاته..) وذلك الرجل الدموي هو الذي صرح غداة مذابح صبرا وشاتيلا المرتكبة برعايته هو نفسه وبرعاية وزير دفاعه أمام الحكومة قائلا( أناس غير يهود قتلوا أناسا غير يهود ويتهموننا بذلك ) وثالثا المجرمين هو أرييل شارون جلاد لبنان ومفجر أزمة الأقصى الأخيرة, وما فيه هو الآخر تليد في الإرهاب ففي أغسطس عام 1953 كلفه دايان بتأسيس الوحدة (101) وقيادتها وكانت أولى غاراتها على قرية قبية الفلسطينية ليلة 15 أكتوبر 1954 حيث قتل 66 فلسطينيا ثلاثة أرباعهم من النساء والأطفال وطبقا لتقرير المراقبين العسكريين للأمم المتحدة الذين وصلوا بعد ساعتين من الغارة أن السكان اجبروا على البقاء في بيوتهم بينما كان يجري نسفها بالديناميت وإطلاق الرصاص على الأبواب والشبابيك في البيوت المدمرة. والرابع هو رئيس الوزراء الأسبق اسحق شامير قائد عصابة شتيرن الإرهابية. وما هؤلاء إلا رموز وعلامات على طريق الإرهاب الصهيوني الذي قام باعتراف الأستاذ الجامعي إسرائيل شالاق بتدمير 385 قرية عربية بواسطة البلدوزر من أصل 475 قرية كانت موجودة في عام 1949 لتأكيد أسطورة فلسطين الخالية ومن أجل إقامة المستعمرات. أن الإرهاب الصهيوني ليس خطأ سياسيا ولا حتى خطيئة عملية, ولم يكن في يوم من الأيام انحرافا نفسيا أورده فعل للهولوكوست, انه نسيج العقيدة الصهيونية ذاتها سداة ولحمة. بقلم : د. أحمد السيد محمد _ كاتب سياسي مصري ــ جامعة القاهرة