لم يكن ارتباط صدور وعد بلفور, وبداية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين, مع تاريخ الحرب العالمية الأولى, مجرد مصادفة تاريخية كما لم يكن ارتباط إعلان الدولة الصهيونية في فلسطين مرتبطا بالحرب العالمية الثانية أيضا مجرد صدفة, فارتباط أخطر محطتين في بناء الكيان الصهيوني, جاء مرتبطا بالحرب والتدمير والخراب, للارتباط الحقيقي بين النزعات العدوانية للاستعمار عموما, والحركة الصهيونية خصوصا. لكن الارتباط بين الاستعمار الغربي وإسرائيل, لم يكن ارتباطا في الظرف التاريخي, بل كان ارتباطا أيديولوجيا عضويا بأحط الأفكار التي نتجت عن هذه المرحلة البغيضة, ألا وهي الأفكار الفاشية والنازية, والأفكار الصهيونية.. فالفاشية والنازية.. من جهة والصهيونية من جهة اخرى وجهان لعملة واحدة .. أو هما ذات أصول أيديولوجية واحدة. فإذا كان جوهر فكرة الفاشية والنازية يقوم على تفوق عرق إنساني على ما عداه وباعطاء هذا العرق حقوقا على حساب غيره, وبارتكاب المذابح بدم بارد وابادة الشعوب والأعراق الأخرى, فإن جوهر الفكر الصهيوني قام على أن اليهود هم شعب الله المختار, وأن غيرهم هم من ( الأغيار) وعلى بناء دولة عرقية يهودية, وإبادة شعب اخر, بارتكاب المذابح والعدوان العسكري المستمر على المحيط, ومحاولة بناء امبراطورية عسكرية على حساب أرض الغير. وإذا كان هتلر وموسوليني, اللذان قادا الحركتين النازية والفاشية, قد شنا حروبا عدوانية أبيد خلالها ما يقارب الأربعين مليونا من البشر, واحتلوا أراضي غيرهم من الشعوب والدول, وشكلوا أخطر أجهزة القمع, وأبدعوا أكثر وسائل التعذيب رعبا وبشاعة, فإن الصهاينة مارسوا كل هذه الأفعال تجاه الشعب الفلسطيني, فاحتلوا أرضا ليست أرضهم, وارتكبوا المذابح والبشائع والجرائم بصفة مستمرة ودون انقطاع منذ الحرب العالمية الثانية, وبنوا دولة تقوم على العرق اليهودي, وإبادة الأعراق الأخرى. وهنا يبرز التساؤل, كيف القول بأن النازية والفاشية.. والصهيونية وجهان لعملة واحدة في ضوء ما يقال عن أسطورة ( أفران الغاز) وحرق هتلر لليهود.. الخ! وللاجابة على هذا التساؤل الهام, نورد هذه الروايات التاريخية والكتابات لمن هم يهود وليسوا بعرب, والتي توضح الالتقاء, والتفاهم والتعاون بين الفاشيين والنازيين.. والصهاينة منذ الحرب العالمية الأولى وحتى انتهاء الثانية, واتفاقهم في المبادئ وعلى الأهداف, بل كون الصهيونية هي خلاصة الفكر الفاشي والنازي التي تم تصديرها إلى فلسطين. التعاون بين الفاشية.. والصهاينة يورد الكاتب اليهودي ليني برينر في كتابه (الصهيونية في زمن الديكتاتورية.. التاريخ الموثق لعلاقات الصهيونية والفاشية) المنشور عام ,1983 الكثير من الوثائق حول التعاون بين الصهيونية وموسوليني. في ايطاليا , تعاونت المنظمة الصهيونية العالمية مع الفاشية الايطالية, وقد أصبح موسوليني بعد فترة مؤيدا للصهيونية, وأيدته بالمقابل القيادة الصهيونية بحماس.. (وكان خمسة من مؤسسي حزب موسوليني من اليهود).. وقد اجتمع الصهاينة مع موسوليني في 20 ديسمبر ,1922 وأكدوا للدوتش ولاءهم وكتبت بوندي وهي كاتبة صهيونية من اليهود الإيطاليين عن هذا الأمر قائلة ( قال الوفد من جانبه أن اليهود الإيطاليين سيظلون دائما على ولائهم لأرضيتهم الأصلية, ويمكنهم أن يساعدوا على اقامة علاقات مع الشرق من خلال التجمعات اليهودية هناك). والتقى حاييم وايزمان رئيس المنظمة الصهيونية العالمية عام 1923 مع موسوليني وكما التقيا ثانيا في عام ,1926 في جو أفضل وعرض على الصهاينة مساعدتهم في تقوية اقتصادهم وبدأت الصحافة الفاشية في طبع مقالات تحبذ الصهيونية في فلسطين, وبدأ الزعماء الصهاينة في زيارة روما, وظهر ناحوم سوكولوف الذي كان رئيسا للجنة التنفيذية الصهيونية, وبدأ سوكولوف لقاءاته بالدوتش موسوليني. وقد وصف متخصص في الفاشية والمسألة اليهودية النتيجة السياسية لمحادثات الاثنين بالقول (بهذا اللقاء احتفت الصهيونية بموسوليني, ولم يمتدح سوكولوف الزعيم الإيطالي فحسب بصفته إنسانا , ولكنه أعلن اعتقاده الحازم بأن الفاشية محصنة ضد الأفكار المسبقة المعادية للسامية وأن اليهود الحقيقيين لن يحاربوا ضده أبدا . وشهدت تلك الفترة إقامة علاقة وثيقة بين الجالية اليهودية خاصة الصهاينة, والدولة الفاشية , حيث أعلن الصهاينة ولاءهم للفاشية ورفعوا أعلامها في المراكز اليهودية). الصهاينة وهتلر في بحث العلاقة بين الصهيونية والنازية بقيادة هتلر في ألمانيا, تكشفت أسرار الالتقاء الايديولوجي والمصلحي بين الاثنين, ويكتشف المتابع مدى الجرم الصهيوني حتى بحق اليهود أنفسهم, فقد كانت نتيجة اللقاء بين النازية والحركة الصهيونية في الواقع العلمي , هي طرد اليهود من ألمانيا, ولو كان ذلك بارتكاب المذابح ضدهم. كان الصراع بين الصهاينة وهتلر والفاشية, قائما ولاشك, بحكم أن الحركة النازية عنصرية.. والحركة الصهيونية عنصرية هي الأخرى, فكلاهما يؤمن بأن العرق الذي ينتمي إليه يجب أن يظل نقيا, وأن يسود الآخرين ولو بالقتل والذبح, وكان الصراع بين هتلر والفاشية واليهود قائما أيضا لأسباب اقتصادية لحاجة هتلر الى الاستيلاء على أموال اليهود لتمويل آلته العسكرية , فالتقى الإثنان الصهاينة.. وهتلر والفاشية في الإجراءات العملية تماما. كيف؟! وقد رفع النازيون بالفعل شعار طرد اليهود لفلسطين , ففي عام ,1932 سارت أكبر التظاهرات النازية في ذلك الوقت ترفع شعار( اركلوهم الى فلسطين) وكان النازيون يوزعون صورا مقلدة لتذاكر سفر الى فلسطين يوزعونها على المارة من اليهود , وعليها عبارة اذهبوا الى فلسطين دون عودة. وفي ربيع 1934 , تلقى رئيس قوات الاس . اس الرهيبة, تقديرا للموقف الداخلي عن الحالة اليهودية من جهازه تقول أن الأغلبية العظمى من اليهود لا يزالون يعتبرون أنفسهم ألمانا ومصممين على البقاء , وطالما أن القوة لا يمكن استعمالها خوفا من المترتبات الدولية المحتملة, فإن الطريق لتحطيم مقاومتهم هي بغرس يهودية متميزة بينهم , وذلك بالتشجيع المنظم للمدارس اليهودية والفرق الرياضية والغناء اليهودي واللغة العبرية بالاشتراك مع مراكز اعادة التدريب المهني اليهودية, فإن ذلك سيحفز اليهود العقيديين للتخلي عن وطنهم, ان سياسة النازية هي زيادة الدعم المقدم للصهيونية بحيث يمكن لليهود أن يشاهدوا بوضوح أن الطريق لحل المشاكل هو الانتماء للحركة الصهيونية. ومنذ عام ,1935 أصدر الجستابو تعليماته بأن أعضاء المنظمات الصهيونية, نظرا لنشاطهم الموجه الى فلسطين, لا يعاملون بنفس الحزم الضروري تجاه المنظمات اليهودية الألمانية. كان الالتقاء قاطعا في وضوحه اذن بين النازية والفاشية من ناحية, وبين الحركة الصهيونية, ولعل أخطر ما جاء في تصريحات الصهاينة عن هذا الالتقاء على حساب اليهود وقتلهم ما قاله بدم بارد بن جوريون مؤسس دولة إسرائيل نفسه حيث قال.. لو أني عرفت أن من الممكن إنقاذ كل الأطفال في ألمانيا بإحضارهم الى بريطانيا , أو إنقاذ نصفهم فقط بنقلهم الى أرض إسرائيل لاخترت البديل الثاني. ويقول صهيوني إيطالي , أن معاداة السامية عند هتلر, يمكن أن تؤدي الى تحرير اليهود, وليس هناك ما نخجل منه في حقيقة أننا استعملنا اضطهاد اليهود في ألمانيا من أجل البناء في فلسطين.. هذا هو ما علمنا إياه حكماؤنا وقادتنا منذ القدم.. أن نستفيد من الكوارث التي تلحق بالشعب اليهودي في المهجر من أجل البناء. الصهيونية والنازية والفاشية.. في فلسطين يقول المؤرخ العالمي ارنولد توينبي (أن اليهود بدلا من أن يتعلموا من مصائبهم, قد صنعوا بالعرب ما صنعه غير العرب بهم. ولم يجد اليهود من يطبقون عليه التعصب العنصري سوى الشعب الوحيد, الذي لم يتلطخ تاريخه بأي وصمة من وصمات التعصب الديني أو العنصري , أو ضد أي جنس أو ملة, ألا وهو الشعب العربي الذي عاشت معه أقليات يهودية, لم تلق يوما غير الأمن والسلام والطمأنينة, ولكنهم راحوا يختارون شعبا بريئا كالشعب العربي يجرون عليه التجارب العنصرية). هكذا يخلص ارنولد توينبي, تاريخ الممارسات العنصرية الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني, وواقع الحال أن العصابات الصهيونية وقبل إقامة دولة فلسطينية, قد مارست أبشع عمليات البطش والتنكيل بالشعب الفلسطيني, وكان ارتكاب المذابح هو الأسلوب الذي اعتمدته لطرد وتهجير الشعب الفلسطيني من أرضه, ملتقية في ذلك مع الأساليب النازية والفاشية, وهو الأمر الذي ظل ممتدا, حتى اليوم, باعتبارها جزءا أصيلا من الفكر الصهيوني. لقد قامت دولة إسرائيل على يد العصابات الصهيونية التي ارتكبت مذابح دير ياسين والقسطل, والفالوجا وعراق المنشية, وغيرها , وقد ارتبطت المذابح بهدم القرى وحرقها وليس إجلاء السكان فقط, وقد بلغ عدد القرى التي تم هدمها في شمال فلسطين في عام ,1947 وحدها حوالي 70 قرية وفي قضاء طبرية وحدها غربي فلسطين تم هدم واحراق 25 قرية, وفي عكا هدم وحرق 25 قرية وفي الناصرة هدمت 5 قرى, وفي قضاء حيفا حرقت وهدمت 39 قرية وفي يافا 23 قرية, وفي منطقة القدس 30 قرية الخ. ومن ثم فإنه وعندما يدور الحديث عن الجرائم الصهيونية الحالية ضد الانتفاضة, لابد أن نذكر بالمذابح الأولى في بداية إنشاء هذه الدولة العنصرية, كما يجب أن ننظر الى المسلسل الطويل, الممتد عبر صبرا وشاتيلا ومذبحة قانا. لقد كان الذبح للعرب هو الأسلوب المعتمد لدى الحركة الصهيونية منذ بدايتها, ولم يتغير باعتباره يمثل جوهر فكرة النقاء العرقي العنصري الصهيوني اليهودي, وأسلوب طرد الشعوب الاخرى من أرضها, الذي هو الأسلوب الذي اعتمدته الفاشية والنازية في دولها, وفي الدول التي احتلتها خلال الحرب العالمية الثانية. ولذلك لم يكن مصادفة أن تعلن دولة إسرائيل في ظل أجواء حرب أشعلها الفاشيون والنازيون هي الحرب العالمية الثانية. وإذا كان التمثيل في الأهداف والطرق والأساليب قاطع الدلالة بين الفاشية والنازية والصهيونية, عبر الممارسات الأولى للعصابات الصهيونية, فإن الأحزاب التي تشكلت فيما بعد داخل إسرائيل, كانت في مجموعها, أحزابا تمثل الفاشية العنصرية الصهيونية تماما, فقد قامت على طرد العرب وبناء دولة العرق الواحد المتفوق, وعلى ابادة الشعب العربي الفلسطيني بل والشعوب العربية. واليك هذا المثال .. ألبرت اينشتاين, عن مناحم بيجين, الذي افتخر دائما, بأنه تلميذ الصهيوني جابوتنسكي .. يقول: أن من أكثر الظواهر السياسية المتعلقة في زمننا ظهور حزب حيروت في دولة إسرائيل, التي نشأت مؤخرا, وهو حزب سياسي مرتبط بشكل وثيق في تنظيمه ومناهجه وفلسفته السياسية وتوجهه الاجتماعي بالأحزاب النازية والفاشية.. لقد دعوا الى خليط من ما فوق القومية والأساطير الدينية والتفوق العرقي وقد اقترحوا اقامة اتحادات مشتركة على غرار نموذج الفاشية الإيطالي وعلى ضوء الاعتبارات السابق ذكرها , فمن المحتم التعريف في هذا البلد بالحقيقة حول مناحيم بيجين وحركته, وتزداد المأساة عندما ترفض القيادة العليا للصهيونية الأمريكية أن تنظم حملة ضد جهود بيجين. وما يهمنا هنا فيما قاله البرت اينشتاين, أن ندرك أن الأحزاب الإسرائيلية, ليست إلا امتدادا بكل معاني الكلمة للعصابات الصهيونية الأولى, ايديولوجيا وسياسيا, وأن نفهم مغزى أن غياب بيجين , لم يكن غيابا للنظريات العنصرية, فبعده جاء شارون ثم نتانياهو في الوقت الذي لم يخرج بيريز مرتكب مذبحة قانا, وباراك مرتكب مذبحة الأقصى, عن فكر الآخرين. إن قدر العرب, هو أن يواجهوا على أرضهم أبشع ما نتج عن الفكر الأوروبي, النازي والفاشي على أرضهم, وأن يكون الثمن الذي يدفعونه غاليا ممثلا في طوابير الشهداء وتلقي العدوان العسكري تلو الاخر. لكن المشكلة هي في إدراك حجم جرم من يواجهونه وعدم الانخداع فيما يرفعونه من شعارات السلام. فهؤلاء الصهاينة, مثلهم مثل الفاشيين لن ينهزموا إلا كما انهزم هتلر وموسوليني .. أي بالحديد والنار. بقلم: طلعت رميح _ كاتب سياسي مصري