لا يكاد المتابع لما يجري على الساحة الإيرانية, يفرغ من ضبط آخر تلك المشاهد, ويظن من ثم أنه لا جديد سيحدث ولو على المدى القصير, إلا ويفاجأ بطوفان من الأخبار والتحليلات والأحداث وأيضاً المشاهد الجديدة. ولعل هذه الحيوية المفرطة التي يتمتع بها المجتمع الإيراني, كانت ولا تزال هي الصفة الوحيدة التي تمثل ملمحاً مشتركاً لكل العهود التي مرت بإيران سواء في عهد الشاه أو خلال السنوات الأولى من الثورة الإسلامية, أو حتى خلال العهد الإصلاحي الذي بدأ منذ مقدم الرئيس محمد خاتمي منذ ثلاث سنوات. ولاشك أن هذه التطورات الخاطفة التي حدثت خلال السنوات الثلاث الأخيرة استرعت انتباه المراقبين السياسيين داخل البلاد وخارجها أكثر من أي مرحلة أخرى, إذ يعدها البعض بمثابة مخاض جديد سوف يسفر في نهايته عن إيران جديدة اكثر استقراراً سواء انتهى الصراع الدائر حالياً بين قوى المحافظين وقوى الإصلاحيين لصالح إحداهما أو حتى لصالح قوى جديدة تبرز بشكل ينقل تلك القوى التقليدية إلى خانة المعارضة. أو بعبارة أخرى, فإن أصدق توصيف كما يشير أحد المراقبين ـ لما يحدث في الوقت الراهن داخل إيران, هو سيادة حالة انتقالية تشبه في أوجه كثيرة منها الأيام الأولى للثورة الإسلامية في أواخر السبعينيات من القرن الماضي. فالمظاهرات الشعبية, وبروز الطلاب إلى واجهة الأحداث, والاعتقالات, والمحاكمات,وفوق ذلك ضخامة الهدف الذي يدور عليه الصراع: الدولة ومن يفوز بالسلطة لتقرير طبيعتها ووجهتها الاجتماعية والسياسية, كل ذلك يجعل صفة (المرحلية) لازمة وملاصقة للتفاعلات المختلفة التي تشهدها الساحة الإيرانية. يعلق أحد السياسيين البريطانيين على هذه الحالة قائلاً: (وإذ يسود طهران توتر كبير,لا يمكن التكهن إطلاقاً بمحصلة سلمية للأحداث, وليس هناك ما يمكن لبريطانيا وبقية العالم القيام به سوى المراقبة والانتظار). ولعل ذلك بدوره يعكس حالة عدم التأكد التي ينظر العالم بها لإيران والتي تعد المبرر الأوضح لدى الإدارة الأمريكية ــ على سبيل المثال ــ لتهدئة خطوات التقارب مع طهران, رغم وصول الرئيس خاتمي بطروحاته الانفتاحية إلى سدة الحكم هناك. على أننا لا يجب أن نمل من تكرار حقيقة أن العديد من المراقبين لا يزالون ينظرون إلى الأحداث الجارية على الساحة الإيرانية على أنها لا تعدو أن تكون مجرد تفاعلات (طبيعية) يمر بها مجتمع (شاب) يمر بأقصى مراحل عنفوانه السياسي. ويتباهى هؤلاء المتفائلون بأن محصلة تلك التفاعلات, حتى الآن إيجابية, من دون إنكار السلبيات, ويرون أن إيران حققت الشطر الأعظم في عملية (مأسسة) مراكز الحكم والقرار, مما سمح لمحمد خاتمي بأن يصل لسدة الرئاسة . أما الخروج أحياناً عن القواعد الطبيعية للتفاعل السياسي, فليس سوى نوع من الاحتقان المؤقت الذي يعقب كل مرحلة انتخابية كتلك التي كان التنافس على البرلمان مجالاً لها قبل أشهر قليلة ــ أو الذي يسبق كل مواجهة اقتراعية كتلك التي تقف القوى السياسة في إيران على أعقابها تنافساً على منصب الرئاسة في مايو المقبل. تحليل المرحلية ونعود بعد هذه اللفتة إلى التحليل القائل بـ (مرحلية) الفترة الراهنة, لنرصد إيران بأكملها وليس الجمهورية الإسلامية فحسب- وقد باتت أمام اختيار صعب لواحد من ثلاثة طرق: الأول: العنف والقمع والحفاظ بالقوة على النظام الإسلامي. الثاني: الانفلات والانحلال وترك الأمور على غاربها للانقضاض على النظام والثورة والتحول إلى العلمانية. الثالث: ابتكار الخطط للحفاظ على النظام مع مواكبة العصر, بكل معطياته العلمية والفكرية والحضارية من خلال الحوار البناء بين القوى السياسية المختلفة. أما الخيار الأول فهو خيار العجز والتناقض مع الأسس التي جاءت بها الثورة الإسلامية نفسها عام 1979 في ثالوث (الحرية والاستقلال والجمهورية الإسلامية). وبديهي أنه لم يعد هناك مجال في العالم لهذا النمط من السياسة والحكم ولاسيما في دولة بحجم وثقل إيران, فضلاً عن صعوبة الارتداد عن المكاسب التي حققتها الثورة بالفعل في خانة الحريات والتقدم نحو مزيد من المشاركة السياسية الشعبية الفاعلة. وأما الخيار الثاني فيتنافى هو الآخر بداهة مع طبيعة الشعب الإيراني المحافظ, وطبيعته اللصيقة بالقيم الإسلامية. لم يبق إذاً سوى الخيار الثالث على رغم صعوباته وتعقيداته بيد أنه من المفيد الإشارة إلى بعض الملامح التي قد تسهم في تأسيس الأرضية المشتركة التي يعقد فوقها (منتدى) الحوار بين التيارين الإسلامي والمحافظ. فالعقلاء من هذا التيار الأخير يأخذون على أنصارهم عدم إدراك (ما الذي يعنيه خاتمي) لإيران ونظامها, ويرون أنه صنع صورة جديدة لبلاده حين قدمها إلى العالم على (مائدة) حوار الحضارات. حيث شكل قبول الأسرة الدولية, عبر الأمم المتحدة, هذا الاقتراح نسفاً لكل الاتهامات الموجهة إلى إيران بالعنف والإرهاب والانغلاق. وفي المقابل يأخذ العقلاء في التيار الإصلاحي على بعض أنصارهم محاولة التنكر لما حققته إيران قبل مجيء خاتمي, ومحاولة القفز فوق (ولاية الفقيه) أحد أبرز الأسس الدستورية للنظام. ويضيف هؤلاء أن إيران استطاعت أن تعطي الشعب دوره في صنع القرار, وأن تتبع سياسة مستقلة طابعها التحدي لأعتى قوة , أي الولايات المتحدة, على الصعيد الخارجي تحت مظلة (ولاية الفقيه). وقبل البدء في تحليل مقدمات ومظاهر واحتمالات أي من الخيارات الثلاثة السابقة, ينبغي الوقوف على أبعاد واحدة من أخطر المسائل التي تشغل وتطول تأثيراتها المشهد الإيراني, بل لعلنا لا نبالغ إن قلنا أنها تعتبر المفتاح الحقيقي لفهم الأحداث الجارية برمتها. هذه المسألة هي (مبدأ ولاية الفقيه). ولاية الفقيه تشير معظم أدبيات الثورة الإيرانية إلى أن الأمام الخميني الراحل كان أول من طرح نظرية (ولاية الفقيه), كاجتهاد سياسي فقهي منطلق من المذهب الشيعي الإثنى عشري, يحدد ملامح النظام السياسي المثالي الذي من المفترض أن يحكم الدول الإسلامية. ووضع الخميني الخطوط العريضة لتلك النظرية في عهد الشاه أثناء وجوده في منفاه في مدينة النجف, وسرعان ما قام طلابه بنقل محاضراته المسجلة عن النظرية إلى الكتابة والترويج لها في داخل إيران. ومع ذلك يرى فريق آخر فكرة (الولي الفقيه) موجودة منذ زمن في التراث الشيعي الإثنى عشري,وأن الملا أحمد زاقي كان أبرز من دعوا إليها قبل أكثر من قرن من الزمان, وكل ما فعله الخميني أنه أخرجها إلى حيز التنفيذ, وحول الولاية المطلقة للفقيه من دعوة أطلقها الملا أحمد زاقي إلى نظام مطبق في الواقع. وتعني (ولاية الفقيه) في أبسط صورها أن يكون الحكم بأيدي علماء الدين وحدهم, نظراً لانفرادهم بحسب مؤهلاتهم وخبراتهم ــ بالقدرة على فهم نصوص القرآن والسنة واستنباط الأحكام منها, وهي المقدرة التي لا تتوفر لعوام الناس, وبالتالي ليس لتلك الفئة الأخيرة أن تحاسب (الولي الفقيه) الذي يملك سلطات واسعة للتدخل في كل شئ وتكون كلمته هي الكلمة الأخيرة في أي نزاع أو أي قرار هام. ويؤكد البعض أن طوائف شتى من الشعب الإيراني, إلى جانب طبقة علماء الدين, كانت تروج للانقلاب الشعبي على حكم الشاه الاستبدادي,واستبداله بآخر يشبع تطلعات الإيرانيين إلى حياة أفضل وحريات أوسع. ولما كانت طبيعة الظروف وقتها لا تسمح بمناقشة ملامح ذلك الحكم المأمول, فقد صرفت أولوية النضال ضد نظام الشاه انتباه المعارضة آنذاك عن خطورة مقولات (ولاية الفقيه) ومصادمتها في جوهرها للحريات الواسعة التي كانت بعض الفئات تنتظرها, بحيث يمكن القول إن الهدف الأساسي للمعارضة الدينية أو اليسارية لم يكن سوى إسقاط نظام الشاه, أما التفكير في البديل فكان بعيداً جداً عن اهتمامات الناس. وهكذا ــ كما يؤكد أنصار ذلك الرأي عندما سقط الشاه في 1979 لم يجرؤ الأمام الخميني وأنصاره على طرح (ولاية الفقيه) كنظام بديل للملكية, ولاسيما أنه ــ كاجتهاد فقهي ــ لم يكن مقبولاً حتى من رجال الدين أنفسهم مثل شريعة مداري الأقدم من الخميني, وكلبايكاني, وأبو الفضل زنجاتي, و محمود طلقاني ذي الشعبية الواسعة, وفيما بعد حسين منتظري الذي كان أحد منظري ولاية الفقيه وكان نائباً للخميني في سنوات الثورة الأولى, ثم انقلب بعد ذلك ليعارض تلك النظرية بصورتها المطلقة. وبعيداً عن أنصار هذا الرأي فإن الشواهد والأحداث تشير إلى حقيقة هامة لعبت دوراً هاماً في تدعيم الثورة الإسلامية وترسيخ مبدأ ولاية الفقيه كما نراه الآن, تلك الطبيعة الكاريزمية التي كان يتميز بها الخميني, والتي جعلت منه قائد الثورة وأباها الروحي من دون منازع, وجعلت منه كذلك المرجعية العليا بالنسبة للجماهير ومحور التماسك لجميع قوى الثورة بمختلف ألوانها وانتماءاتها. وبالتالي, وبعد نجاح الثورة, لم يكن الخميني وهو الفقيه والسياسي اللامع, وبكل تلك المواصفات, قابلاً لأن يكون عرضة للتصويت والانتخاب, وبالتبعية لم يكن المنصب الذي يشغله (الولي الفقيه مرشد الثورة) قابلاً هو الآخر للانتخاب. وبشكل أو بآخر استطاعت هذه الوضعية وتلك الطبيعة (الكاريزمية) للخميني أن تحيد, ولو مؤقتاً, الديناميكية السياسية للثورة. وساهم إلى جانب ذلك بالتأكيد الحرب مع العراق التي شكلت عامل تكتل والتفاف حول القيادة في وجه خصم خارجي يهدد الثورة والدولة معا . وإلى جوار الخميني نمت طبقة استمدت قوتها من قوته وتغلغلت في مراكز الحكم وبسطت نفوذها فوقها وهي طبقة المحافظين (فقهاء وعلماء وتكنوقراط وخطباء الخ). بيد أنه بعد وفاة الخميني, وانتهاء الحرب مع العراق عادت الأمور والأحداث في إيران إلى سياقها العادي لتنكشف القوى المحافظة أمام النقد والتدقيق, ولاسيما أن (الهالة) التي كانت تحيط بولاية الفقيه زالت هي الأخرى بوفاة الخميني وبروز أكثر من عالم من علماء الدين ينتقد النظرية ويشكك في نسبتها للتراث الشيعي, بخلاف حسين منتظري كما أشرنا الذي أعلن أنه يرى ضرورة تقليص دور الفقيه فلا يتجاوز مراقبة التزام الحكومة موازين الإسلام, مؤكداً أن (ولاية الفقيه المطلقة وكونه فوق القانون بحيث يستطيع التدخل في كل الأمور من دون حساب وامتلاكه حق التشريع, تعتبر في عرف الشرع والعالم هي الاستبداد بعينه. والاستبداد في العالم المعاصر لا يمكن أن يستمر, بل سيؤدي الإصرار على ذلك إلى أن تزول أرضية إشراف الفقيه على إدارة الدولة). وفي الوقت الحالي تتحدد ملامح كل تكتل من تكتلات الاتجاهين الأساسيين في إيران (الإصلاحيين والمحافظين), على حسب موقفه وقناعاته وموقفه من نظرية (ولاية الفقيه), كما يشتعل الصراع بين الفاعلين السياسيين كنتيجة لتلك الملامح. بمعنى أن الإصلاحيين على سبيل المثال, ليس كلهم كتلة متجانسة تتمسك بـ(الخاتمية) إذا جاز أن نسمي طروحات خاتمي بهذا الاسم, وإنما داخل التيار الإصلاحي فئات عدة يطالب بعضها الرئيس خاتمي بالتنحي لفشله في نظرهم ــ في تحقيق أية إصلاحات تذكر, وآخرون يعارضون مبدأ ولاية الفقيه صراحة, إما من منطلق ديني واجتهادي مثل عزت الله سحابي, أحد أبرز أصدقاء الإمام الخميني,وحجة الإسلام الشيخ محسن كديور الذي يقول أن هذه الفكرة لم تكن تاريخاً, وليست أبدا اليوم, فكرة مطلقة القبول في الاجتهاد الشيعي. وبطبيعة الحال فإن مكان الاثنين السجن حالياً. أما الفريق الثاني من الإصلاحيين المعارضين صراحة لولاية الفقيه فهم أولئك العلمانيون الذين يرون أنها تتعارض مع شكل الدولة الحديثة الذي يقوم على مبدأ فصل الدين عن السياسة. وداخل التيار الإصلاحي فريق آخر يرى ضرورة إخضاع الولي الفقيه للمحاسبة والانتخاب والرقابة الشعبية إذا ما استمر يتمتع بتلك السلطات الواسعة, أو تقليص تلك السلطات لصالح المؤسسات المنتخبة مثل رئاسة الجمهورية والبرلمان إذا ما تعذر انتخاب ومحاسبة الولي الفقيه. أحد ممثلي تلك الطائفة رجل الدين الشيعي محسن كديور والشيخ عبد الله نوري وعدد كبير من أنصار الرئيس خاتمي. مواجهة متشعبة ومن خلال المواجهة المتشعبة والمركبة بين الإصلاحيين بشتى طوائفهم, والمحافظين, يبدو أن هذا الصراع سوف يضع إيران في الوقت القريب أو المتوسط أمام أحد استحقاقات ثلاثة أو إن شئت ــ أحد خيارات ثلاثة, إما القمعية وإما العلمانية وإما الحوار. أولاً: غلبة الاتجاه الاستئصالي على المحافظين واللجوء إلى القمع: أقدم الرئيس الإيراني على تحرك سياسي أصاب المحافظين بحيرة شديدة عندما أعلن مبكراً عن نيته خوض معركة انتخابات الرئاسة الإيرانية لفترة ولاية أخرى, ولم يلتفت بعدها لنداءات عدد من تيار المحافظين المطالبة له بالاعتزال بدلاً من مواجهة شبح الهزيمة السياسية الذي واجه سلفه هاشمي رافسنجاني في الانتخابات البرلمانية الأخيرة. ومع تعاظم شعبية الرئيس خاتمي إلى حد الكاريزما, فإن تيار المحافظين لا يستطيع برغم الإمكانات والصلاحيات الهائلة التي يحوزها, أن يقدم مرشحاً بإمكانه أن يكون منافساً حقيقياً لخاتمي, ولاسيما بعد أن رفض كل من علي أكبر ولايتي وزير الخارجية السابق وهاشمي رفسنجاني الرئيس السابق ورئيس مجمع مصلحة النظام التقدم لخوض معركة الرئاسة. ولم يخف المحافظون حيرتهم, بل إن محمد رضا باهز النائب السابق وأحد الشخصيات المحافظة المعروفة, اعترف صراحة بأن (اليمين لا يعرف ما ينبغي أن يفعله حتى الآن). ومن جهة أخرى,بعد أن ظفر التيار الإصلاحي بكافة المؤسسات المنتخبة (رئاسة الجمهورية والبرلمان والبلدية) فإن المحافظين باتوا يواجهون في الوقت الحالي شبح اختفاء الدعم الشعبي لهم إذ تتراوح نسبة قواعدهم الشعبية بين 15-25% من تعداد الشعب الإيراني, وهو الأمر الذي يبدو أنه دق ناقوس الخطر بعنف أمامهم, لما يدركون من خبرة التعامل مع الشعب الإيراني, الذي لم يمض وقت طويل على إطاحته بالشاه بعد أن فقد الأخير نفوذه الشعبي. وقد انعكست خطورة الموقف على التصرفات الأخيرة للمحافظين,إذ أتسم أغلبها بالتشدد المبالغ فيه حيال الرئيس خاتمي وتياره الإصلاحي: * فمن جانب أعلن أحمد جنتي (محافظ) أمين مجلس صيانة الدستور أن النواب (يفقدون تمثيلهم للشعب الإيراني في حال إقدامهم طرح مشروع يتناقض مع الإسلام ويكون مخالفاً للشرع الإسلامي). وهذا الموقف أثار مخاوف الإصلاحيين من أن تكون تلك التصريحات مقدمة لإجراءات تطعن في صلاحية بعض النواب الإصلاحيين. * يواصل المحافظون هذه الأيام إطلاق تحذيرات من أن يتحول الرئيس خاتمي عن نهج الدستور الحالي, ويؤكد عدد من أقطابهم انهم يعكفون للبحث في ثنايا الدستور على أية مواد تتيح لهم وضع (آلية مناسبة وفاعلة لإحصاء انحرافات الرئيس وعزله إذا ما استمرت تجاوزاته الدستورية). ذكر تقرير لمجلة (الإيكونومست) أن الإصلاحيين في إيران يواجهون هذه الأيام تحدياً كبيراً يتمثل في (العنف الشرعي) وأوضح التقرير أن الأكاديميين الذين يعودون من المؤتمرات الدولية هم عرضة للاتهام بالخيانة, مما يجعلهم زاهدين في قبول الدعوات للسفر أو للقيام بدورهم في إلقاء المحاضرات. والطلاب الذين خاضوا غمار المعترك السياسي في إيران منذ فترة طويلة,اضطروا إلى توخي الحذر حين رأوا أحكام السجن الجائرة تقع على زملائهم, مثل أحمد باتبي الذي شارك في احتجاج ينادي بالديمقراطية خلال الصيف الماضي. كما أن قسوة الشرطة وأعوانها (الباسيدج) في قمع مظاهرة أقيمت في الذكرى الأولى لهذا الاحتجاج جعلت العوام يتقاعسون عن دعم القضية. خروج عن الصمت الرئيس خاتمي وهو الذي عرف بالتزامه باستراتيجية (حرب المواقع) في صراعه مع خصومه السياسيين, وهي استراتيجية دفاعية تقوم على ردود الفعل ولا تأخذ بزمام المبادرة, كما لا تسعى لمواجهة الخصوم أو استباق سياساتهم, خرج عن صمته وتحدث في مقابلة صحفية الشهر الماضي عقب تدخل المرشد لوقف مناقشة قوانين الصحافة في البرلمان, عن (الأوضاع المؤسفة في إيران) وعن عجزه عن القيام بما يلزم لتغييرها, و(الضغوط القوية التي تمارسها مراكز بعينها) لإجباره على الاستقالة. وأعاد التأكيد على ضرورة القبول بالإرادة الشعبية وبحكم الدستور, ولكنه بين كيف يفتقر, وهو المسئول عن تطبيق الدستور, للوسائل اللازمة للقيام بذلك, وعبر بكلمة يائسة عن الخطوط الحمراء الكثيرة التي تقيد حركته قائلاً: كل ما بوسعي هو إبداء الملاحظات وإن مؤسس النظام الإسلامي خميني كان سيولي أهمية كبيرة لحكم القانون, وقبل كل شئ فإن إرادة الناس كما هي مثل حجة الدستور. وهو ما يعد إشارة واضحة من خاتمي إلى الدور السلبي الذي يلعبه المرشد علي خامنئي, وكيف وضع نفسه فوق إرادة الشعب عبر تدخله المستمر في عمل مؤسسات السلطة التشريعية والتنفيذية المنتخبة, وهذه اعترافات كبيرة وجريئة من قبل الرئيس خاتمي, يعتبرها البعض إلى جانب خطوة الإعلان عن ترشيح نفسه لفترة رئاسة ثانية, مقدمة لتصور جديد حول أساليب العمل في المرحلة المقبلة, بحيث يتخلى, في حال فوزه, عن استراتيجية (حرب المواقع) ويعمد إلى تجاوز (الهالة المقدسة) المحيطة بالمرشد الولي الفقيه. وفي الشهر الماضي شهدت مدينة خرم آبار عاصمة إقليم لورستان جنوب غرب إيران أحداثاً دامية بين الطلاب وقوات الشرطة و (الباسيدج) أسفرت عن مصرع شرطي وإصابة نحو مئة شخص, مما دفع مكتب تعزيز الوحدة الطلابي إلى توجيه نداء غاضب إلى المرشد خامنئي لإعلان موقفه من العنف الرسمي الذي ساد مدينة خرم آبار, وقال عضو اللجنة المركزية للمكتب مهدي مانوتشهري خلال مؤتمر صحافي (نأمل أن يفصح المرشد عن موقفه إزاء القوى العنيفة) التي عملت في خرم آبار والتي (تنضوي تحت رايته). وقد أعرب مسئولون مقربون من الرئيس خاتمي عن قلقهم من أن يلجأ متطرفون من الجانبين لإسكات صوت الاعتدال وإحباط المشروع الإصلاحي وإعادة الاستبداد إلي إيران. ويبدو من الأحداث أن وجهة نظر هؤلاء المسئولين جديرة بالتأمل, ولاسيما أن متشددي التيار المحافظ الذين يعتقدون أن خاتمي يختبئ خلف شعارات فضفاضة ويتجه بالبلاد عمداً أو بحسن نية, للتحول إلى اتحاد سوفييتي آخر, وأكدوا خلال وقائع خرم آبار أنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي وسوف يتحركون مهما كانت النتائج. وتأسيساً على تلك المواقف يذهب البعض إلى أبعد من ذلك ويرون أن متشددي المحافظين يخشون عدم التزام خامنئي بنهج المواجهة, وبات بعضهم يشير إلى إمكانية تغييره بمرشد آخر إذا لزم الأمر, وأصبحوا يتحدثون عن مرضه(السرطان) الذي سبب عدم قدرته على اتخاذ قرارات مصيرية, وأن المرض أصبح يسير به نحو التقلب وعدم الاتزان. وقد أشارت أنباء صحفية إلى خطوة مجلس الخبراء بتعيين رئيس السلطة القضائية محمود هاشمي شاهرودي نائباً للمرشد, وهو ما يعزز نية المحافظين تغير خامنئي إذا لزمت الأمور الداعية إلى تصعيد المواجهة ضد الإصلاحيين. خيار الانقلاب ثانياً:العلمانية وخيار الانقلاب على الثورة الإسلامية. ظهر منذ عدة أشهر تقرير حكومي صادر عن مسئول ثقافي في بلدية طهران يتضمن نسباً مخيفة عن بوادر الانحلال في صفوف وفئات الشعب الإيراني ومدى تمسكه بتعاليم الإسلام. ومؤخراً ذكرت الصحف الإيرانية أن شخصاً يدخل السجن في إيران كل 59 ثانية, بسبب ارتفاع معدلات الجريمة, حتى أن رئيس السلطة القضائية شهرودي اعتبر أنه لا ينبغي الحكم بالسجن إلا في أخر المطاف للتخفيف من تكدس السجون, وفي منتصف شهر سبتمبر الجاري سمحت وزارة التعليم الإيرانية لأول مرة لتلميذات المرحلة الابتدائية التي تتراوح أعمارهن بين 9-11 عاماً بعدم ارتداء غطاء الرأس داخل المدرسة, إلى جانب السماح لهن بارتداء معاطف ملونة. وهذا القرار قد لا يعني بطبيعة الحال الكثير للمرأة الإيرانية. غير أنه ليس كذلك على الإطلاق من وجهة نظر المحللين, الذين يعتبرونه أحد (بوادر ثورة اجتماعية تشهدها إيران), إذ يعبر عن تنامي قوى الضغط المجتمعية العلمانية التي تطالب بمزيد من التحرر من (القيود الإسلامية) بنظرهم. ومنذ عدة أسابيع أعاد البرلمان الإيراني النظر في القوانين التي تنظم زواج القاصرين, واقترح بعض النواب الإصلاحيين تعديلاً يقضي بضرورة موافقة القضاء على زواج أي قاصرين يقل عمر الفتاة فيه عن 14 عاماً والشاب عن 17عاماً, إلا أن عددا من النواب المحافظين اعترض بشدة على ذلك الاقتراح مؤكداً أن الزواج المبكر يمكن أن يحول دون (الفساد الأخلاقي) المنتشر بين الشباب الأكثر تأثراً بالأزمة الاقتصادية والبطالة من سواهم. هذه الأنباء وتلك تشير إلى تعرض المجتمع الإيراني لتغيرات قيمية وأخلاقية يحسب لها السياسيون حساباً. وواقع الأمر أن هذه التغيرات تأتي مواكبة لتغيرات أخرى في القيم والقناعات السياسية لدى الإيرانيين, يصفها البعض أنها في اتجاه العلمانية والانقلاب على مبادئ الثورة الإسلامية والدولة الدينية وحكم الفقهاء. ويعللون ذلك بيأس الجماهير من حدوث التغيير السياسي الذي ينشدونه تحت مظلة من داخل المؤسسة الدينية نفسها على يد الرئيس محمد خاتمي, على اعتبار أن الإصلاحيين الذين يمثلهم خاتمي وصلوا إلى كل المواقع والسلطات التي يخولها الاقتراع العام ويسمح ببلوغها, من دون أن يتمكنوا من تطبيق الإصلاحات التي ما انفكوا يعدون الناس بها, وبالتالي فإن النظام الحالي (الجمهورية الإسلامية وولاية الفقيه) لا يسمح بالإصلاحات السياسية اللازمة, أو بمعنى آخر هو غير قابل للإصلاح أساساً تماماً كالميت الذي لا يصلح علاجه . ثالثاً: إقامة حوار بناء بين الإصلاحيين والمحافظين. مع قسوة الخيارين السابقين والطفرات الخطيرة التي قد تترتب على تبني أحدهما, فإن عدداً غير قليل من أقطاب الاتجاهين الإصلاحي والمحافظ, عمدوا إلى تهدئة التوتر الذي تشهده الساحة السياسية الإيرانية من خلال دعوات متعددة تصب كلها في اتجاه إقامة حوار بناء وتحجيم المتطرفين من كلا الجانبين, مع التركيز على الأمن وتجنب رفع سقف مطالبات الجمهور لتسير في دائرة النظام والدستور, ولاسيما بعد أن دخل الشباب وتحديداً قطاع الطلاب الحيوي على خط الصراع وبقوة. وبصفة عامة يعتقد خبراء الشأن المحلي في إيران أن ملامح المستقبل تتحدد طبقاً لطبيعة الخطوات التي سيتخذها عقلاء الطرفين في الأيام المقبلة, وبالتحديد طبقاً للنتيجة التي سينتهي إليها النقاش الحالي حول من يمسك بخيط الشرعية في البلاد(الأمة أو رأي الفقيه) وليس بالضرورة أن يكونا متقابلين. ولكن لو تقابلا ينبغي تطوير آلية دستورية للفصل في هذا الموقف بما لا يتسبب في تصعيد الأمور واتجاهها نحو الانفجار. على أن يلتزم اللاعبون الكبار الذين يمارسون أدوارهم في السر والعلن بقواعد اللعبة بعيداً عن المصالح الشخصية والفئوية لتفويت الفرصة على أعداء البلاد الذين ما انفك المرشد والرئيس يحذران الشعب الإيراني من مؤامراتهم. الكويت ـ المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية: