رغم انه بدا متفائلا من المستقبل في ظل الوحدة الالمانية, الا انه لم يستطع تجاهل الواقع الذي تفيد مؤشراته بان الوحدة بين الالمانيتين عبء كبير فقد سقط الجدار وبقي ظله ثقيلا في نفوس الالمان. بدا الالمان في ذكرى الوحدة الالمانية التي مرت بقليل من الضجة في الثالث من اكتوبر الماضي, اقل حماسا للاندماج في احتفالات عشرية, واقل تفاؤلا.ظلال كثيرة تلقي بثقلها في عالم الوحدة الالمانية اولها اقتصاد منهار لم يتحسن منذ عشرة اعوام وآخرها عنف النازيين الجدد المتزايد. كيف نقرأ الواقع الالماني في ظل واقع محبط وآمال عريضة, فهناك انقسام وفجوة كبيرة بين مايريده الشعب الالماني وبين ما تريده حكومته, وكيف يسوق المحللون لمعركة الرايخ ضد دوافع الانفصال من جديد, وضد الرافضين للاندماج في الوحدة الاقتصادية الاوروبية؟ في البداية لابد من المرور بجدار برلين الذي كان يمثل العنوان الابرز للحرب الباردة, لقد بقي هذا الجدار قائما قرابة نصف قرن, وكان شكلا من اشكال العلاقة بين الكتلتين صاغه حلف وارسو والناتو . قيام الجدار لم يكن يشكل التنافس العالمي للعسكرة, لكنه كان احد عناصره المهمة, يبلغ طول الجدار الذي تهدم في حمى انهيار القطب الشرقي السوفييتي 43 كيلومترا, وكان يجسد القطيعة بين الشرق والغرب ممثلا في بوابة برانديبورج, وجسد سقوطه فيما بعد نهاية الحرب الباردة, وانهاء القطيعة وبدء مرحلة جديدة في العلاقات الدولية والانفراجات السياسية في بلدان الشرق السوفييتي. توحيد المانيا تبعه تداعي بلدان الكتلة الاشتراكية واحدة بعد الاخرى, لكن الخوف لم يكن من تداعي هذه البلدان بل كان من اعادة توحيد المانيا وعودة القوة لها, واعادة كتابة التاريخ او استرجاعه, فالغربيون لا ينسون ان المانيا الموحدة قبل بناء جدارها الفاصل بين كتلتيها, افرزت هتلر, لقد اعتادوا حدوث زلزال كلما اعادت المانيا توحيد شطريها. الذين دعوا للحذر من اعادة التوحيد كانوا يضعون في اعتبارهم ان الكتلة الالمانية الغربية سجلت ثاني اكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة, بينما كان شرق المانيا او الكتلة الالمانية الشرقية يسجل تدنيا وضعفا اقتصاديا لكنه يسجل اكثر وجود وقوة جهاز استخباراتية تقف في الصفوف الاولى امام نظرائها. وبشكل ادق كان الخوف من عودة النازية الى جميع الدول الكبرى فكانت الشروط الصعبة التي وضعت فيها المانيا الغربية ممثلة بعدم تشكيل جيش لها كباقي الدول تعبيرا عن هذا الخوف. سقوط الجدار البرليني لم يخلق اجواء ايجابية كما وعد الرأسماليون ومبشرو النظام العالمي الجديد. تداعيات الوحدة الالمانية بعد عشر سنوات يمثلها عدم المساواة بين المقاطعات الغربية والشرقية, وبروز قوى عنصرية ونازية جديدة في المقاطعات الشرقية تمثلت في وصول الاحزاب القومية المتطرفة ذات النزعة الهتلرية الى مجالس بلديات وبرلمانات مقاطعات عدة في البلاد. عبرت هذه الاحزاب عن اهمال النظام السياسي الذي اخطأ التقدير وفق مصادر صحفية واستراتيجية كثيرة ــ في حجم الاستثمار المطلوب لاعادة تأهيل شرق البلاد ودمجها في النظام العام. النزعات المتطرفة لم تتوقف عند حد انتقاد النظام السياسي بل تطورت الى موجات عنف مميت شكلت ظاهرة دعيت بالتطرف اليميني, ونجد وزير خارجية المانيا يشير اليها ويعترف بها في مجلة ديرشبيجل قائلا: (يجب علينا ان نعمل على ايقاف ممارسة العنف ضد الاجانب وضد اولئك الذين يختلفون في اشكالهم عنا وهذا هو المقياس). الازمة التي تتسم بالعنف والطرف اليميني, تغري اسبابها, على الاقل وفق مصادر المانية ــ الى عدم قدرة الحكومة الحد من البطالة التي تصل في معظم الولايات الشرقية الى 14%, وبالتالي فان المتطرفين لايريدون رؤية الاجانب في بلادهم, ولذا فهم يرفعون شعارات عنصرية تدعو بوجوب ان تكون المانيا للالمان فقط. ورغم تأكيد المستشار الالماني جيرهارد شرويدر على ان (الحائط لم يسقط في بون او واشنطن او موسكو, بل اسقط في الشوارع وخاصة من الشرق الى الغرب), لكن الواقع يؤثر ان الجدار مازال قائما في نفوس الالمان شرقيين وغربيين, وحقيقة ان المانيا لم تستطع ان تنتشل اقتصاد الشرقيين تمثل حاجزا في نفوسهم يؤثر انهم مازالوا اضخم المشاكل في التنمية الاقتصادية. اندماج .. ولكن! يفيد الدارسون ان المستشار الالماني السابق هيلموت كول كان قد تجاهل تحذيرات خبراء سياسيين واقتصاديين نبهوا من محاولة استيعاب دولة شمولية متهاوية كألمانيا الشرقية, لكن كول اسرع بخطى الوحدة واعدا بالازدهار في الشرق الالماني وهو ما فشل في تحقيقه. والذي ورثه المستشار الالماني شرويدر المنتمي للحزب الاشتراكي الديمقراطي كان عبئا ثقيلا اثقل الاقتصاد الالماني, فقد كانت هناك ضرورة لاعادة بناء البنية التحتية المتدهورة في المانيا الشرقية, وهذا ما ساهم في اضعاف البلاد بأكملها. حاولت الحكومة الالمانية بشكل جدي ازالة رواسب الماضي وخاصة السنوات التي خلفت وراءها هوة ثقافية وحضارية بين شطري الالمانيتين نظرا لاختلاف النظام السياسي الذي طبق في كل منهما. وقد كان من تبعات الوحدة ارتفاع نسبة البطالة الى اعلى معدل لها بعد الحرب العالمية الثانية, بل ان نسبتها في المانيا كانت اعلى المستويات في اوروبا باكملها, اذ طالت اربعة ملايين شخص. استنفذت الوحدة الاموال الحكومية الى درجة ان الالمان وجدوا انفسهم يدفعون مبالغ باهظة جدا للمساهمة في استحقاقات الدعاية الاجتماعية, وازداد سخط الغربيين للشرقيين بسبب تأثيرات الوحدة السلبية. شرق المانيا لم تجد معها محاولات النهوض بها, فقد بقيت متخلفة وهو ما انعكس في التراجع الواضح لحزب كول في المانيا الشرقية حتى سقط صانع الوحدة بسقوط الجدار. ويرى خبراء السياسة ان اداء السياسة الداخلية الالمانية والاقتصاد الالماني لم يرتفعا على مستوى نجاح السياسة الخارجية والدبلوماسية الالمانية, بل ان المانيا تعاني من تهديدات فعلية للاستقرار السياسي. يضاف الى ذلك ان الائتلاف الحاكم يعاني منذ اواخر 1998 من تناقض مستمر في اصوات ناخبيه سواء في البرلمان الاوروبي او في انتخاباته الداخلية واستطلاعات الرأي. وتتضارب الآراء في حيازة تقدم او حصول تراجع بمشاريع الوحدة الالمانية, فهناك تيار يرى ان تجربة الوحدة حققت الكثير من اسباب استمرارها, فقد تنامت القدرات الاقتصادية وتعاظم الدور الالماني سواء على الصعيد الاوروبي او العالمي. الذي يمكن تأشيره على الصعيد السياسي ان المانيا لم تعد القوة الاوروبية المهيمنة بعد ان انكفأت على مشاكلها الداخلية, كما انها فشلت حتى اليوم في الحصول على مقعد في مجلس الامن رغم كل محاولاتها ومحاولات اوروبا التطبيع معها. ويؤثر الدارسون ثلاث نقاط رئيسية دعت اليها الوحدة الالمانية لكنها فشلت في تحقيقها, وكان واحدا منها على الاقل سببا في عدم تخطي المشروع الوحدوي سلبياته. * اولها ان الوحدة التي عدت من عجائب الاقتصاد, تجاهلت مخاطر التحول الاقتصادي المباشر بدون المرور بمراحل تدريجية فقط وعدت الوحدة بانتشال المانيا الشرقية وتخفيف مشاكل اربعين سنة من الحكم الاشتراكي, لكنها فعلت ذلك باموال الضرائب. وثانيا: وعدت الوحدة بالحرية الاجتماعية وتمثلت باسقاط جرائم الحرب ماعدا ضد مجموعة معينة, وقد كان السبب في ذلك ان الكثير من مجرمي الحرب الذين يسمون بالنازيين يسيطرون على معظم المصانع وادارات المدن اضافة للجامعات والمحاكم, ولذا منهم مازالوا قادرين على العمل بنشاط وهذا ما تجاهلته حكومة الوحدة وافرز تنامي التطرف اليميني. وثالثا: ان السلطة الاقتصادية كانت في المانيا الشرقية سابقا تتركز في يد الدولة بمعنى ان الحكومة كانت مركزية, لكن المانيا الاتحادية تجاهلت هذه الحقيقة وحاولت ضم مركزية الشرقيين تحت جناح لا مركزية الغربيين وهو ما اسماه الخبراء (الاندماج الايديولوجي) الذي لم يحقق نجاحا وكان سببا في مشاكل كثيرة اخطرها الاقتصاد والنازية الجديدة. بقلم: لهيب عبد الخالق