لا يمكن لاحد تجاهل مناضلة الالمان لانعاش الوحدة التي تخنقها سلبياتها, ويحسب هذا النضال لصالح الالمان الذين يسعون لتحديد دورهم في اوروبا الجديدة والعالم الجديد. نقطتان تثقلان الفيدرالية الالمانية او لنقل جمهورية الوحدة, وهما التطرف اليميني والتضخم الاقتصادي, ولكي نفهم المعوقات التي تواجه استمرار الوحدة ينبغي التعرض لهما. التطرف اليميني الذي اشرنا له, يأخذ معنى خطورته من العنف الذي يوجهه اليمينيون للاجانب, وذكرت تقارير الشرطة الالمانية ان مابين 10 ــ 15 حادث اعتداء يسجل ضد الاجانب بشكل يومي, مما يثير المخاوف من تصاعد العنف الى عنف مسلح. ويعزي المحللون تزايد الاعتداءات ضد الاجانب بتزايد عدد الاجانب بوجه عام, فبينما بلغ عدد سكان المانيا 8.81 مليون نسمة قفز عدد الاجانب الى 2.7 ملايين شخص معظمهم من الدول النامية. واسباب ازدياد الهجرة الى المانيا مرتبطة بتفكك المعسكر الشرقي, الا ان اكبر مجموعة بين الاجانب في المانيا هم الكتلة التركية ويقدر عدد افرادها بـ 014.2 مليون تركي. وفي احصائية نشرتها الصحف الالمانية نجد ان 50% من الاجانب يعيشون في المانيا منذ عشرة اعوام ويقيم معظمهم في الجزء الغربي من المانيا. تقوم سياسة المانيا تجاه الاجانب وفق مفوضة الحكومة الاتحادية لشئون الاجانب كورنيلياجاكوبسن على مبدأين اساسيين: * توطين العمال الاجانب الذين يعيشون بصورة دائمة ومساعدتهم وافراد اسرهم على الاندماج في المجتمع الالماني. * الحد بشكل قاطع من مجيء المزيد من الاجانب من خارج بلدان الاتحاد الاوروبي. ويلاحظ ان الزيادة هذه في حجم الاجانب زادت من نسبة البطالة وزادت دوافع العنف الفردي قبل الجماعي لدى النازيين الجدد الذين لم يتورعوا على اقامة مناطق محظورة على الاجانب والاقليات. ولا يزال سوق العمل في برلين يعاني من التوتر الامر الذي اضطر ادارة المدينة على سبيل المثال بيع (ادوات المائدة الفضية) لتقليص الديون الضخمة المتراكمة عليها, وهو تعبير يطلق على بيع ممتلكات حكومية وشركة الطاقة لتجميع الاموال. ويرى المحللون ان مشكلة الاندماج مازالت تلقي بظلالها على الشطرين فبينما ينطلق الغربيون الى الشطر الشرقي المفعم بالحياة من منطلق حب الاستطلاع والتعرف على مراكزها السياحية والصناعية, يبقى العديد من سكان برلين الشرقية مترددين بشأن زيارة غرب المدينة. خمسون عاما من الانقسام والايديولوجيات السياسية المتضاربة خلفت علامات راسخة على اهالي الشطرين, رغم ان الجميع يتفقون على ان برلين هي اكثر مدن المانيا وربما اوروبا اثارة, فهي مركز جذب للشباب الذي يأتي اليها مندفعا للحياة وينتهي فيها ممتطيا حصان العنف والعنصرية النازية. التحول الاقتصادي وآثاره على الرغم من اعتقاد الاقتصاديين بان المنطقة قد تخلصت من الكثير من متاعبها الاقتصادية التي عانت منها في منتصف التسعينيات, الا ان بوادر ضعف هذا الاقتصاد لا تزال واضحة. ومع النمو القياسي الذي شهده اقتصاد غرب البلاد والذي اسفر عن نمو وصل في النصف الاول من هذا العام الى 3.3%, الا انه لا يمكن ان يشكل نقلة نوعية في تخفيض حجم الديون واسعاف الاقتصاد الالماني. وفي دراسة اعدها معهد المانيا للدراسات الاقتصادية ومقره برلين, توقع الدارسون ان انتعاش الجزء الغربي من البلاد سيساعد نمو الجزء الشرقي بنسبة قد تصل الى 75.2% في اواخر عام 2000. عمدت حكومة المانيا الاتحادية منذ الوحدة على بناء الشرق الالماني, فاخذوا يضعون نحو 150 مليار مارك ( 66 مليار دولار) سنويا في محاولة للحيلولة دون تحول اجزاء كبيرة من البلاد الى فناء خلفي. وجاء ارتفاع الضرائب كجزء من المشاكل الاقتصادية التي نجمت عن الوحدة, فبفضل ضريبة اضافية على الدخل عرفت بضريبة التضامن والتي جمعت الاموال بهدف (اعادة بناء الشرق), نجحت الحكومة بجمع 20 مليار دولار وهو ما يعادل وفق تقارير صحفية, واحد في المئة من الاستهلاك الخاص. بعض مدن شرق المانيا نجحت في اخراج نفسها من حطام النظام الشيوعي ووجدت لنفسها مكانا على طريق الانتعاش الاقتصادي لكن البعض الآخر مازال يعاني عزلة حقيقية وتدنيا اقتصاديا مخيفا. وترى مصادر كثيرة ان الشرق الالماني وجد لنفسه منفذا الى الغرب الالماني عبر ثورة اقتصادية تمثلت في تجاهل قانون توحيد الاجور في شطري البلاد حتى اصبحت 75% من الشركات القائمة في الشطر الشرقي تحدد الاجور بما يناسبها وليس في اطار القانون العام. وهذا ما قلده الشطر الغربي فاصبحت نحو 50% من شركات الغرب تحدد الاجور خارج اطار الترتيبات التقليدية. الشرق الالماني لم يقف مكتوف الايدي امام تداعي احلام الاندماج الاقتصادي فدفع باتجاه تحرير قوانين ساعات العمل, وهو ما اعطى دفعة خفيفة في اطار النمو الاقتصادي البسيط. خبراء الاقتصاد يشيرون الى مؤشرات عودة الاقتصاد الالماني للتضخم الى حدوده قبل عام 2000 والتي بلغت 3.91 مليار مارك, بسبب تضخم اعباء الوحدة الالمانية. فعدد العاطين عن العمل رغم انه تناقص بنسبة 5.4% الا انه مازال كبيرا ويبلغ مقداره 26.3 ملايين شخص في اواخر يونيو لهذا العام. وتشير التقارير الى ان الاعباء المالية بلغت هذا العام في المانيا 9.82 مليار مارك يتوقع الالمان ان يعملوا على تخفيضها في عام 2001 الى 8.79 مليار مارك رغم تحذيرات وزارة المالية الالمانية من انها قد تعود الى معدلها السابق المرتفع. ورغم الارقام المحبطة هذه لكن بالامكان القول ان الالمان استطاعوا بناء قاعدة جيدة, لكنهم يواجهون مشاكل اقتصادية حقيقية فبينما تبلغ البطالة المعلنة 17% في شرقها و 4.7% في غربها يصل حجم البطالة المقنعة الى 30% في الشرق الالماني. عمليات البناء والاعمار التي شهدها الشطر الشرقي من المانيا صنع جنة شرقية لكنها جنة غير مدعومة الاقتصاد, ورغم ذلك فان الالمان قد قطعوا عشر سنوات صعبة, وهم يضعون امامهم ــ اذا استمر معدل النمو هذا فعلا ــ ست الى ثماني سنوات لتتحول المانيا الى دولة كبرى فتلحق بالصين والولايات المتحدة, وهو حلم برليني قد يدمره التطرف اليميني الذي تخشاه اوروبا كلها, وقد يرفعه مرة اخرى الامل بالمانيا عظمى جديدة. العنف والاقتصاد في المانيا اذن معولان قد يهدمان مرة اخرى الوحدة الالمانية ويقيمان جدارا لن يتمكن احد من هدمه اذا اراد لها اعداؤها ان تضعف مرة اخرى.