في كلمته التي افتتح بها القمة العربية امس حمل الرئيس المصري حسني مبارك بعنف على اسرائيل متهما اياها بايصال عملية السلام الى (مأزق بالغ الصعوبة). وقال ان (حجم التوقعات العربية من هذه القمة كبير لكن مهمتنا كقادة في هذه الامة هي ان نمضي في الطريق الذي يحقق مصالحها ويكفل استقرارها ويحميها من الاستسلام للمواقف الانفعالية). وشدد الرئيس المصري على ان كل الاطراف تعي ان (الخيار الوحيد هو سلام عادل ومتكافىء). وقال (لن يكون بعيدا ذلك اليوم الذي تقوم به الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس على ترابها الوطني وارضها المحتلة). وقال (لن يكون بعيدا ذلك اليوم الذي يتحقق فيه السلام على المسارين السوري واللبناني بعودة اسرائيل الى حدود يونيو 1967). وفيما يلي نص الكلمة التي خصص جزءا منها للدفاع عن عقد قمة شرم الشيخ واستعراض نتائجها.. اصحاب الجلالة والفخامة والسمو السيد الامين العام لجامعة الدول العربية السيدات والسادة يسعدنى ان ارحب بكم فى افتتاح اعمال مؤتمر القمة العربى, وان اشكركم على استجابتكم الفورية لدعوتى لهذه القمة, تلك الاستجابة التى اكدت مدى حرصكم على دعم وتعزيز العمل المشترك فى مواجهة التحديات العاتية التى تعترض طريقنا وفى مقدمتها التحديات الخطيرة التى تواجه عملية السلام فى الشرق الاوسط. وأود ان أبدأ كلمتى بان اشير الى الخسارة الفادحة التى لحقت بالامة العربية منذ انعقاد قمتنا الماضية عام 1996 والمتمثلة فى رحيل اربعة من رجالات العمل العربى المشترك الذين تركوا بصمات واضحة على مسيرة العمل العربى وهم جلالة الملك الحسين بن طلال عاهل المملكة الاردنية الهاشمية وصاحب السمو الشيخ عيسى آل خليفة امير دولة البحرين وجلالة الملك الحسن الثانى ملك المملكة المغربية وفخامة الرئيس حافظ الاسد رئيس الجمهورية العربية السورية رحمهم الله جميعا وطيب ثراهم. وعندما اشير الى خسارتنا برحيل هؤلاء القادة فانى ارحب فى نفس الوقت بالقادة العرب الجدد المؤمنين بعدالة قضيتهم وبضرورة تنسيق الجهود العربية فى هذه المرحلة الدقيقة من التاريخ العربى والدولى والحرص على تعزيز عملنا المشترك ومسيرتنا الواحدة, ومضاعفة قدرتنا على مواجهة التحديات.. كما ارحب برئيس جمهورية الصومال بعد غيبة طويلة لهذا البلد الشقيق عن اجتماعاتنا ونتمنى لبلده الشقيق الامن والاستقرار. أصحاب الجلالة والفخامة والسمو ان انعقاد هذه القمة يسجل علامة هامة فى مسيرة العمل القومى ويعبر عن بداية مرحلة جديدة من مراحل تاريخنا القومى ويعكس حيوية أمتنا العربية وقدرتها على مواجهة كافة الظروف المتغيرة والتصدى لكل التحديات.. فلقد حملت الاسابيع الماضية معها اختبارا صعبا لمسيرة السلام منذ أن تصدى الشعب الفلسطينى الشقيق للاعمال الاستفزازية التى سعت الى ترويعه وانتهاك حقوقه والاعتداء على مقدساته ومقدسات كافة الشعوب العربية والاسلامية فى وقت كنا نسعى فيه جميعا لتحقيق سلام عادل وشامل وفقا لقرارات الشرعية الدولية وتطبيقا لمبدأ الارض مقابل السلام, وبدلا من أن تمضى مسارات السلام بين الاطراف نحو التسوية السلمية.. فوجئنا بما يهدد باجهاض تلك المسيرة والعودة بالمنطقة الى أجواء العنف واليأس والفوضى. وقد حان الوقت الذى يجب أن تدرك فيه جميع الاطراف خاصة اسرائيل أن السلام هو الوضع الطبيعى لحياة البشر والسبيل الوحيد لتنمية الشعوب وتقدم الامم وان القهر لايصنع أمنا وان العدوان لاينتج سلاما وان السلام الثابت المستقر يجب أن يكون عادلا ومتكافئا محققا للتوازن بين حقوق الاطراف والتزاماتهم.. فبذلك وحده يتوفر للسلام عنصر الرضى الجماهيرى العام والقبول العربى الذى يتوارثه جيل عن جيل وبذلك يصبح وضعا راسخا لايهتز ولايتزعزع.. أما السلام الذى يتحقق بالقوة والقهر والغضب فانه يكون هشيما سرعان ما تذروه الرياح. ونحن هنا فى هذه المنطقة من العالم قد عانينا لسنوات طويلة من اثار الصراع العربى الاسرائيلى وتداعياته المختلفة واخترنا السلام الشامل القائم على العدل والحق طريقا للمستقبل وسبيلا للنهوض بدول المنطقة. ولكن يجب أن يكون مفهوما أن السلام يتطلب ارادة مشتركة ولايمكن أن يتحقق من جانب واحد وان الامن حق لجميع الاطراف بنفس القدر وانه لا توجد قوة على ظهر الارض تستطيع أن تغتصب حقوق غيرها وتضم أرضهم ثم تتشدق بالسلام وتطالب بالامن لها وحدها كما لو كانت حقوقها متفوقة على الحقوق العربية أو تحتل مرتبة أعلى منها. ولقد قطعنا نحن العرب أشواطا كبيرة لتحقيق السلام عبر مسيرة استمرت لسنوات طويلة.. ولكن يبدو أن بعض الدوائر فى اسرائيل أساءت فهم الموقف العربى ولم تقدره حق قدره وتصورت أن الاوضاع الدولية الراهنة تسمح بابتلاع حقوق الغير واحتلال أراضيه والاستخفاف بمعتقداته وترويع أبنائه. ونحن اذ نلتقى اليوم فى هذه القمة العربية فانما نجسد نبض الشارع العربى فى كل مكان ونعبر عن الغضب العارم المبرر الذى انتاب الشعوب العربية والاسلامية كلها بغير استثناء للاعتداء على مقدساتها. ونحن هنا للتعبير عن ارادة شعوبنا ومشاعرها وعن ضمير الامة ووعيها الجماعى فهى صاحبة الحق فى اصدار القرار وتحديد المسار.. ولاشك أن تلك الاعمال والممارسات الاسرائيلية تضع قضية السلام فى مأزق بالغ الصعوبة ومحنة حقيقية لان سياسة العقاب الجماعى وعزل المدن واغلاق المعابر وترويع المدنيين الابرياء وقتل الاطفال العزل واطلاق العنان للمستوطنين المتطرفين المزودين بالاسلحة الفتاكة من أجهزة الدولة الرسمية.. كل هذه ممارسات طائشة تعبر عن جنوح مستهجن نحو قرار استفزازى مرفوض جملة وتفصيلا وأسلوب عدائى ننبه الى أثاره الوخيمة ونصر على ضمان عدم تكراره تحت أى ظروف لانه سلوك يهدد السلام فى الصميم ويبدد ثقة الشعوب العربية والاسلامية بل وكثير من الشعوب الاخرى فى نوايا اسرائيل.. تلك الثقة التى تعتبر عنصرا لازما لاغنى عنه لتحقيق السلام والنظر الى المستقبل بتفاؤل واستبشار. اننا نرى ان الخيار بين سلام منقوص غير متكافىء او العودة الى اجواء العنف ومناخ التوتر يمثل معادلة ظالمة لاتمهد لمستقبل افضل, ولا تفتح الطريق امام التعايش الامن الذى نسعى اليه اذ ان هناك خيارا اخر يسبق غيره وهو خيار السلام المتكافىء الذى يقوم على العدل ويتصف بالشمول ومن ثم يحمل مقومات الدوام والبقاء.. ولسنا نقول ذلك من فراغ فتجارب الامم وتاريخ الشعوب يؤكدان ان التسويات التى لم تتوفر لها عناصر العدل والتوازن والتكافؤ لم تدم طويلا بل كان وجودها مزعزعا يفتقر الى الثبات والاستقرار. اصحاب الجلالة والفخامة والسمو. لقد حاولنا فى الاسابيع الماضية ان نتحرك فى اتجاهين متوازيين يهدف احدهما الى ايقاف نزيف الدم المتدفق فى الارض الفلسطينية المحتلة اما الاخر فيسعى الى اعادة الاوضاع التى كانت قائمة قبل انتهاك حرمة المسجد الاقصى واندلاع الانتفاضة الفلسطينية الاخيرة وتداعيات المواجهة الدامية فى القدس والضفة الغربية وغزة. وقد انصرفت جهودنا من خلال مشاورات مكثفة مع الاشقاء العرب واتصالات مستمرة مع الادارة الامريكية والاتحاد الاوروبى وامين عام الامم المتحدة حتى جاءت قمة (شرم الشيخ) محاولة اخيرة لانقاذ الموقف ووقف نزيف الدم الفلسطينى الطاهر واستعادة الهدوء فى الارض الفلسطينية المحتلة. وكان من نتائج مداولات مؤتمر شرم الشيخ فك الحصار على المدن والقرى والطرق الفلسطينية الموصلة بينها وفتح المعابر وسحب القوات الاسرائيلية وترسانة اسلحتها التى انتشرت فى كل مكان وتشكيل لجنة دولية لتقصى الحقائق.. وكلها اهداف كنا نسعى اليها ونعمل على تحقيقها تمهيدا للعودة الى طريق التسوية السلمية المشرفة من جديد. ولقد كان من نتائج تلك القمة ان تحددت مواقف الاطراف بوضوح واصبحت الرؤية كاملة امام الجميع قبل لقائنا هذا الذى ينعقد فى ظل تلك الظروف البالغة الدقة فى حياة امتنا والحاسمة فى تاريخ الصراع العربى (الاسرائيلى كله وهو مايلقى علينا مسئولية تحديد طريقنا نحو المستقبل على ضوء خبرات الماضى واحداث الحاضر والطموح الى مستقبل اكثر امنا واستقرارا). وهنا أرجو ان تسمحوا لى فى مستهل اجتماعات هذه القمة ان أوكد من جديد التزامنا الكامل بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى الصامد. وان أحيى نضاله العادل وأن نترحم جميعا على شهدائه الذين دفعوا حياتهم فى مواجهة غير متكافئة للحفاظ على مقدساتهم وحقوقهم.. فضلا عن التضحيات الجسيمة والخسائر الضخمة التى تكبدوها منذ أن بدأت الاحداث الدامية الاخيرة. وقد حان الوقت الذى نقول فيه لاسرائيل بكل صراحة ووضوح وبكل اكتراث بالسلام ومستقبل التعايش والاستقرار فى المنطقة ان ما جرى قد أدى الى اهتزاز ثقة الشعوب فى جدوى عملية السلام وترك اثارا سلبية تحتاج الى معالجة تبرهن بها اسرائيل على رغبتها الحقيقية فى التعايش مع جيرانها وفى مقدمتهم الشعب الفلسطينى فى ظل سلام لا تهدده التصرفات غير المسئولة او الانتهاكات المستمرة او الاستهانة بحقوق الاخرين او التفكير فى ترويع شعب بأكمله واشعاره بأنه مازال يعيش تحت وطأة الاحتلال والتسلط. ان استجابتكم لدعوتنا لهذه القمة قد جاءت نتيجة الاحساس الجماعى بالمخاطر الحقيقية التى تتعرض لها المنطقة كما انها جاءت ايضا استجابة طبيعية لرغبة الجماهير العريضة على امتداد خريطة وطننا العربى الكبير.. لذلك فاننا نتحمل عبئا تاريخيا فى الخروج بالمنطقة من هذا المأزق, والسعى من جديد لانقاذ عملية السلام, بل اننى أظن أن الحاحنا من أجله وسعينا اليه يبدو الان أكثر أهمية من أى وقت مضى. ونحن نعلم أن حجم التوقعات العربية من هذه القمة كبير كما أن سقف التطلعات اليها يبدو عاليا, ولكن مهمتنا فى النهاية كقادة لهذه الامة هى أن نمضى فى الطريق الذى يحقق مصالحها ويكفل استقرارها ويحميها من الاستسلام للمواقف الانفعالية فنحن جميعا غاضبون وممتلئون بالمشاعر التى نجمت عن تراكم الاحداث ولكننا فى الوقت ذاته ندرك ان قضية الصراع العربى الاسرائيلى طويلة ومعقدة وأننا كلما قطعنا اشواطا نحو التسوية السلمية نجد الامور تزداد صعوبة والمفاوضات تزداد مشقة وتعقيدا. ولذا يظل من المتعين علينا (كأصحاب حق) ان نمضى عبر الطريق الطويل نحو حقوقنا المشروعة, لا تصرفنا عنها محاولات جامحة او استفزازات عابرة لأن الحق فى النهاية هو الذى ينتصر. ونحن أمة تملك من تاريخها الطويل وتراثها الضخم وامكاناتها الهائلة ما يمكنها من تصويب الطريق وتصحيح المسار, ومن أن تمضى نحو غاياتها العادلة وحقوقها المشروعة, ولن يكون بعيدا ذلك اليوم الذى تقوم فيه الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس على ترابها الوطنى وأرضها المحتلة, كما انه لن يكون بعيدا ذلك اليوم الذى يتحقق فيه السلام على المسارين السورى واللبنانى بعودة اسرائيل الى حدود الرابع من يونيو عام 1967. وهنا أقول لاسرائيل بكل الوضوح ان عليها أن تدرك أننا لا نستطيع قبول أى تسوية الا اذا كانت عادلة منصفة.. كما أننا لايمكن ان نرضى بأى سلام الا اذا كان شاملا.. كما أننا نريدها أن تدرك ايضا ان الامة العربية عندما اختارت طريق السلام فقد فعلت ذلك على اساس التزام اسرائيل بنفس الهدف وطبقا للقواعد القانونية التى ارتضاها المجتمع الدولى المعاصر وليس شريعة الغاب ومفاهيم استخدام القوة الغاشمة. لذلك فان تعاملنا فى المستقبل مع الصراع العربى ــ الاسرائيلى سيضع فى حساباته المواقف الاسرائيلية وسياسات حكوماتها تجاه الفلسطينيين وحقوقهم وتجاه العرب ومستقبل التعايش معهم لان الذين يريدون السلام لايقومون بتلك الممارسات التى شهدناها فى الاسابيع الاخيرة كما أن من يريدون السلام يجب أن يحترموا حقوق الاخرين ومقدساتهم, تلك المقدسات التى لانقبل أى مساس بها ولن نسمح بتكرار الاعتداء عليها, لاننا نعيش فى عصر اصبحت فيه حقوق الانسان قضية العالم الاولى وغايته الكبرى كما أننا لسنا أمة مستضعفة ليس امامها الا خيار واحد, وانما نحن أمة اختارت السلام بعد أن اثبتت قوتها وقدرتها وقبلت الصيغة التى ارتضاها المجتمع الدولى كمرجعية قانونية لكيفية تحقيق السلام. ايها الاخوة الاشقاء. تذكرون أننى حرصت فى مناسبات عديدة الى الاشارة لأهمية انعقاد مؤتمرات القمة العربية بصفة دورية منتظمة, ايا ما كانت الاوضاع فى الوطن العربى ومنطقة الشرق الاوسط لان مستوى القمة هو أعلى درجات المسئولية وهو العنصر الفاعل الذى يرضى طموحات الجماهير العربية وهو الصيغة التى أقرها مجلس جامعة الدول العربية فى دورته الاخيرة ووضع صيغتها النهائية اجتماع وزراء الخارجية العرب التحضيرى لهذه القمة. وليس من شك فى أن الانعقاد الدورى المنتظم للقمة العربية سوف يسهم فى دعم العمل العربى المشترك فى كافة المجالات, ويتيح فرصة للتشاور الدورى المنتظم بيننا حول قضايا أمتنا والتحديات التى تواجهها والطموحات التى تتطلع اليها. اننا نتطلع الى مستقبل تعيش فيه شعوب المنطقة باستقرار ورفاهية ولكننا لن ندفع لذلك بأى حال من الاحوال على حساب حقوق شعوبنا أو كرامة أمتنا أو مستقبل اجيالنا المقبلة. ان السلام بطبيعته يجب أن يكون متبادلا بين الاطراف بنفس القدر كما أن التعايش يتطلب عملا متصلا من الجانبين فاما تعايش واستقرار فى ظل احترام متبادل واما استمرار للتوتر والقلق. اما أمن وازدهار لكل الشعوب واما حياة قاسية تسودها الحاجة وتفتقر الى الاطمئنان الى المستقبل, وشعوبنا تتوق الى مرحلة جديدة تعوض ما فاتها فى فترات الحرب والعنف وعدم الاستقرار. ومخطىء من يظن أنه قادر على تغيير قوانين التاريخ وجوهر الرسالات أو أن بيده أن يغير مجرى الأحداث مفتونا بقوة زائلة مالها الى الزوال. ان الاجيال القادمة من أبنائنا تتطلع الى يوم تعيش فيه بأمان واستقرار وازدهار بعيدا عن العنف والتهديد وارهاب الشعوب. ونحن جميعا عازمون على السير فى طريقهم مهما كانت الصعاب والتحديات (ومن يتوكل على الله فهو حسبه, ان الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شىء قدرا) صدق الله العظيم. أ.ش.أ والسلام عليكم ورحمة الله.
