عشية القمة العربية وبعد اتفاق شرم الشيخ الذي بقي كلاماً في الهواء, وفي ظل الترويج للفصل الأحادي وضم الأراضي الفلسطينية أعد الجيش الاسرائيلي خططاً لما أسماه تطور الأوضاع وتصاعدها الى (الحدث الأكبر) الذي يعني حرباً محدودة في الشرق الأوسط. المحلل العسكري لصحيفة (يديعوت احرونوت) العبرية روبن يشاي المعروف بميوله اليمينية المتطرفة وضع ثقته بتقديرات جيش الاحتلال واستعرض سيناريوهات الحرب المختلفة في تقرير نشرته الصحيفة هذه أمس ونورده اليوم حرفياً لأهميته مع الأخذ بعين الاعتبار مفردات العداء للعرب الواردة فيه: يقول التقرير هذا .. في أجهزة الاستخبارات وفي جيش الدفاع يسمون ذلك بلغة صافية نقية (الحدث الأكبر), لا يسمون الولد باسمه ــ ربما خجلاً أو بدافع الأمل بأن يتبدد هذا التنبؤ في آخر المطاف, ولكن تقييم الوضع الأخير في جهاز الدفاع (الذي تبلور بعد اتفاق شرم الشيخ) يقول إن انتفاضة الأقصى لن تتلاشى وتذوي من تلقاء نفسها, وانها ستصل الى نهايتها فقط بعد سيناريو ومجريات صعبة. الصدمة التي ستتسبب في هذا (الحدث الأكبر) هي التي ستعيد الأطراف الى طاولة المفاوضات السياسية, الأمر يتعلق بواحد أو أكثر من ثلاثة سيناريوهات محتملة. ــ عملية تفجير كبيرة في إسرائيل تتسبب في (معادلة) تناسب الدم بين الفلسطينيين والاسرائيليين, وتؤدي بقيام الرأي العام العالمي بالتهديد بفرض العقوبات على عرفات, رد فعل اسرائيل الشديد على مثل هذه العملية قد يؤدي الى تصعيد شديد وربما حتى للحرب, في جهاز الدفاع لا يستبعدون امكانية أن تكون العملية الكبيرة تحديداً من انتاج ازرق ــ أبيض على يد المتعصبين اليهود أنفسهم, عندئذ ستكون النتائج كارثية على إسرائيل. ــ الآن في المناطق تدور (حرب محدودة) أي انها ليست اضطرابات عنيفة أو إطلاق عشوائي متفرق للرصاص ووضع العبوات الناسفة هنا وهناك, وانما وضع ينضم فيه 40 ألف شرطي وعنصر من أجهزة أمن السلطة وفق أوامر عليا وبشكل منظم إلى أعضاء التنظيم والنشطاء الميدانيين لحماس والجهاد الاسلامي بصورة تشبه حرب العصابات التي خاضها حزب الله ضد جيش الدفاع وجيش لبنان الجنوبي في المنطقة الأمنية. ــ الحرب الشاملة التي يشارك فيها حزب الله على الحدود الشمالية ودولتين أو ثلاث دول عربية أخرى, التقدير هو أن ما قد يؤدي لمثل هذه الحرب ليس رغبة الدول العربية وحدها في التدخل العسكري لصالح الفلسطينيين وانما الاستفزازات التي يقوم بها حزب الله. حسب كل المؤشرات وحسب المعلومات المتراكمة, حزب الله يستعد منذ الآن لتنفيذ عمليات اضافية ضد جيش الدفاع (وربما ضد المدنيين ايضا) على الحدود الشمالية, ولعمليات تفجير في داخل إسرائيل, إذا حدث هذا وعندما يحدث لن يكون بامكان اسرائيل أن تواصل الحفاظ على سياسة ضبط النفس, وستضطر لتجسيد تهديداتها والرد ضد لبنان وضد سوريا أيضاً, بشار الأسد لا يستطيع أن يبدي الضعف وأن يضبط نفسه مثل والده ونتيجة لذلك قد تنضم دول عربية أخرى مثل العراق لدائرة الحرب. وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت طرحت هذا السيناريو على الرئيس السوري عندما التقت معه في هذا الأسبوع في السعودية, أولبرايت رسمت أمام بشار الأسد بألوان متكدرة تشاؤمية كل ما قد ينشأ وطالبته بشكل شديد أن يفعل كل ما لم يفعله حتى الآن, وقف سياسة أغماض العيون وكبح جماح حزب الله قبل أن يشعل النار الشاملة. وربما حتى تدهور اقليمي للوضع, قرارات مثل القطع التام للعلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع اسرائيل والتهديد بالمقاطعة النفطية مع الغرب وتهديد اسرائيل بخطوات عسكرية وتأييد قاطع لمطالب عرفات, سيشجعه على مواصلة القتال بل وزيادته, حزب الله هو الآخر سيرى بذلك ضوءاً أخضر للانضمام للفلسطينيين, وإذا اتخذت قرارات معتدلة نسبياً مثل الشجب الشديد لاسرائيل والوعد بتقديم المساعدة الانسانية للفلسطينيين ودعوة الأسرة الدولية لممارسة الضغوط على إسرائيل وسحب قواتها من المناطق, قد يدفع بعرفات والمنظمات الفلسطينية إلى إعادة النظر في مواقفهم. وهذه هي صورة الوضع في الشرق الأوسط عشية القمة العربية: * الفلسطينيون: عرفات لم يحصل على مبتغاه في شرم الشيخ, ولديه دافع لمواصلة العنف, من الواضح الآن انه يطمح فعلاً في إقامة دولة فلسطينية من خلال الصراع, القرارات المتشددة التي ستتخذ في القمة العربية ستؤدي به إلى الإعلان أحادي الجانب عن الدولة الفلسطينية حيث يكون الموعد المحدد هو الخامس عشر من نوفمبر الموعد الذي أعلن به الدولة في 1988 في الجزائر. السؤال هو ماذا سيحدث بعد هذا الإعلان؟ يبدو ان عرفات قد قرر بأن اتفاق أوسلو قد استنفد نفسه ولفظ أنفاسه, وهو أيضاً لا يرى ما تم التفاوض حوله في كامب ديفيد ولا في ورقة التسوية الأمريكية أساساً لمواصلة المفاوضات, عرفات وأتباعه يريدون أساساً جديداً للتفاوض مع اسرائيل, وضع يكون فيه تدخل دولي مباشر في المناطق, قوة دولية للأمم المتحدة مثلاً تقيد نشاط وحركة جيش الدفاع وتحول دون قيام اسرائيل بتنفيذ خطة الفصل من جانب واحد, لهذا السبب قد يحاول عرفات جر المناطق إلى حمام دم يجبر الأمم المتحدة والولايات المتحدة باعطائه ما يريده. عرفات يتحرك الآن في مسار يعزله عن أوسلو ويقربه من نموذج كوسوفو, وما يدفعه إلى ذلك هو التطرف في الشارع الفلسطيني, عرفات لم يعد يسيطر على المجموعات المسلحة الناشطة على الأرض, وفي كل يوم تستفيق وتنبعث الروح في مجموعة عنيفة أخرى كانت مخدرة نائمة منذ (انتفاضة الحجارة). في هذا الأسبوع شاهدنا (صقور فتح) في استعراض كبير متجدد مع السلاح والدافعية في شوارع غزة, هذا إذا لم نتحدث عن حماس والجهاد الاسلامي اللذين حصلا على التعزيز والتشجيع عندما فتحت أبواب السجون مشرعة أمامهم. الفوارق بين أجهزة الأمن والتنظيم ومنظمات الرفض أيضاً آخذة في التقلص والزوال, كلهم اليوم آخذون في التوحد في جسم واحد يطالب بمواصلة الكفاح العنيف ويعمل على الأرض, عرفات يفقد قدرته على المناورة فيما بينهم, والنتيجة هي انه لا سيطرة له على ارتفاع ألسنة النيران. خلاصة الأمر هي انه قد يحدث هدوء معين في مستوى العنف في الشارع في الأيام المقبلة, أي المظاهرات والاضطرابات, ولكن اطلاق النيران في الليل ووضع العبوات سيتواصل, كما ستتواصل أيضاً الاستعدادات لتنفيذ عمليات تفجير في اسرائيل, إلا أن الأمر الأساسي سيأتي بعد القمة العربية, إذا أعلن عرفات بشكل أحادي الجانب عن الدولة الفلسطينية فقد يتجدد العنف ويتحول إلى حرب متواصلة تقودها قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية والتنظيم بمساعدة عمليات حماس والجهاد. جيش الدفاع سيضطر في هذه الحالة الى الانتقال من سياسة الرد الى سياسة القتال كما توقعنا في السيناريوهات والمناورات الحربية التي أعدت في السنة الأخيرة في هيئة الأركان وفي الهيئات القيادية العسكرية الفرعية, حسب هذا السيناريو ستكف السلطة الفلسطينية في الواقع عن العمل كجسم سلطوي ولذلك سيكون جيش الدفاع مطلق اليدين في المبادرة, وسيبذل جهدا بعدم التسبب في حمام دم في أوساط الفلسطينيين, ولكن في الوقت نفسه ستجري محاولة جني ثمن باهظ من قواتهم المسلحة وفرض قيود حركة وقيود اقتصادية شديدة على السكان, في المقابل ستنفذ اسرائيل خطة الفصل (أحادي الجانب) التي تهدف الى نشر قوات جيش الدفاع على حدود الدولة الفلسطينية ــ في صورتها الاسرائيلية, الفصل الاقتصادي ينفذ في الواقع منذ اليوم ذلك لأن العمال الفلسطينيين لا يخرجون للعمل في اسرائيل ولا توجد حركة تجارية تقريباً, وإذا تصاعد العنف فقد تتوقف اسرائيل عن إمداد السلطة بالكهرباء وغيرها من الخدمات. * حزب الله: نصر الله يتطلع لحدوث تدهور كبير في المناطق حتى يستخدم القوات التي نشرها على امتداد الحدود مع اسرائيل, قادة الحزب يمرون الآن في نشوة النصر ويعتقدون انهم قادرين على اركاع اسرائيل على قدميها, الايرانيون لا يدفعون بالحزب لشن الحرب الصريحة الا انهم يشجعونه للمواصلة حسب ما يرتأون, الافتراض هو ان الاستفزاز سيبدأ في منطقة هاردوف للادعاء بأن هذا عمل ضد الاحتلال, في حزب الله يعرفون جيداً ان اسرائيل لا تستطيع الجلوس مكتوفة اليدين وانها ستضطر لتجسيد تهديداتها وقصف البنية التحتية اللبنانية, الرد الذي أعده حزب الله على ذلك هو شبكة كبيرة من الصواريخ المدفعية والكاتيوشا التي تهدف الى زرع الدمار في التجمعات السكانية الاسرائيلية, بحوزة الحزب مئات الكاتيوشا وعشرات الصواريخ ايرانية الصنع (فجر 5) التي يتراوح مداها بين 20 ــ 70 كم, في المقابل قد يضرب حزب الله المؤسسات الاسرائيلية في الخارج, وإذا نشأ تصعيد في الشمال فسيتحرك جيش الدفاع بسرعة وقوة حتى بثمن التصعيد الشامل, بدون علاقة بالسيناريو المذكور يسعى حزب الله لارسال خلاياه الى داخل اسرائيل من أجل مساعدة الفلسطينيين وتشجيعهم بعدم التوقف عن الكفاح المسلح. * سوريا: بشار ليس معنياً في التصعيد الاقليمي ولا في القتال في لبنان, ولكن ليست هناك مؤشرات على انه أكثر اعتدالاً وشعوراً بالمسئولية من والده, سواء بسبب الضعف أو بسبب انعدام الخبرة, أو لأن المجموعة المحيطة به هي نفس المجموعة التي أحاطت بوالده. الرئيس السوري لا يبذل جهوده لكبح جماح حزب الله وإذا قصفت اسرائيل أهدافاً سورية في لبنان فقد يحاول القيام بخطوة عسكرية مضادة, من المحتمل أن يقوم إثر محادثته مع أولبرايت في السعودية بإعادة النظر ايضا في معاملته لحزب الله لرده على قصف البنى التحتية في لبنان. اسرائيل لا تنوي ترك السوريين يتمتعون من ثمار عنف حزب الله من دون أن تكلفهم ثمناً باهظاً. * العراق: صدام حسين يستغل الأزمة في المناطق لاغراضه الخاصة ويرسل وزير خارجيته طارق عزيز للقمة كخطوة اضافية للعودة إلى أحضان العالم العربي, في المقابل يقوم باعداد الخيار العسكري الذي سيعيده الى طليعة الصراع ضد اسرائيل. صدام حرك قسماً من وحدات الدبابات في الفرقة العسكرية المختارة لديه (حمورابي) الى مسافة عشرات الكيلو مترات عن الحدود الأردنية, الافتراض هو أن صدام سيحاول في حالة حدوث التصعيد في المناطق أو في الشمال المشاركة في المعركة, امكانية قيامه باطلاق الصواريخ متدنية جداً: حتى إذاكانت لديه صواريخ أرض ــ أرض جاهزة فلن يسارع الى استخدامها حتى لا يبرهن للأسرة الدولية عن انه خدع قوة الرقابة التابعة للأمم المتحدة, بدلاً من ذلك سيقوم صدام بإرسال الطائرات لقصف اسرائيل والاقتراب أكثر من الحدود الأردنية حتى يهدد استقرار النظام هناك, الأمريكيون يراقبونه وقد عززوا قواتهم الجوية الموجودة في الخليج وفي تركيا. * إيران: آيات الله يجلسون الآن مراقبين, هم يؤيدون حزب الله ووسائله القتالية إلا أنهم يحذرون في عدم تجاوز الخطوط الحمراء مع سوريا. * مصر: من الناحية الأخرى إذا أريقت دماء فلسطينية كثيرة حقاً فقد تنفذ مصر خطوات عسكرية مختلفة, صحيح ان هذه الخطوات ستكون أقل من الحرب إلا أنها ستشكل تهديداً لاسرائيل, وضع قواتها في حالة تأهب, وضع فرقتين أو ثلاث فرق في حالة استعداد لاجتياز قناة السويس وربما حتى ادخال بعض القوات لسيناء, في هذه الحالة ستضطر اسرائيل الى استدعاء الاحتياط والاستعداد على الحدود مع مصر أيضاً. الرئيس المصري حسني مبارك لا يريد كل هذه الأمور, ولكن قدرة مصر والأردن والسعودية على التأثير على عرفات محدودة اليوم, عرفات منقاد اليوم خلف الشارع بنفس الدرجة تقريباً التي يقوده هو فيها. في اسرائيل يستعدون كما أسلفنا للسيناريو الاسوأ, في يوم الأربعاء وصل وزير المالية لرئاسة هيئة الأركان وطالبه موفاز باضافة مئات الملايين للتزود العاجل واعداد جهاز الاحتياط, شوحاط وافق ان هناك حاجة لاعادة النظر في ميزانية الدفاع وزيادتها, سلاح الجو سرع عملية تحويل صاروخ الحيتس الى سلاح جاهز للاستخدام بشهر ونصف. قيادة الجبهة الداخلية آخذة في الاستعداد بسرعة, الى جانب ذلك يبذل جيش الدفاع كل ما في وسعه لتنفيذ اتفاقية شرم الشيخ, والامريكيون يبذلون محاولة أخرى لاستئناف العملية السياسية, وإن لم يكن ذلك مفيداً على الأرض فسيكون جيداً للاعلام والدعاية. القدس ــ (البيان):