ليس المطلوب من القمة العربية أن تعلن الحرب, لكن الشارع العربي في ذات الوقت لن يقبل أن تتمخض القمة عن بيان شديد اللهجة يكتفي باستنكار الوحشية الاسرائيلية, والتنديد بتهديدات باراك, بينما الآمال معقودة على أن تكون (قمة القاهرة) نقطة تحول حقيقي, عبر اصدار قرارات محددة, واضحة, تعكس رؤية استراتيجية للمواجهة الشاملة ازاء الممارسات الصهيونية المدعومة أمريكيا بلا حدود أو خجل والتي تتصاعد ويتسع مداها كل ساعة! لقد كانت الدعوة لانعقاد القمة استجابة لتحديات كبرى, كان آخرها وأخطرها انتفاضة الأقصى, وما استتبعها من حرب خاضتها اسرائيل بأسلحة الميدان في مواجهة أطفال الحجارة, سبقها تحطم مفاوضات المسار الفلسطيني على صخرة القدس, وتعطيل المفاوضات على المسارين السوري واللبناني, وأعقبها توسيع دائرة الصدام لتصل الى الحدود اللبنانية, وتوجيه التهديدات لسوريا بل لكل العرب! والتصعيد العسكري في الأراضي الفلسطينية بطريقة أقرب الى اعلان الحرب, وانتهاج سياسة حافة الهاوية على كل الجبهات. برغم ذلك, فإن القمة وبغض النظر عن السبب المباشر لانعقادها إنما تأتي كذلك استجابة تأخرت كثيرا لمطلب قومي يشير الى تجاوز الكثير من التناقضات والخلافات انطلق من عواصم عدة, على امتداد الساحة العربية من المحيط الى الخليج, ومنذ فترة ليست بالقصيرة. الحسم والوضوح من ثم فإن تلك القمة, بقدر ما هي مطالبة بالرد الحاسم الواضح على غطرسة القوة الاسرائيلية, فإنها بالقدر نفسه مدعوة للقيام بمراجعة نقدية لقرارات (قمة 96) بعد أن ثبت بما لا يدع مجالا لأي شك أن الكيان الصهيوني لم يفهم المغزى الحقيقي لاعتماد (السلام كخيار استراتيجي), وكان من الطبيعي ترتيبا على ذلك أن يجتهد المفاوض الاسرائيلي على كل المسارات في وضع شروط مجحفة لا يمكن للأطراف العربية القبول بها, ثم اصراره على ابرام اتفاقات مع الفلسطينيين لا يحرص بعد توقيعها على احترام بنودها, أو الالتزام بالبرنامج الزمني لتنفيذها. واذا كانت (قمة 96) قد أكدت على أن السلام خيار استراتيجي فإن على (قمة 2000) أن تبلغ الصقور الضارية في تل أبيب بوضوح كامل أن ثمة خيارات أخرى أمام العرب في اطار (مواجهة شاملة) للعدوان الوحشي والتهديدات البربرية من جانب اسرائيل. ولعل الاعداد الجيد للقمة يوفر الى حد كبير ضمان نجاحها, بشرط الابتعاد عن الحلول التلفيقية, أو الجنوح الى صياغات عنترية على السواء كما يفرض تحديد الهدف الرئيسي, والتناقض الأساسي بدقة شديدة في اللحظة التاريخية الراهنة لتعبئة كافة القوى القومية شعبية ورسمية حتى يمكن التصدي لفاعلية للتحدي الصهيوني المفروض. واذا كان جدول أعمال القمة لن يتضمن قضايا يمكن أن تهدد بحدوث أي انشقاقات في الصف العربي, فإن التركيز على مناقشة التصعيد الاسرائيلي, وتأكيد دعم الشعب الفلسطيني, وحقوقه المشروعة, وقضية القدس, استنادا الى الشرعية الدولية بالاضافة الى تقنين دورية القمة, مع عدم الدخول في قضايا فرعية, إن هذا التصور يدعم الى حد بعيد فرصة الخروج بموقف موحد يعكس أكبر قدر من وحدة الصف العربي في مواجهة الهجمة الصهيونية الشرسة, المدعومة بغطاء اعلامي, وحماية سياسية ودبلوماسية فجة من جانب واشنطن. قرارات.. وخطوات لقد توحد الشارع العربي حول موقف واضح وقوي, لم يكتف برفض الممارسات الصهيونية, لكنه طالب القادة العرب أن يبلوروا خلال قمتهم رؤية حاسمة تتضمن خطوات وقرارات تحمل مفهوم المواجهة الشاملة وتترجمه من خلال: سحب السفراء واغلاق مكاتب التمثيل العربي في اسرائيل, في اطار وقف كل مظاهر التطبيع. تفعيل سلاح المقاطعة الاقتصادية, بجدية وحزم, ودرجة عالية من الالتزام بعيدا عن الالتفاف بطرق تفرغ المقاطعة من مضمونها. الاصرار على عدم العودة لمائدة المفاوضات, إلا على أساس قرارات الشرعية الدولية, بعد أن أسقطت اسرائيل نفسها المرجعيات التي فرضتها كأساس للتفاوض! الحد الأدنى الذي لا يقبل العرب بأقل منه هو الانسحاب الاسرائيلي الكامل الى حدود 4 يونيو 67 على كافة الجبهات بما في ذلك وضع القدس. استثمار زخم الحضور الدولي خاصة الأوروبي في المنطقة (سكرتير الأمم المتحدة, ممثل الاتحاد الأوروبي, وزير خارجية روسيا, وزير خارجية بريطانيا وغيرهم) لانهاء مهزلة الوسيط الأمريكي غير النزيه, والاصرار على توفير غطاء دولي حقيقي للمفاوضات في جولاتها القادمة. وضع خطة متدرجة تستهدف تحجيم المصالح الأمريكية في المنطقة, لتخفيف حدة ضغوط واشنطن, وانحيازها الدائم لاسرائيل على حساب المصالح والحقوق العربية المشروعة. توفير دعم مالي عربي للسلطة الفلسطينية تحت اشراف لجنة تحددها القمة لكف الضغوط الأمريكية, والغربية من خلال المنح والمعونات. اعتماد خطة تحرك اعلامي موجهة للرأي العام العالمي لمواجهة الهجوم الاعلامي الصهيوني الذي يزيف الحقائق. الاصرار على اجراءات دولية لحماية الفلسطينيين, سواء من خلال لجنة دولية للتحقيق في احداث الأقصى, أو وجود قوة حماية أو مراقبين دوليين, بشكل دائم في الأراضي المحتلة لضمان عدم تكرار المذابح الوحشية ضد الفلسطينيين. التلويح بأزمة اقليمية ذات أبعاد دولية تشمل آلية تفعيلها اجراءات سياسية واقتصادية متصاعدة, طالما استمرت اسرائيل في ممارسة ارهاب الدولة, وانتهاك الحقوق العربية. الأمن القومي لعل هذه الخطوط العامة التي يمكن أن تمثل بعض جوانب خيار المواجهة الشاملة, يتطلب وجود عدة منطلقات, يأتي في مقدمتها رؤية عربية متوافقة ازاء التطورات الأخيرة ومستجداتها المتوقعة وفق عدة سيناريوهات معدة ومدروسة وموقف موحد من كافة القوى ذات العلاقة بالمفهوم العربي القائم على العدل والحق, أساسه نظرة محددة, تؤطرها المصالح القومية, واعتبارات الأمن القومي العربي, وتوفير ضمانات استمرار التضامن والتماسك العربي, وأخيرا اعتماد نظرية (البديل الأسوأ) الذي يمكن أن يفرضه الطرف الآخر, بما يستلزمه ذلك من استنفار الحد المناسب من القوة الذاتية العربية, وفي اطار استراتيجية (أمن جماعي) تمثل خير ردع للحماية من أي تهديد, وبما يكفل مواجهة كافة الاحتمالات الواردة خلال المرحلة المقبلة, ولا يعني ذلك بأي حال دفع المنطقة الى التصعيد العسكري, ولكن حالة الاستعداد تمثل ردعا للطرف الآخر حتى لا يستمر في ممارسة معالجة قضايا السلام بمنطق الحرب. من الطرح السابق يمكن استنتاج ضرورة الاستناد الى أن مفهوم الأمن القومي لا يعتمد على القوة العسكرية فقط, بعد أن فقدت قدرتها على تحقيق الحسم السياسي للأزمات المزمنة أو الكبرى, إذ لابد أن يتوافر حدا اساسيا من القدرات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والاعلامية.. الخ.. حتى تتحقق الحماية للمصالح والحقوق من ناحية, كما يضمن ذلك الطرح من ناحية أخرى درجة مناسبة من التكامل الاستراتيجي العربي, وفي الوقت ذاته يضمن ملاءمة أكثر من ظروف التحدي الراهن بأبعاده الاقليمية والدولية. لقد أثبتت تجارب سابقة أبرزها حرب أكتوبر أن القدرات العربية الذاتية قادرة على اثبات فعاليتها, وتحقيق درجة من التكافؤ بين العرب واسرائيل, ولم يكن ذلك لوجود تلك القدرات بحد ذاتها, و إنما في خلق ارادة تفعيلها, وتكاملها, وتوحدها في لحظة تاريخية مواتية, وفي ظل وضوح للرؤية العربية القومية, النابعة من أهداف واقعية دون انهزامية أو تفريط تتواءم مع القدرات المتاحة, وتعمل على تعظيمها, ولاشك أن ذلك يمثل الأساس الصحيح لوضع ترتيبات حادة و محددة تقودنا الى حالة أمنية قومية متوازنة, واشعار الطرف الآخر رغم ميل معظم موازين القوى لصالحه أنه لا يتعامل مع كم بلا فاعلية, أو جسد بلا روح. ما بعد القمة على ذلك فإن مرحلة ما بعد انعقاد القمة, واصدار قراراتها ربما تكون الأخطر في حساب الفعل والتأثير, بمعنى أن المسألة ليست مرهونة بصياغة قرارات قوية, بل في ضمان سبل تنفيذ القرارات, وذلك يتطلب: (أ) توفير الارداة السياسية الجماعية, والقطرية لضمان التنفيذ, وتحديد ترتيبات محددة ملزمة في هذا السياق. (ب) خلق آلية للمتابعة, وقد تكون صيغة (الترويكا) أكثر الصيغ ملاءمة, بتشكيل لجنة ثلاثية من الرؤساء للسهر على جدية التنفيذ. (جـ) أن تكون الهيئات المعنية الأخرى في اطار الجامعة العربية, ولجنة القدس, جهات معاونة لـ(الترويكا) المقترحة كل في مجال اختصاصه. (ء) تجسير فجوة الالتزام بالتعهدات, التي ظهرت جلية في العديد من السوابق, حتى يظل العمل بذات قوة دفع البداية. (هـ) المتابعة الدقيقة للأحداث والتفاعلات والمستجدات التالية للقمة, وعدم الانزلاق الى تصعيد غير محسوب, أو الاستجابة لمبادرات تفرغ قرارات القمة من مضمونها دون عائد حقيقي. (و) النأي عن وقوع آليات تنفيذ قرارات القمة في مصيدة النموذج البيروقراطي التاريخي الذي تسبب من قبل في وأد فاعلية القرار العربي المشترك. إن المواجهة الشاملة تعني في المحصلة الأخيرة مزج خيارات عدة, وعدم حصر أو حصار القرار العربي بين خيارين: (التفاوض) أو (الحرب). المواجهة الشاملة تعني أيضا أن السعي للسلام كهدف نهائي لا يعني التفريط في أوراق القوة العربية, لأن القراءة الصحيحة لما جرى وسوف يجري تؤكد ان السلام لا يمنح لكنه ينتزع, وأن أخطر عناصر معادلة القوة الاسرائيلية هي ضعف العرب, وتقديمهم للتناقضات العربية/العربية على التناقض الأساسي مع اسرائيل, وهي مسألة لم تعد مقبولة أو معقولة. واذا كان الكيان الصهيوني يفرض باستفزازاته الدموية معادلة صفرية على كل العرب: (أنتم أو نحن) فإن على القمة أن تحسم اجابة سؤال لا يمكن تأجيل الاجابة عنه أكثر من ذلك: (نكون أو لا نكون). إن كل عربي ينتظر من القمة أن تتحدث اللغة التي لا يفهم الصهاينة سواها, فقد صبر العرب فوق الطاقة, ولابد أن تعلم اسرائيل أنه لا راد لغضبة الحليم بعد أن فاض الكيل, وسالت أنهار من الدماء الطاهرة, ولتكن هذه الدماء هي المداد الذي تكتب به القمة العربية قراراتها. بقلم: علاء عبدالوهاب _ كاتب مصري