بعد قرابة خمس سنوات على القمة اليتيمة التي عقدت العام ,1996 تنتظم القمة العربية غدا اثر اندلاع الانتفاضة الشعبية في الاراضي المحتلة بعيد زيارة الارهابي ارييل شارون للمسجد الاقصى بحماية ثلاثة آلاف جندي صهيوني وفرهم رئيس الوزراء ايهود باراك له, وذلك في خطوة لم تستفز الشعب الفلسطيني الخاضع للاحتلال في اراضي الضفة الغربية والقطاع, انما تجاوز ذلك الى المواطنين الفلسطينيين داخل الخط الاخضر (أراضي الـ 48), وكذلك الى كل الدول العربية التي لم تهدأ فيها المسيرات وتظاهرات الاحتجاج على عمليات القتل التي تنفذها قوات الاحتلال الصهيوني, مستخدمة في ذلك كل أدوات الفتك من الرصاص الحي والمحرم دوليا حتى الطائرات والدبابات والمدافع الثقيلة, في خطوة اعلنت من خلالها الدولة العبرية الحرب على المواطنين العزل في فلسطين. وقد كان الاعلان الاول للقمة العربية مقررا ان يعقد مطلع العام الجديد, الا ان تحرك الشارع العربي من مشرقه الى مغربه, وحجم الدم المسفوك على بوابات القدس والمدن الفلسطينية الاخرى, والانحياز السافر للادارة الامريكية مع الكيان الصهيوني, قد عجل في التراجع عن الاعلان الاول وتقديم الموعد الى الحادي والعشرين من اكتوبر غدا. وحتى هذا الموعد يعتبر متأخرا ويعبر عن بطء آلية العمل الرسمية العربية ان على مستوى الانظمة الحاكمة, او على مستوى مؤسسة الجامعة العربية التي لوحظ غيابها شبه التام عن الساحة القومية منذ قمتها التي عقدت في العام, 1990 اثر اجتياح الجيش العراقي لدولة الكويت, وما خرجت به من قرارات, وما افرزته الازمة من انشطارات عمودية في الوطن العربي, تركت آثارها على نمط العمل القومي حيث عمقت من ازمته وأوصلته الى درجة العجز عن القيام بأي ردة فعل حقيقية تجاه اكثر القضايا مصيرية وأعمقها فعلا في جسد الأمة. لقد كان مطلوب من قمة الغد ان تعقد قبل ثلاثة اسابيع اذا كانت ستناقش بنودا جدية ازاء المجازر الحاصلة في الاراضي المحتلة, ومع تأخرها استمر الدم الفلسطيني يسيل دون توقف, وكأن الكيان الصهيوني وقادته يدركون مدى العجز العربي عن تقديم اي نوع من انواع الدعم الفعلي للفلسطينيين الذين يدافعون عن شرف الامة وكرامتها في باحة الاقصى الشريف. وبالرغم من هذه الملاحظة العابرة, فإن القمة المقبلة افضل لها ان تأتي متأخرة على ألا تأتي اطلاقا. فما الذي سيقدمه الزعماء العرب لانتفاضة الاقصى؟ وهل يحق للمواطن العربي ان يتفاءل هذه المرة بعد ان احبطه الاداء الرسمي الغارق في قطريته هروبا للأمام من استحقاقات المرحلة ومتطلباتها؟ وما هي الموضوعات التي ستناقشها القمة؟ لا يمكن التكهن بما ستخرج به القمة العربية بعيدا عن نتائج قمة شرم الشيخ التي عقدت في يومي الاثنين والثلاثاء الماضيين, والحيثيات التي عقدت من اجلها, وذلك لوجود اطراف عربية مشاركة فيها (مصر, الفلسطينيين, الاردن) ولا يمكنها الخروج عن الاتفاق الذي وصلت اليه بضغط امريكي ــ اسرائيلي. فقد جاءت قمة شرم الشيخ بناء على طلب امريكي ملح أراد منها وضع حد لتدهور الموقف في المنطقة, وليس في فلسطين وحدها, الامر الذي ينذر بنتائج قد لا تكون في حسابات البيت الابيض الذي تعيش ادارته آخر ايامها. وتتكثف اهداف قمة شرم الشيخ في نقاط رئيسية اهمها اجهاض الانتفاضة الشعبية العارمة في الاراضي المحتلة والتي جاءت كردة فعل على الاحباط العام في صفوف الفلسطينيين الذين وجدوا في اجتماعات كامب ديفيد الفاشلة واجتماعات باريس محاولة جدية من قبل تل أبيب وواشنطن للانقضاض على المسجد الاقصى والتنكر لكل الاتفاقات التي تمت برغم اجحافها من (أوسلو) حتى الوقت الراهن. ووأد الانتفاضة يعني انحسار الهبة الشعبية العربية المدركة لحجم التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني, وما افرزته من تزايد السخط والعداء للسياسة الامريكية في المنطقة, حيث جاءت بنتائج بدأت ملامحها في البروز عبر ضرب المدمرة الامريكية (كول) في ميناء عدن, والتفجير الذي حصل في السفارة البريطانية بصنعاء, الامر الذي ينذر بتطور خطير بالنسبة لواشنطن قد لا تستطيع لجمه. كما بينت الانتفاضة ان الشارع العربي قد خرج من سباته الذي دام سنوات طويلة ليؤكد انه مسئول ايضا عما يجري في الاراضي المحتلة, وانه على الاقل, ممتعض عن الموقف الامريكي ذي المعيار المزدوج والذي يجيىء دائما ضد العرب, فكانت الانتفاضة فرصة للتعبير عن رفض هذا الشارع للسياسة الامريكية تجاه المنطقة, وخاصة ازاء القضية الفلسطينية والاصرار على تدمير العراق بحصار زاد على العشر سنوات. من هنا كانت قمة شرم الشيخ تبحث عن ثغرة أمنية تدخل منها, ولذلك لم يكن غريبا ان اولى التسريبات الخبرية عن (كلمة) بعض المواقف تمثلت في اللقاء الامني الذي تم بين الصهاينة ومسئولي الامن الفلسطيني بحضور الراعي الامريكي ممثلا في المخابرات المركزية! والنقطة الاخرى التي ارادت واشنطن غربلتها والوصول الى هدف رئيسي آخر, هي قطع الطريق على اي فعل عربي له انعكاساته الايجابية على الداخل الفلسطيني كما على المفاوض وايضا الشارع العربي. فقد سعى الرئيس بيل كلينتون ووزيرة خارجيته الى تعبيد الطريق الى القمة العربية من خلال ضبط ايقاع قمة شرم الشيخ حسب المزاج الامريكي ــ الصهيوني, بحيث تفرغ القمة غدا من محتواها ولا يكون لها اي دور يمكن لها فعله الا اصدار توصيات وبيانات شجب واستنكار لم يعد المواطن العربي مكتفيا بها اذا لم تعزز بفعل قومي يعيد الى التضامن العربي وهجه الذي أفل منذ عقد وأكثر. وحين ترسم واشنطن وتل أبيب مسار القمة العربية من خلال قمة شرم الشيخ, فإن الموضوع يتجاوز الانتفاضة بما هو اكثر عمقا. ذلك ان المطلوب امريكيا هو رجم اي تضامن عربي فاعل. فإذا نجحت واشنطن في تحقيق هذا الهدف فإنها تمكنت من ضرب اكثر من عصفور بحجر. الاول وأد الانتفاضة ووضع ضوابط لعدم تكرارها ثانية عبر اتفاقات امنية تحول الشرطي والمفاوض الفلسطيني الى حارس امن الكيان ومستوطنيه. والثاني قطع الطريق على تضامن عربي يكسر الحصار عن العراق كخطوة ثانية وهدف رئيسي آخر للهبة الشعبية العربية. والثالث كسر احتكار الولايات المتحدة لملف الشرق الاوسط بأكمله, ان على مستوى المفاوضات العربية ـ الاسرائيلية, او على صعيد العلاقات المتأزمة مع بعض الدول العربية مثل العراق وسوريا وليبيا ولبنان والسودان. اذن ما المطلوب من قمة الغد؟ ثمة قضية رئيسية يجب على الزعماء العرب وضعها نصب أعينهم وهم يناقشون سبل دعم الانتفاضة وهي تكتمل في ان الشارع العربي لم يعد مقتنعا بأداء النظام الرسمي العربي, والمسألة الملحة تبرز في وضع حد ادنى للفعل العربي ضد الكيان يتمحور اولا حول وقف كل اشكال التطبيع الاقتصادي والسياسي والثقافي مع الكيان. والاعلان صراحة بأن العودة للشرعية الدولية وتطبيق قرارات مجلس الامن الخاصة بالاراضي العربية المحتلة كقراري مجلس الامن رقم 242 و,338 والتأكيد على ضرورة انسحاب قوات الاحتلال من الجولان وما تبقى من أراض لبنانية محتلة, واتخاذ مواقف واضحة ازاء الجرائم التي ارتكبتها قوات الاحتلال في المسجد الاقصى والمدن الفلسطينية خلال الاسابيع الثلاثة الماضية. ان المواطن العربي لن يقبل بقمة تخرج بنتائج باهتة ولا تفعل أي شيء. وليس أمام القادة الا الانصات, هذه المرة, لما تقوله شعوبهم, وتحليل المسيرات الشعبية بعيدا عن الهاجس الامني الذي حكم تصرفاتهم طوال السنوات الماضية. بقلم: رضي الموسوي _ كاتب بحريني