منذ شهدنا اللحظة الاولى التي تم التلويح بها لعقد مؤتمر قمة عربية من قبل بعض الاطراف العربية الفاعلة والتي جاءت ردا على المجازر الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية المحتلة وما تبعها من اعتداءات على اراضي السلطة الفلسطينية ومؤسساتها, بدأت تظهر الكثير من وجهات النظر المتباينة لكنها تكثفت في رؤيتين, الاولى تقول بأن القمة العربية ستكون بكل ما ستخرج عنه من قرارات اسيرة لجملة الاتفاقات التي وقعت مع الطرف الاسرائيلي ولن تخرج الا بنتائج ضعيفة لايمكنها ان تفي ولو بجزء يسير من المطالب الفلسطينية والعربية, وقد انطلق اصحاب وجهة النظر هذه من الصلف والتعنت الاسرائيلي الانقلابي على كل المواثيق والمعاهدات التي وقعها الطرف الفلسطيني معه, وخلص اصحاب هذه الرؤية للقول انه بعد هذه الممارسات العنصرية والاعتداءات السافرة على الفلسطينيين قد سقطت مقولة السلام, وانها اصبحت في عداد الاموات, اي ان التسوية السياسية التي اطلقت في مدريد عام 1991 وما تمخض عنها من اتفاقات باتت غير ملزمة للطرف العربي بكليته واي حديث عن هذه الاتفاقات يعتبر بحد ذاته رضوخا للارادة الاسرائيلية المدعومة امريكيا, ولن تجلب للشعوب العربية وللنظام العربي الا المزيد من الازمات على المستويين الوطني والقومي, وخيبات الامل المتواصلة بين الشعوب العربية, وتوجيه دفة الصراع الدائر في الاراضي الفلسطينية بغير وجهته الصحيحة الذي قام من اجله حتى ذهب بعض اصحاب هذه الرؤية بعيدا ببث روح التشكيك في شرعية هذه القمة وبالمؤسسة التي ستؤمن انعقاد هذه القمة وأعني الجامعة العربية, كونها ستكون اسيرة للاملاءات وللشروط الخارجية ولن تخرج بأكثر من شعارات اعلانية تعيد الاطراف العربية الى طاولة التفاوض المرفوضة اصلا من قبل اصحاب هذه الرؤية والى ذات الدائرة المفرغة التي ستشرعن ديمومة احتلال اسرائيل لبيت المقدس وستؤسس لمزيد من حمى الاستيطان الهادف الى تهويد الارض والسكان وان البديل الوحيد يكمن بتجميع كل القدرات العربية في دعم الانتفاضة على كل المستويات كمحاولة للارتقاء بمستوى الصراع الدائر من انتفاضة حجارة الى عصيان مدني, والذي سيعقبه بالضرورة عمل عسكري واسع يؤسس كمقدمة اولى لطرد المستوطنين وقوات الجيش الاسرائيلي من الضفة والقطاع دون ابرام صكوك اتفاقيات مع الاسرائيليين اما الطرف الآخر والداعي الى ضرورة عقد القمة العربية حيادا عن التوقيت او الرزنامة الزمنية التي ستعقد على اساسها القمة العربية يرى انه لا بدائل موضوعية الا بالرجوع الى المؤسسات العربية والاطر الفاعلة ومن بينها القمة العربية, بغية توفير الشروط الملائمة لوضع برامج وخطط مناسبة لمواجهة المستجدات السياسية الحاصلة على الارض والتي اذا ما بقيت تجرى على عواهنها ستجلب المزيد من الانهيارات ولن نحصد بعد ذلك الا خيبات الامل المتكررة متكئين بذلك على الانتكاسات التي لحقت بالامة العربية منذ بداية الصراع العربي ــ الاسرائيلي والى يومنا الذي نعيش, بالاضافة الى ضرورة ووجوب اعطاء مؤسسات العمل العربي دورها حتى يتسنى لها صياغة استراتيجية موحدة على كل المستويات في ظل الظروف الراهنة على المستوى الدولي والتي بتنا بحاجة ماسة لها اكثر من اي وقت مضى في مرحلة نشهد التسابق المحموم للكثير من التكتلات الدولية والقارية والاقليمية نحو بناء تكتلات اقتصادية باهداف اجتماعية وسياسية تؤدي في نهاية المطاف الى تشكيل قوى استراتيجية تعطيها مركزا دوليا مرموقا على المستوى العالمي وبما يخدم تطلعاتها المستقبلية في تقاسم المنافع مع القوى المهيمنة على اقل تقدير. لكن مع كل الاحترام لكل القناعات ووجهات النظر التي انطلقت من ارضية واحدة هدفها الحرص على قضايا العرب بكل ما تحمله الكلمة من معنى, لابد لنا من الاعتراف ان غياب الحياة الفاعلة لمؤسسات الجامعة العربية كمؤسسة اقليمية جامعة وموحدة منذ حرب الخليج الثانية والى يومنا هذا, اصبحنا نتلمس مدى الوهن والضعف الكبير في الاداء السياسي العربي والتراجع الخطير حتى على جبهة التفاوض المفتوحة بين العرب والاسرائيليين ومدى الاستهتار والتمادي لهذا الطرف او ذاك على مصالح الامة ومقدراتها وبعيدا عن بث الاحلام الوردية واطلاق الشعارات الرنانة التي قد تطرب هذه الاذن او تلك, لابد من الاعتراف بأن الوضع العربي الراهن وفي ظل غياب حالة التنسيق وتجميد وبسترة المؤسسات العربية نعيش حالة من الفرقة والامراض الكثيرة والمتنوعة التي نعجز عن حصرها وتعدادها في هذا المقام, واننا اصبحنا اليوم احوج من اي وقت مضى الى تهيئة الظروف من اجل ارساء علاقات عربية بينية تقوم على اساس من الثقة المتبادلة القائمة على توازن المصالح الاخوية بين كل الاطراف العربية بعيدا عن التمترس وراء سياسات فردية ورؤى عدمية لاتؤدي في النهاية الا الى مزيد من التراجع والانكماش وغياب الفاعلية على كل المستويات وفي كل المضامير. وقد لا اغالي القول اذا ما قلت بانه, رب ضارة نافعة, فالتعنت الاسرائيلي والخروج على كل الاتفاقات وقيام انتفاضة القدس المباركة في فلسطين وما حل بالفلسطينيين من مذابح وتدمير قد وحد مشاعر الامة بعد غياب طويل, ووضعها امام مسئولياتها التاريخية التي لاتقبل التأجيل او التأويل وهذا ما بدا لنا بوضوح من خلال المؤسسات الاعلامية الحكومية والاهلية, حيث توحدت اقطاب الامة بكل مكوناتها وفئاتها وشرائحها من اقصاها الى اقصاها واعادت الاعتبار من جديد لدورها ومكانتها بعد ان وصل العديد من بين صفوفنا الذي يشير باصبع الاتهام ويلقي بكلمات التشكيك للروابط الجامعة بين ابنائها بالمقابل لابد من الاعتراف بأن القمة العربية المزمع انعقادها يومي 20 و21 الجاري وحدها القادرة على ترشيد هذا التوحد الروحي والقيمي واننا اذا ما حاولنا شعوبا وحكومات التخفيف من مكانة القمة القادمة, فسنصل بكل تأكيد الى مرحلة العض على النواجذ لنعود فيما بعد نبكي على احلامنا الضائعة وانه لا مكان للتسويف او التأجيل وان اغتنام عامل الوقت ملحا اكثر من اي وقت مضى لكن علينا ان نتنبه جيدا من كرة الثلج المتمثلة بالتخوين السياسي لهذا الطرف العربي او ذاك والتي غالبا ما تباعد بين الاطراف العربية وتقف عائقا بل وسدا منيعا في اتخاذ خطوات سياسية جادة وموحدة تمنح العرب وحدة هويتهم السياسية ازاء مشكلة وطنية او قومية, قد تظهر هنا وهناك, بالمقابل يجب ان تكون القمة القادمة على قدر عال من المسئولية القومية التي يجب ان تضع حدا للتهالك والتهافت العربي الذي شهدناه بعد مؤتمر مدريد ومازالت فصوله تتوالى تباعا دون اية منافع تذكر باتجاه العدو الاسرائيلي الذي لم يرضخ لاي مطلب عربي مهما صغر حجمه وقلت مكانته, وان تؤجل الاطراف العربية وبقرار من مؤتمر القمة العتيد فتح علاقاتها ايا تكون هذه العلاقات الا بعد انجاز التسوية النهائية مع الاسرائيليين واغلاق كل الملفات المفتوحة خاصة واننا ندرك ان ثمة معارك دامية وطاحنة لاتزال تلوح في الافق بما فيها معركة حق العودة للاجئين والتي قد تعيد المنطقة حتى بعد اعلان الدولة الفلسطينية الى حافة الهاوية, وان نعي جيدا حقيقة قد تكون غاية بالاهمية ان مايهمنا هو وضع استراتيجية تفاوضية من خلال التوافق المسبق عليها عربيا وعلى كل المسارات التفاوضية بعيدا عن التسميات والصيغ السياسية التي يحملها هذا الطرف الاسرائيلي او ذاك يسارا او يمينا او وسطا المهم هو ان تخضع الحكومة الاسرائيلية الجالسة على طاولة التفاوض الى الحق العربي بما يؤمن لنا حالة من الاستقرار السياسي والامني ويعيد لنا حالة التوازن السياسي الفاعل والمجدي على المستويين الاقليمي والدولي ومن هذا المنطق لابد وان تعيد القمة استنادا الى العنجهية والصلف الاسرائيلي المستند الى الموقف الامريكي, مفهوم الامن القومي العربي خاصة بعد ان فشلت مقولة الامن القطري العربي وسقطت والى غير رجعة وان نوحد الرؤية الاستراتيجية العسكرية للعرب جميعا من خلال القمة القادمة, استنادا الى ان اسرائيل هي مصدر التهديد للامن القومي العربي برمته ولعل قصف مؤسسات الشريك الوحيد ــ السلطة الفلسطينية ــ راهنا لاسرائيل تعبر عن مدى التمادي والتهديد الدائم لاي بلد عربي قد يسعى لامتلاك قوة عسكرية مميزة وان لا نسقط من اجندتنا خيارات الحرب وهو كره لنا, وهذا الامر ليس لاسرائيل وحدها,رغم انها مبعث الخطر الاساسي بل لكل من تسول له نفسه الاعتداء على اطراف الامة المترامية على مساحة قارتين ومجاورة للقارة الثالثة وثمة تجارب كثيرة لاتزال تعاني منها بعض الدول العربيةو وهذا الامر لابد وان ينطلق من قناعة راسخة وثابتة في الشروع باحياء مؤسسات الامن القومي العربي, وبث الروح مجددا في مجلس الدفاع العربي المشترك وتنشيط الامانة العامة العسكرية لجامعة الدول العربية بما في ذلك احياء القيادة العامة الموحدة لجيوش الدول العربية التي تشكل رصيدا مهما لاي تنسيق عسكري في المستقبل بين الدول العربية وهذا بالضرورة يجب ان يتم بعيدا عن اي رؤية او شرط خارجي مهما بلغت قوته لانها قضية خاصة جدا لاتحتمل تدخل اية قوة خارجية وهي بحد ذاتها جزء من الامن الوطني ــ القومي على حد سواء وختاما لابد من التذكير ان قمة شرم الشيخ رغم الموقف منها سلبا ام ايجابا ليست بديلة عن مؤتمر القمة وان قمة شرم الشيخ رغم التصريحات التي اطلقت عن مدى نجاحها او فشلها لن تنتج سوى اتفاقات امنية راهنة وقصيرة الامد لحل مشكلة آنية اما القمة فهي بحد ذاتها قضية عربية لا تقبل التأويل او التسويف لانها انطلاقة جديدة في اعادة ترميم الواقع العربي المأزوم وبناء جسور من الثقة لاعتماد استراتيجية عربية لما قد يستجد. بقلم: عبدالكريم محمد _ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق