لا شك أن قمة شرم الشيخ وما ترتب عليها من نتائج قد ألقت بظلالها على القمة العربية المنتظر عقدها غدا, وبعد أن كانت هناك آمال عربية كبيرة في أن تخرج القمة بنتائج فعالة في اتجاه دعم الانتفاضة البطولية للشعب الفلسطيني والتي سقط خلالها العشرات من الشهداء والآلاف من المصابين, وذلك باستغلال حالة الغليان الموجودة في الشارع العربي بسبب المجازر الوحشية التي ارتكبتها القوات الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل. تراجعت هذه الآمال وبات الأمر محصورا الآن في سقف معين يرى المراقبون أن القمة لن تستطيع الخروج بأكثر منه وخاصة في ضوء ما تم الاتفاق عليه في شرم الشيخ (الملف) التقى د. محمد سعد أبو عامود أستاذ العلوم السياسية ود. عماد جاد الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية لالقاء الضوء على النتائج المتوقعة من القمة العربية, وحجم الضغوط الأمريكية على الدول العربية, والقمم العربية السابقة ومواقفها مع قضية الصراع العربي الاسرائيلي, والمتغيرات الدولية وهل جاءت ضد العرب وفي صالح الدولة العبرية, وغيرها من التساؤلات الأخرى. خلافات وهمية بداية يقول د. محمد سعد أبو عامود أستاذ العلوم السياسية: أنه وبغض النظر عما خرجت به قمة شرم الشيخ من نتائج فالقمة العربية التي ستعقد غدا عليها مسئوليات جسام ولا بد أن تكون بداية لمرحلة جديدة من العمل العربي المشترك ومن هنا يجب أن يكون القادة العرب على مستوى المسئولية وأن نتناسى كل الخلافات القائمة, فلم يعد هناك وقت لذلك, وخاصة أن هذه الخلافات في أغلبها خلافات وهمية ونستطيع بسهولة أن نتخطاها اذا سلمت النوايا وتوافرت الارادة السياسية الحقة, لأنه لا يوجد شئ يدخل في نطاق التعارض الحقيقي في المصالح بين الدول العربية. مطلوب منا في هذه المرحلة الحرجة أن نتجاوز خلافاتنا ونؤجلها ونسعى لاتخاذ بعض المواقف الأساسية التي تدعم الموقف الفلسطيني وأولها: توفير الدعم المادي والمعنوي الذي يكفل استمرار الانتفاضة, وثانيها: توفير غطاء عربي للحركة الدبلوماسية الفلسطينية بمعنى أنه لم يعد من الممكن أن تتحرك الدبلوماسية الفلسطينية بمفردها دون وجود دعم وغطاء عربي كامل لهذا التحرك, وإن كان عرفات في واقع الأمر نجح خلال كامب ديفيد الثانية في اضفاء نوع من أنواع الغطاء العربي الاسلامي لنشاطه الدبلوماسي عندما أعلن أن القدس ليست قضية فلسطينية وإنما هي قضية عربية واسلامية. ويضيف د. محمد سعد أبو عامود, وثالث هذه الأمور أنه لابد أن يتخذ القادة العرب خلال القمة موقفا تجاه الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن ثبت وبما لا يدع مجالا للشك أنها ليست طرفا محايدا, بل متحيز للجانب الاسرائيلي لدرجة أنه يبدو أحيانا أكثر تطرفا في مواقفه من الطرف الاسرائيلي نفسه, ولذلك لابد من اعادة النظر في الكيفية التي تدار بها العلاقات العربية مع الولايات المتحدة, وعلينا أن نتذكر دوما أن الرئيس بيل كلينتون ووزيرة خارجيته مادلين أولبرايت أبديا أسفهما وحزنهما الشديدين لمقتل اثنين من الجنود الاسرائيليين كانا قد تسللا في زي عربي من أجل ارتكاب مذبحة ضد الفلسطينيين, في حين لم تحرك مشاعرهما المجازر التي يرتكبها الصهاينة ضد الشعب الفلسطيني والتي أدت الى سقوط العشرات من الشهداء وبصورة يومية, لابد أن يكون واضحا في أذهان القادة العرب خلال قمتهم غدا أن الأمريكيين لم يحترموا مشاعرنا تجاه شهدائنا الذين قتلوا أمامنا. ورابعهما: نحن لا نطالب باستخدام سلاح البترول كما استخدم من قبل خلال حرب 1973 ولكن على الدول البترولية أن تعي أنه بمجرد انتهاء الأهمية الاستراتيجية لهذه السلعة فإن الولايات المتحدة لن تبدي أي اهتمام بالدول العربية البترولية, وبالتالي علينا أن نبحث عن مصالحنا ونسعى لأن نكون دولا قوية لها وزنها في مجال السياسة الدولية, بعبارة أخرى يجب أن نفكر في استخدام البترول كأداة للضغط على الولايات المتحدة, وليس هذا عيبا فكل الدول تستخدم ما لديها من أوراق وأدوات لتحقيق مصالحها, وسبق للولايات المتحدة أن فعلت ذلك مع مصر عندما استخدمت سلاح القمح للضغط عليها, وخامس الأمور التي يجب أن تبحثها القمة العربية ضرورة القيام بخطة اعلامية تظهر ما قدمه الفلسطينيون وما قدم لهم منذ أوسلو حتى الآن, علينا أن نوضح أن الفلسطينيين بقبولهم بالقرار 242 قد تنازلوا عن 77% من الأراضي الفلسطينية الأصلية, وأن ما تبقى لهم هو 23% فقط, وأن اسرائيل تريد أن تشاركهم في هذه النسبة الباقية وهذا أمر غير مقبول على الاطلاق. وسادسها: يجب على القادة العرب أن يضعوا استراتيجية للتحرك لابراز الانتهاكات العلنية الاسرائيلية لحقوق الانسان في الأراضي المحتلة سواء من حيث المعاملة في السجون أو العقاب الجماعي والحصار وغيرها من الأمور الأخرى, وخاصة أنه من الواضح أن اسرائيل سوف تلعب خلال الفترة المقبلة بورقة فرض الحصار على الفلسطينيين لمنع دخول الأغذية والأدوية ولا بد من الضغط عليها لمنعها من القيام بمثل هذه الأعمال المنافية لأحكام القانون الدولي ولاتفاقيات جنيف الخاصة بأوضاع اللاجئين تحت الاحتلال.. وأخيرا يجب أن يكون على الأجندة العربية خلال اجتماع غد دراسة حول امكانية المقاطعة العربية للسلع الاسرائيلية والأمريكية, فلا يوجد مانع من ذلك ولا داعي لخشية الولايات المتحدة فهناك دول عديدة فعلت ذلك مثل الصين وكوريا الشمالية وغيرهم كثيرون نجحوا في مقاومة الصلف الأمريكي. بيانات الشجب وفيما يتعلق بخوف البعض من أن تخرج القمة العربية ببعض بيانات الشجب والادانة كما حدث في القمم السابقة يشير د. محمد سعد أبو عامود أنه لم يعد هناك مجال لبيانات الشجب والادانة, الوضع الحالي يحتاج قرارات واجراءات يمكن تطبيقها, وعلى كل الدول العربية أن تتعامل مع هذه القرارات بمنطق أنه ليس مطلوبا منها أن تنفذ كل القرارات التي تصدر عن القمة ولكن يمكنها أن تنفذ بعضها فقط, وعلى الدول الأخرى أن تقبل تحفظات الدول الأخرى على بعض القرارات وبصدر رحب, المهم أن تكون هناك درجة واضحة من درجات الالتزام والتطبيق للقرارات التي يتم اتخاذها. وحول ما يتردد من أن المتغيرات الدولية جاءت ضد العرب وفي صالح الدولة العبرية ومن هنا لابد أن يراعى ذلك عند اتخاذ بعض الاجراءات يقول د. محمد سعد أبو عامود: انني أعي تماما حقيقة المتغيرات الدولية القائمة, واذا كانت عناصر القوة التي تملكها كل دولة الهدف منها التأثير في موقف الآخرين بمعنى أن تفرض عليهم قبول شئ لا يرغبون فيه أو التخلي عن أشياء يرغبون في الاحتفاظ بها فمع انتفاضة الشعب الفلسطيني تأكد عجز أدوات القوة الاسرائيلية عن تحقيق أهدافها, فهذا الكم الكبير من الأسلحة في مواجهة الحجارة العربية لم يؤد الى نتائج ترضي غرور وصلف الجانب الاسرائيلي فنحن نرى الآن شبابا فلسطينيا يريد الشهادة ويتوق اليها, هذه الروح العظيمة التي أظهرت معدن الشعب العربي وحقيقته كأمة عربية حية لابد من توظيفها والاستفادة منها وعدم اجهاضها, فقدر الشعوب أنها لا يمكن أن تحقق أهدافها دون أن تدفع الثمن, وجميع شعوبنا العربية على استعداد لدفع هذا الثمن, واذا كان شارون قد حاول أن يرسم خريطة جديدة للتفاعلات السياسية بزيارته للأقصى, فإن أبطالنا في الأراضي المحتلة رسموا خريطة جديدة أبرزت محدودية تأثير آلة الحرب الاسرائيلية في مواجهة الشعب الأعزل في فلسطين الذي يتصدى لهم بالحجارة. درجة الالتزام وعن رأيه في مواقف القمم العربية السابقة وتفاعلها مع قضية الصراع العربي الاسرائيلي يرى د. محمد سعد أبو عامود أن عقد أغلب القمم العربية السابقة كان بسبب القضية الفلسطينية فهناك عدد كبير من القرارات التي صدرت بشأنها عن القمم السابقة ولكن لم يتم الالتزام بها, وكان آخرها قمة 1996 والتي صدر عنها مجموعة من القرارات الموضوعية التي يمكن تطبيقها, ولكن الذي حدث أن هذا التطبيق تأخر حتى عام 2000 وحتى اندلاع الانتفاضة, ويجب أن نعي جيدا أن قرارات القمة تتيح غطاء يسمح بحركة المناورة فمن خلال هذه القرارات تستطيع الدول العربية أن تتخذ الكثير من المواقف الايجابية واذا سئلت أو انتقدت من بعض الأطراف الخارجية تقول أنها أخذتها تحت ضغوط قرارات القمة العربية, وعموما فكل القمم التي عقدت منذ قمة أنشاص بالقاهرة وحتى آخر قمة عقدت في 96 كانت القضية الفلسطينية هي محور القرارات والمباحثات, وربما حدث تراجعا في الاهتمام بها خلال العشر سنوات الأخيرة وخاصة في أعقاب حرب الخليج الثانية, ولكن هذه الأيام عادت القضية الى مواقعها الأولى وظهر من التطورات الأخيرة أنها مازالت في وجدان الشارع العربي كله. وحول تعليقه على أن الوقت قد حان لأن يتم اقرار آلية عقد القمة بصفة دورية ودون الانتظار لوقوع أحداث حتى ندعو اليها يقول د. محمد سعد أبو عامود: قد لا يصدق البعض أن القادة العرب هم أكثر من عانى من تردي الأوضاع العربية خلال السنوات الماضية, عانوا من غطرسة الولايات المتحدة واسرائيل, ومن محاولات فرض أنواع من السياسات وأساليب الضغط العقيمة والتي لم تعد مقبولة, وأعتقد أنه يكفي ما عانته الشعوب وعاناه القادة العرب وخاصة خلال العشر سنوات الأخيرة في تردي الأوضاع العربية والخلافات التي فرقت الشمل العربي, المطلوب الآن اتخاذ قرارات لدعم حركة التنسيق والتضامن العربي للوصول الى حالة جديدة من العمل العربي المشترك ومن هنا لابد من أن يكون هناك اتفاق على عقد القمة العربية بصورة دورية وليكن عقدها كل 6 أشهر فنحن لسنا أقل من دول الاتحاد الأوروبي, دورية الانعقاد تعمل على تنقية الأجواء باستمرار بحيث لا توجد أية رواسب لتعكير العلاقات العربية ــ العربية, هذا الأمر مطلوب الآن وأكثر من أي وقت مضى ويكفي ما وصلنا اليه الآن من تراجع على كل المستويات, وهنا أحب أن أشير أيضا الى ضرورة أن تكون قرارات القمة ذات مستويات من حيث درجة الالتزام والإلزام, وهذا الكلام أخذت به دول الاتحاد الأوروبي حيث فرقت بين أنواع القرارات من حيث درجة الالتزام, وبحيث تظل هناك مساحة لدى الدول لمراعاة ظروفها وحساباتها. سقف مسبق واذا د. محمد سعد أبو عامود قد فضل أن يضع قمة شرم الشيخ وما وصلت اليه من نتائج جانبا وأن يركز على مطالبته للقادة العرب باتخاذ القرارات التي تحدد أسس ومعايير للعمل العربي المشترك خلال الفترة المقبلة وبحيث لا تظل اللقاءات العربية كنتيجة لردود افعال لا أفعال, فإن د. عماد جاد الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية يرى أن قمة شرم الشيخ قد ألقت بظلالها على ما يمكن أن تسفر عنه القمة العربية وأنه لا يمكن الحديث عن القمة العربية المقرر عقدها غدا دون التطرق لما حدث في شرم الشيخ. يقول د. عماد جاد: لقد وضعت قمة شرم الشيخ سقفا مسبقا لما يمكن أن تسفر عنه القمة العربية, فاذا كانت قمة شرم الشيخ قد انتهت الى اتفاقيات فلسطينية اسرائيلية لم يعلن عنها كما تردد فضلا عما أعلن من ضرورة العودة الى الأوضاع التي كانت سائدة قبل 28 سبتمبر الماضي قبل العدوان الاسرائيلي على أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية, مع تشكيل لجنة تقصي حقائق برئاسة الولايات المتحدة, واعادة ترتيب الأوراق لاستئناف آلية التفاوض من جديد, أي أننا الآن أصبحنا على أبواب مرحلة جديدة من التفاوض, وبالتالي فهذا يعني أنه قد تم وضع سقف لما يمكن أن تتخذه القمة العربية من قرارات, فلم يعد واردا على سبيل المثال وفي ظل ما تم في شرم الشيخ أن يطرح موضوع مقاطعة اسرائيل على جدول أعمال القمة العربية وهناك ترتيبات لاستئناف عملية التفاوض, لقد عادت القمة العربية التي ستعقد غدا من قمة كان ينتظر من ورائها الكثير الى قمة لن تختلف كثيرا عن قمة القاهرة عام 96 والتي تبنت أمرين أن السلام هو خيار استراتيجي, وربط التطبيع بالتسوية وهذا كل شئ أما الآمال التي كانت معقودة على القمة فأعتقد أنه لا مجال للحديث عن ذلك الآن. نظرة واقعية ولكن رغم ذلك يتمنى د. عماد جاد ألا يكون عقد القمة لمجرد أنه قد تم الاتفاق على موعدها سلفا وبالتالي تكون تأدية واجب, ربما هناك الكثير يمكن عمله خلالها, وخاصة فيما يتعلق بالمصالحة العربية فمن الممكن أن يتم خلال القمة عمل عربي باتجاه الاتفاق على تجاوز الخلافات والصراعات ويكفي ما حدث خلال السنوات الماضية, فالمفروض أن تكون هناك نظرة واقعية للأمور المحيطة بنا وبحيث تكون هناك اعادة لترتيب البيت العربي من الداخل ومن خلال تفعيل دور الجامعة العربية, لقد آن الأوان لأن يتم اقرار آلية دورية انعقاد القمة العربية فليس معقولا أن تكون كل اجتماعات ولقاءات القمة رد فعل, حدث ذلك عام 90 عندما حدث الغزو العراقي للكويت, وعام 96 كرد فعل للتصرفات الاسرائيلية في فترة حكم رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق نتانياهو المطلوب الآن وعلى الأقل أن يتم الاتفاق على آليات محددة نضمن من خلالها ألا تكون القمم العربية فعلا لا رد فعل. ترتيب البيت العربي وعن تعليقه عما يتردد من أن المتغيرات الدولية التي حدثت كانت كلها في صالح الدولة العبرية وضد العرب يقول د. عماد جاد: قبل أن نتحدث عن المتغيرات الدولية يجب أولا أن ننظر الى واقعنا وما آلت اليه الأوضاع العربية, لقد قلت من قبل المطلوب هو ترتيب البيت العربي من الداخل حتى يكون لنا قوتنا وكياننا الذي يحسب حسابه, وذلك بدلا من إلقاء اللوم على المتغيرات الدولية, وهنا يمكن أن نضرب بعض الأمثلة أليست هناك متغيرات دولية تقف ضد الصين وكوريا الشمالية, ومع ذلك فقد استطاعتا أن تتحديا هذه المتغيرات, وذلك من خلال استخدامهما للكروت وأوراق الضغط واللعب المتاحة لديهما, الأهم من الحديث عن المتغيرات الدولية التي تقف ضدنا هو أن نبحث عن آلية للتعاون والتنسيق ونحدد الأوراق المتاحة في أيدينا للضغط بها على الآخرين بدلا من الظهور دائما بمظهر الطرف الضعيف, نحن لدينا الكثير من الأوراق ومنها البترول ولكننا نحتاج لارادة سياسية قوية وقدرة على الفعل. وعن رأيه في أن هناك ضغوطا أمريكية تمارس دائما على الطرف العربي وهو ما يحد من القدرة على الفعل يرى د. عماد جاد أنه اذا تم ترتيب البيت العربي من الداخل وتم حل الخلافات والصراعات الموجودة بين العديد من الدول العربية وكانت هناك رؤية عربية واضحة تحكم الحاضر وأخرى تجاه التسوية, عندها ومهما تكون الضغوط الأمريكية فأعتقد أنها لن تفلح أبدا, وخاصة في ظل وجود العديد من الكروت في أيدي الطرف العربي والتي يستطيع اللعب بها, كما يحدث أحيانا بين أمريكا واليابانيين وأمريكا وأوروبا, كل منهم لديه الأوراق ولكن المهم كيف يستخدمونها؟ ونحن نرى ذلك خلال الحروب التجارية التي تنشأ بين هذه الدول. القاهرة ــ صالح الفتياني