القمة العربية القادمة ينبغى أن تكون مختلفة عن أية قمة سابقة, ليس فقط لانها تجيئ فى ظروف دقيقة تحيط بالعالم العربى, أو لأنها تنعقد بعد أن تمكن اليأس من انعقادها فى نفوس العرب, وبعد أن ظل التفرق والانقسام يسود الوضع العربى, ولكن لأن هناك عاملا جديدا غدا أقوى المتغيرات على الساحة العربية يحيط اليوم بهذه القمة. ويمارس الضغط على كل من فيها, وهو الشعب العربى, الذى أصبح صاحب الصوت الاعلى, بعد ان كان غائبا. فقد انفجر بركان الغضب فى الشارع العربى من المحيط الى الخليج, بعد نفاذ الصبر على الغرور والصلف الاسرائيلى, وامتلأت القلوب مرارة من الاعتداءات المتكررة على المقدسات ولم تعد هناك بقية من قدرة على الاحتمال لهذا الوضع المتردى فى عملية السلام, بعد أن قطعت اسرائيل كل الخيوط وحطمت كل الجهود فى تحد سافر واستفزاز فاضح, وبات على العرب ان يقولوا كلمتهم دفاعا عن الكرامة وذودا عن المقدسات واعلاء لصوت الحق فى مواجهة الباطل الاسرائيلى, وتأكيدا للعالم أجمع بأن الأمة العربية لاتزال قادرة على جمع كلمتها وان ضغوط اسرائيل لن تهز صمودها ولن تؤثر فى عزيمتها ولن تنجح فى اجبارها على التنازل عن حقوقها المشروعة فى مسيرة السلام. لقد كانت احداث الأقصى صدمة هزت ضمير الشعب العربى الذى مد يده للسلام مع اسرائيل فإذا بها تقصف الفلسطينيين العزل بالذخيرة الحية, وتأبى ان تعترف بالخطيئة وتصر على سلوكها الدموى وعدوانها الآثم, وعلى تحدى الجهود المبذولة لاحتواء الموقف, واذا كانت هذه الاحداث الدامية, غدت قضية كل مواطن عربى وليست قضية الفلسطينيين وحدهم الذين استفزهم تدنيس ارييل شارون للحرم القدسى, حيث شعر كل عربى بأنه هو الذى يتلقى فى صدره الرصاص الاسرائيلى فإن هناك اليوم كذلك مايشبه الاجماع فى المجتمع الدولى, على أن اسرائيل تتحمل المسئولية الكاملة ازاء ما وقع فى الاراضى الفلسطينية من مجازر بشعة وممارسات عدوانية واستفزازية أدت الى وقوع آلاف الضحايا بين شهيد وجريح, الأمر الذى لم يشعل نيران التوتر فى المنطقة فحسب, وإنما جدد الشكوك حول مصداقية القبول الاسرائيلى للسلام. وكان من الطبيعى امام هذه التطورات الخطيرة ان يتم التعجيل بعقد القمة العربية التى ينبغى أن تكون رسالة الى اسرائيل بأن قوة البغى والباطل لا تقيم سلاما بل تدفع الى انفجار يعم المنطقة كلها تكون فيه اسرائيل هى أول الخاسرين, كما لابد أن تعلم اسرائيل أن عدوانها المتكرر على الأطفال والابرياء له نهاية, ولن يفت من عزيمة العرب للتمسك بحقوقهم المشروعة, وان بداية أى جهد لاحتواء الموقف المتفجر بالاراضى المحتلة يجب أن ينطلق من الوقف الفورى للاعمال العدوانية التى يقوم بها جنود الاحتلال ضد الشعب الفلسطينى, وبصفة خاصة فى القدس والحرم الشريف, ثم التزام اسرائيلى واضح يعكس وجود رغبة حقيقية فى القبول بالاحتكام لمرجعيات التفاوض التى دارت على أساسها عملية السلام, والتوقف عن مهزلة اضاعة الوقت باسم ضرورات التفاوض, بينما تتواصل محاولات فرض الأمر الواقع ومحاولات قمع الشعب الفلسطينى. ولعل أهم ماينبغى أن تتمخض عنه قمة القاهرة وشيكة الانعقاد, هو ربط المشروع السلمى ربطا مباشرا, بالانسحاب الاسرائيلى من جميع الاراضى العربية المحتلة مع ضمان الأمن المتكافئ والمتقابل للجميع, وليس الامن الأحادى الذى ينطوى على استباحة أمن الآخرين. لا يخفى على أحد أن السلام الذى اختاره العرب وفقا لمقررات الشرعية الدولية, يرتهن بوجود التزام اسرائيلى صريح بقبول الانسحاب الفورى من جميع الأراضى العربية المحتلة حتى حدود الرابع من يونيو 1967 والاقرار بحق اللاجئين الفلسطينيين فى العودة والتعويض. إن على قمة القاهرة أن توضح بجلاء ودون لبس, أن الأمة العربية اذا كانت قبلت السلام مع اسرائيل كاستراتيجية تحقق المصلحة المشتركة لكل شعوب المنطقة على السواء, فإنها لن تقبل الاستسلام لرؤية اسرائيلية ضيقة لمفهوم السلام الذى يعبر عنه التطرف الصهيونى كما انها لا تقبل بأى تفريط فى الاراضى العربية ولا فى الحقوق العربية مقابل هذا السلام, وان أى محاولة من أى طرف للتنصل من الالتزامات التى تم ابرامها يعنى حق الاطراف الاخرى فى التنصل تلقائيا من التزاماتها, وان السلام المنشود هو السلام الشامل وانه اذا كانت ضرورات المرونة والتيسير قد اقنعت الاطراف العربية بقبول التفاوض المنفرد على كل مسار, الا أن الأمر فى النهاية معلق بانجاز السلام على جميع المسارات وبنفس القواعد والمرجعيات التى تم التراضى عليها والقبول بها. فمن المعروف أن الخلل الذى تعانى منه عملية السلام العربية الاسرائيلية التى نخشى عليها من أن تلفظ أنفاسها, لا يكمن فقط فى اختلال موازين القوى الاستراتيجية فى غير مصلحة الحقوق العربية, وانما ايضا ــ فإن الشمول ــ فى مفهوم الالتزام العربى بالسلام, كخيار استراتيجى ومنذ قمة عام 1966 العربية, لم يقابله حتى الآن شمول مماثل فى الالتزام الاسرائيلى بالسلام. فرغم انهم يتحدثون فى اسرائيل عن السلام, الا ان السلام الذى يريده الاسرائيليون, على اختلاف انتماءاتهم الحزبية, ليس هو السلام الذى اختاره العرب, ويريده العالم فالالتزام العربى بالسلام يمتد ليشمل مبادئ اقراره واسلوب تحقيقه. والمبدأ الاساسى فى السلام, كما يريده العرب وتقره الشرعية الدولية هو الارض مقابل السلام, يلى ذلك حق الشعب الفلسطينى فى اقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس, أما السلام الذى يتحدث عنه الاسرائيليون, فهو انهاء حالة الحرب مع الدول العربية واقامة علاقات سلمية معها دون انسحاب من الضفة الغربية وغزة والجولان السورية ودون قيام دولة فلسطينية, اكتفاء بحكم ذاتى ادارى لسكان الضفة الغربية مع الاحتفاظ بالقدس الشرقية ضمن القدس الموحدة كعاصمة لاسرائيل. وعليه فالمطلوب من القمة العربية, قبل أى شئ آخر, ان تطلب التزاما اسرائيليا شاملا بالسلام ومبادئه, وان تتخذ من الوسائل مايكفل تحقيق هذا الالتزام, ويجب أن يكون الخطاب هنا موجها ليس الى الشعب الاسرائيلى وحده وانما ايضا الى اليهود الأمريكيين والى حكومة الولايات المتحدة, فضلا بطبيعة الحال عن المجتمع الدولى ككل ومنظمة الأمم المتحدة. أما اذا كان الفكر الصهيونى الاسرائيلى غير قادر على ان يرتفع الى مستوى مبادئ السلام فى وقت ظل قادرا فيه على اثارة الازمات, واحباط المفاوضات, فيجب الا يظل العرب الى الابد ملتزمين بما لا تنوى اسرائيل أو لا تستطيع الالتزام به. ومع تنادى الضمير العربى الى قمة عاجلة تحقق تطلع شعوب الأمة العربية الى بلورة موقف عربى موحد تجاه تفاقم الأوضاع والاحداث الدموية على الاراضى الفلسطينية وفى مقدمتها أرض الحرم القدسى الشريف, يثور الأمل فى أن تبدأ صفحة جديدة من العمل العربى المشترك فى وقت عصيب تجتازه قضية القدس التى تحتل أولوية مطلقة فى أجندة القمة, وفى الوقت نفسه تكتسب قمة القاهرة الطارئة أهمية متزايدة لكونها تحضيرا لتقنين آلية القمة العربية الدورية العادية وهى الآلية التى سوف تعيد ترتيب البيت العربى الكبير. فهل تكون القمة العربية القادمة هى قمة الكرامة العربية فى مواجهة الصلف الاسرائيلى, وقمة التضامن فى مواجهة المحن, وقمة العمل العربى المشترك لتصحيح مسيرة السلام؟ هل تكون القمة مناسبة يقول فيها العرب لا للضغوط الاسرائيلية وانه لا مساس بالقدس الشرقية أرضا فلسطينية عربية, ولا مساس بحق السيادة عليها وبحقوق المسلمين والمسيحيين فيها, ولا لأى محاولات اسرائيلية للتهرب من التزامات السلام الشامل والعادل؟ هل تكون قمة القاهرة 2000 قمة الفعل العربى على الساحتين الاقليمية والدولية؟ وليس مجرد الاكتفاء بالادانة والاستنكار للاعتداءات الاسرائيلية المهينة للكرامة العربية. بقلم: د.محمود مرتضى _ كاتب سياسى مصرى