في غياب الانتصارات الفعلية التي يفتقر اليها العربي منذ عقود وفي ظل الافتقار الى التضامن الحقيقي الصادق بين الاقطار العربية تكتسي اجتماعات القمة هالة من الاحتفالية المبالغة لتتحول الى شكل من اشكال التعويض الرمزي, عن الاخفاقات والاحباطات التي يشهدها الواقع والى انتصار يقدم هدية عزيزة الى الامة وبعد ان يتم الاعداد للقمة بمشقة وعناء قل نظيرهما في أمم الارض الاخرى. وفي ظل انشغال الاقطار العربية بشئونها وشجونها الداخلية والخاصة وانصرافها الى رهاناتها الاقليمية او الدولية المتنافرة, يبدو الاقدام على اللقاء على مستوى القادة, لبحث الشأن القومي العام والمشترك بمثابة تنازل او منة يتطلب الحصول عليها احيانا جهدا كبيرا يهدر في حث الخطى المتثاقلة وارضاء الخواطر وتهوين المصاعب والتخفيف من ثقل اعباء الواجب القومي ومداراة المشاعر والحساسية والمصالح الضيقة. وأدت ندرة اجتماعات القمة العربية الى اعتبار مجرد انعقادها نصرا قوميا ايا كان مستوى الاعداد لها وايا تكون جدية القرارات التي تصدر عنها وايا تكون نية الالتزام بهذه القرارات. فإن التحديات المتراكمة والمستجدة تطرح الآن ضرورة احداث نقلة نوعية في العمل العربي المشترك وترتب على القمة العربية الطارئة المقرر انعقادها هذا الشهر مهاما تأسيسية على صعيد التضامن العربي كيلا تصل الحال المأساوية المزمنة الى حد الكارثة المحققة وما زال بوسع القادة احياء الاطر والهيئات الفاعلة والمهملة على مستوى جامعة الدول العربية وعلى مستوى القمة بوصفها مؤسسة بحد ذاتها وذلك كي لا تبقى القمم مجرد رد فعل للأحداث الطارئة ومحطة عابرة لا تترك اثرا قوميا ودوليا. ولعل القضية الكبرى التي حركت القادة العرب الى اجتماعهم على مستوى القمة ستشكل هذه المرة اختبارا مفصليا حاسما بين الاستمرار في حال الضعف والتراخي والتهاون وبين التأسيس لتضامن عربي فاعل يترجم شعار انقاذ القدس الذي تعقد القمة تحت رايته الى مواقف عملية تعيد للأمة العربية مكانتها انطلاقا من التضامن الجدي الكامل مع الشعب الفلسطيني وانتفاضته المجيدة لتأكيد عروبة القدس. ذلك ان هذه القضية بلغت حدودا قصوى لم تعد تحتمل التهاون والارجاء والحلول الوسط او ايكالها الى قوى خارجية كبرى او صغرى او رهنها بمصالح قطرية ضيقة او طموحات اقليمية. والواقع ان القمة الحالية اما ان تكون اخر القمم واما ان تؤسس لنهوض قومي يعيد للعرب مكانتهم بين الأمم. واجتماعات القمة العربية كما هو معلوم بدأت عام 1964 على أمل ان تشكل هيكلية مقننة للنظام العربي العام وتقرر عام 1973 في القمة السادسة التي عقدت في الجزائر ان تكون الاجتماعات سنوية الا انه لم يتم الالتزام بذلك. وجرت في القمم اللاحقة, العادية والطارئة محاولات لتجديد موعد انعقاد دوري للقمة ولكن بدون جدوى وكانت آخر المحاولات عام 1990 اذ قرر القادة العرب عقد اجتماعات سنوية لكنهم لم يعودوا الى الاجتماع الا بعد ستة اعوام في قمة طارئة عام 96. واذا كانت الاحداث التي وقعت مطلع التسعينيات على المستوى العربي وعلى المستوى الدولي حالت دون لقاء القادة العرب. فإن هذه الاحداث ولا سيما ظاهرة التكتلات الاقليمية والقارية التي تنامت عالميا في السنوات الماضية وكانت من زاوية اخرى سببا كافيا لحث العرب على اللقاء والتعاون للسعي الى تبوء موقعهم في النظام العالمي ووضع حد لحال الضعف والتشرذم. وفي هذا الصدد لابد من التنويه ان قمة العام 96 اقرت من حيث المبدأ الوثائق التي اعدتها اللجان المختصة لدى جامعة الدول العربية وهي تنص على ترسيخ القمة كمؤسسة تدير استراتيجية عربية موحدة تقوم على الالتزام بعدد من المبادىء التي تؤكد على الالتزام القومي الى الامة العربية وتراثها الحضاري والحفاظ على الهوية القومية باعتباره واجبا قوميا. والايمان بثقافة الامة ومصيرها المشترك في وجه التحديات دفاعا عن وجودها ومستقبلها. إلا ان كل هذه التوجهات ظلت حبرا على ورق كحال معظم القرارات الرسمية الصادرة في ختام القمة. والقمة الحالية هي من زاوية البواعث الرئيسية لانعقاد يشكل امتدادا للقمة السابقة التي نصت مقرراتها بوضوح على ان الحكومة الاسرائيلية برئاسة نتانياهو اذا لم يعد النظر في سياساتها فإن الدول العربية ولاسيما منها تلك التي لها علاقات باسرائيل ستعيد النظر في هذه العلاقات وان العرب سيعملون على اعادة المقاطعة التي كانت قائمة في شكل شامل ضد اسرائيل. لكن نتانياهو مضى في تعنته غير عابىء بهذه التحذيرات التي لم تظهر الجهات العربية المعنية اية رغبة جدية في تنفيذها وظل دعاة التطبيع ماضون في دعواتهم وبمباركة امريكية وضغط مستمر من واشنطن للحيلولة دون عقد قمة عربية اخرى بهدف التصدي لاسرائيل وترجمة ما تقرر عام 96 الى مواقف عملية ملموسة. فهل تحقق قمة العام 2000 المرجو منها فتطبق بل تطور ما تقرر قبل اربعة اعوام وتكرس وجود وبقاء ما يطلق بعد عليه صفة النظام العربي الذي اوشك ان ينهار لمصلحة نظام آخر في المنطقة عنوانه الشرق الاوسط الجديد يقوم على سلسلة اتفاقات منفردة عربية اسرائيلية برعاية امريكية تكرس مركزية اسرائيل في المنطقة؟ لقد جاءت القمة العربية متأخرة بمقاييس مختلفة: فهي تأخرت كثيرا عن القمة السابقة بعد اخفاق القادة العرب في محاولاتهم المتكررة للعودة الى الاجتماع خلال الاعوام الاربعة, ولا يبدو مقنعا لكثير من المراقبين ان تقديم موعدها الذي كان مقررا مطلع العام المقبل الى الموعد الحالي خطوة كافية لمواكبة التطورات الخطيرة في فلسطين اذ كان من الممكن اتخاذ خطوات سريعة وفورية لمواكبة هذه التطورات التي تقاس بالايام بل بالساعات في حين ان الموعد المحدد لانعقاد القمة ترك فسحة زمنية فارغة يخشى ان تملأ بما لا تحمد عقباه في الواحد والعشرين من هذا الشهر, وفي حين تسعى الادارة الامريكية الى عقد قمة مصغرة في شرم الشيخ او غيرها لترتيب الامور بين اسرائيل والفلسطينيين برعاية امريكية وبشهادة بعض العرب وبالتأكيد وضع القمة العربية الموسعة امام امر واقع يعفيها او يحرمها خوض معركة القدس في هذا الوقت فإن الخطير في الامر ان بعض الاوساط الدبلوماسية المطلعة اشاعت ان القمة الموسعة مطلوبة امريكيا هذه المرة وذلك تمهيدا لصفقة شاملة تنتقل بالصراع العربي الاسرائيلي الى طور جديد بتنازلات جماعية من اجل اتفاقيات ثنائية وبهدف الحيلولة دون ان تفلت الامور بعد ان احدثت الانتفاضة الفلسطينية موجة غضب عارمة في الشارع العربي ظهر في اكثر من عاصمة. لقد ظلت واشنطن تعارض وتقاوم عقد قمة عربية شاملة منذ اربعة اعوام خشية تعريض سياستها في المنطقة للنقد والمعارضة من قبل العرب وخشية مشاركتها من قبل قوى دولية اخرى في النفوذ والتأثير في المنطقة. بقلم: سامي العياش _ كاتب لبناني