منذ عام 96 لم تقم في الوطن العربي قمة عربية كاملة بمعناها الواضح والمفهوم, وان كانت قد تمت بعض القمم الثنائية او الثلاثية هنا او هناك, وعلى الرغم من كم المشاكل العربية المتراكمة التي تتطلب تجمعا وتواجدا عربيا شاملا لإزالة خلافات الانظمة والحكومات, وتوحيد صف الامة العربية تجاه قضايا خارجية اكثر خطورة تهدد العالم العربي بأثره, إلا ان قمة بهذا الشأن لم تتم في الوقت الذي تجتمع فيه قمة سنوية لمنظمة الوحدة الافريقية, وقمة نصف سنوية منتظمة لدول الاتحاد الاوروبي, وهو الامر الذي يضع علامات استفهام كبرى حول مدى الخلافات العربية التي تحول دون تجمعهم في قمة شاملة, وعن مصير القمة المقرر عقدها غدا ومدى توافقها وتماشي قراراتها المنتظرة مع حجم ما يواجه العالم العربي الآن من تحدي اسرائيلي والعنف الذي يمارسه مع الشعب الفلسطيني, وقبل هذا وذاك مدى تأثير قمة شرم الشيخ على ما يمكن ان تتخذه القمة العربية من قرارات رادعة وموقف حاسم تجاه الصلف والارهاب الاسرائيلي. حول هذه التساؤلات التقى (الملف السياسي) في بروكسل محمود عباس وفيما يلي نص الحوار: * ما هي مدى انعكاسات قمة شرم الشيخ على القمة العربية وقراراتها؟ ــ قد لا نبالغ ونؤكد ما تردد من الشارع العربي والمعارضين لقمة شرم الشيخ من انها عقدت لتجهض القمة العربية, وذلك لان امريكا أرادت وتريد دائما ابقاء قواعد وخيوط اللعبة السياسية في يدها لتؤكد انها القوة الاعظم الوحيدة في العالم, دون تنازل عن تغيير مفهوم الراعي الاساسي لعملية السلام, واسرائيل من الناحية الثانية حريصة كل الحرص على عدم وضع القضية الفلسطينية على اجندة السياسة الدولية, لذلك فهي تعمل بأسلوب الحصار السياسي للطرف الذي تفاوضه وتعتمد على الانفراد بأطراف الصراع العربي الاسرائيلي كل على حدة, وقد تمثل ذلك في عقد اتفاقية السلام المنفردة مع مصر في كامب ديفيد, وهي تسعى لتكرار ذلك مع سوريا, واتفاقية أوسلو مع الفلسطينيين هي خير دليل على هذا الاسلوب, وقبول اسرائيل للتواجد الامريكي باستمرار كطرف بغض النظر عن نوعيته او تسميته بمشارك او راع او شاهد هو انطلاقا من ثقة الحكومة الاسرائيلية وتأكدها ان الادارة الامريكية تقف لجانبها دائما, وان اعلنت امريكا غير ذلك او حتى اختلفت مع اسرائيل فيكون ذلك فقط على الاسلوب في تنفيذ التوصل لتنفيذ المصالح الاستراتيجية الامريكية الاسرائيلية او التوقيت او سرعة او بطء التحرك, وقد لزم هذا التوضيح لنعرف لماذا قبل باراك المشاركة في قمة شرم الشيخ, وبشكل موضوعي يمكن التأكيد على ان نتائج قمة شرم الشيخ سيكون لها اثر كبير في تخفيف ما يمكن ان تتخذه القمة العربية من قرارات. الا ان مشاركة كل من الامين العام للأمم المتحدة (كوفي عنان) ومنسق الاتحاد الاوروبي للشئون الخارجية (خافيير سولانا) والعاهل الاردني (الملك عبدالله) مع (حسني مبارك) رئيس جمهورية مصر العربية التي استضافت القمة وجمعت طرفي الصراع الاساسي عرفات وباراك افسد نسبة نوعية من الاهداف الامريكية الاسرائيلية, لأن مصر نجحت في عملية تدويل نسبي للقضية الفلسطينية, والقمة التي ستعقد غدا حققت من شرم الشيخ بعض أوراق النصر السياسي مسبقا يتمثل في: ــ الاعلان امام العالم كله ان العرب دعاة سلام وليس حرب, والدليل هو مساعي دولة عربية كبرى مثل مصر في عقد قمة شرم الشيخ وجعل طرفي الصراع الاساسي (عرفات وباراك) يجلسان على مائدة مفاوضات واحدة بالرغم من سيل دم شهداء فلسطين, وهذه نقطة مهمة على العرب استثمارها في الاعلام الدولي. ــ الاستناد لنتائج قمة شرم الشيخ التي لم تأت كما كانت الشعوب العربية تريد منها, وهي ستساعد القمة العربية على الارتكان العاقل لارادة الشعوب العربية, والخروج بقرارات تهدف لارضاء الشارع العربي حتى لا تتفاقم حدة الغضبة العربية الشعبية, والتي من الممكن ان تؤثر على وجود بعض الانظمة العربية, ولا استبعد قرارا من القمة العربية بوقف التطبيع او تقليل اعداد البعثات الدبلوماسية والتجارية الاسرائيلية الموجودة في الدول العربية. * هل تتوقع ان تكون القمة العربية مرحلة جديدة تمهد الطريق لتضامن عربي؟ ــ القمة العربية التي تنعقد غدا في ظل وجود اعتداءات اسرائيلية سافرة على الشعب الفلسطيني في الاراضي المحتلة هي اختبار قومي ممكن ان يتحول لبداية انتصار, وممكن ان يتحول ايضا لانتحار, ولا أقول ان القمة ستمهد الطريق للتضامن, لكنها ستؤكد ضرورته وتبعث صحوة على مستوى الحكومات العربية, والمناخ اليوم ملائم جدا لذلك, فالنجاح في امتحان ضمير القمة سوف لا يتحقق الا بخروجها بقرارات سياسية عاقلة تكون ركيزة لوضع آليات تنفيذ مستقبلية تلبي مطالب الشعوب العربية من حكوماتها وهذا هو الانتصار بعينه, فالشعوب العربية هي متضامنة اما الانظمة العربية فهي على خلافات. وقد يحدث الانتحار الذي لا نتمناه لو جاءت قرارات القمة وبيانها الختامي مخيبا لآمال الشعوب العربية ويقتصر على التنديد والشجب لأعمال العنف الاسرائيلي, وحرارة الارادة الشعبية العربية اليوم تختلف عن مجزرة صبرا وشاتيلا عام 82 في لبنان وتختلف عن مذبحة قانا, فمن الواضح ان الصبر العربي قد نفد وهو الامر الذي ينذر بارتفاع روح المقاومة. * لكن ماذا تقصد بالانتحار بالتحديد؟ وانتحار من؟ ــ الانتحار الجبري لبعض الحكومات العربية حينما تغلق عيونها وتصم آذانها وتغض النظر عن ارادة شعوبها, فالغضبة العربية هي سلاح له اكثر من حد فهي من الممكن ان تؤدي الضغوط لحدوث حالة من الانفجار التي قد تحدث تغيرات جذرية بالمنطقة ولا يجب اغفال وجود احتمال استراتيجي كبير ان اسرائيل تخطط لجر العرب لحرب جديدة, وهنا لا قدر الله لو وقع العرب في المحظور في هذه المصيدة نتساءل هل العرب في ظل الخلافات على استعداد لدخول حرب؟.... وهل تستطيع الجيوش العربية الدخول لحرب في ظل التوازنات الحالية. أجرى الحوار: سعيد السبكي