هذه حكاية عن الكذب والحقد والكراهية والموت, انها قصة عجزنا, بعد اكثر من نصف قرن, عن فهم الظلم الواقع على الشرق الاوسط, انها حكاية عن جزء من العالم يبدو فيه من الطبيعي, وبعد ان شاهدت مرارا على شاشات التلفزيون جنازة الطفل سامي ابوجزر الذي قتل برصاصة اطلقها الجنود الاسرائيليون واخترقت رأسه, يبدو طبيعيا ان تركل جمهرة من الناس عميلين سريين اسرائيليين حتى الموت, انها قصة امة تدعي (نظافة اليد) ثم تطلق الصواريخ على بيوت المدنيين وزعم بعد ذلك انها (تحافظ على الامن), انها قصة اناس اغضبهم كثيرا قتل نحو مئة فلسطيني فحاولوا نسف مدمرة امريكية بكاملها. انها ببساطة هكذا, عندما دلفت إلى محل لنسخ الصور ظهر امس, حياني الاطفال بابتسامة تملؤها النشوة وهم يقولون: (هل سمعت عن الهجوم على السفينة الامريكية؟), واضاف احدهم (هناك قتلى امريكيون) ثم احاطت بي الابتسامات من كل جانب, وفي ركن من المحل, ظهرت على شاشة تلفزيون صغير طائرة (اباتشي) اسرائيلية وهي تطلق صاروخا على مقر ياسر عرفات في غزة. بعد سبع سنوات, شاهدنا على قناة (سي ان ان) التلفزيونية رئيس الوزراء الاسرائيلي يصافح ياسر عرفات يدا بيد وفي لقطة حية من حديقة البيت الابيض, واليوم, وفي لقطة حية ايضا, لكن من غزة نشاهد طيارا ينفذ امرا من رئيس الوزراء الاسرائيلي بقتل ياسر عرفات عن طريق نسف مقره. وكالعادة الليلة قبل الماضية, قام معدو نشرات الاخبار التلفزيونية, الخانعون الذين يشوهون المعلومات, بصرف عقولنا عن الحقيقة, لم يسألوا لماذا اعدم الفلسطينيون الاسرائيليين اللذين اتيا متخفيين؟ بدلا من ذلك سألوا: لماذا لم تقم الشرطة الفلسطينية بحمايتهما؟ لم يسألوا: لماذا قام استشهادي على قارب مطاطي بالهجوم على المدمرة الامريكية (يو اس اس كول)؟ وبدلا من ذلك تساءلوا: من هو؟ ولصالح من كان يعمل؟ ثم اجروا تحقيقات صحفية مع مسئولين في وزارة الدفاع الامريكية (البنتاجون) الذين سارعوا إلى شجب الارهاب, سؤالهم دائماً: من؟ ماذا؟ لكنهم لا يسألون: لماذا؟ ابدا. من المحتمل طبعا ان اسامة بن لادن, احد احدث الشخصيات المكروهة من امريكا, قد اوعز, بسلوكه وليس بتوجيهات مباشرة, بالهجوم على المدمرة الامريكية, وينتمي بن لادن في الاصل إلى اسرة يمنية, وقد طلبت اليمن في وقت سابق هذا الاسبوع السماح لها بارسال اسلحة إلى الفلسطينيين في الارض المحتلة, بعد ان اثارتها على ما يبدو صورة طفل فلسطيني في الثانية عشرة من عمره يموت بين زراعي والده في غزة بعد ان اطلق الجنود الاسرائيليون النار عليه, لكن هناك الكثير من الهجمات ضد الاحتلال الاسرائيلي في لبنان نفذها شباب لا علاقة لهم بالصفوة السياسية العربية, وكان دافعهم الحنق من قسمة مغبونة فرضت عليهم, وربما كان ما حدث في اليمن من هذا القبيل. عندما وقع ياسر عرفات اتفاق اوسلو قبل سبع سنوات, قليلون هم الذين سألوا: متى تنهار هذه الاتفاقية البائسة اليائسة للسلام؟ فكرت وقتها انها ستنتهي بالعنف, لان الفلسطينيين قد ارغموا بواسطة الامريكيين والاسرائيليين على توقيع سلام لا يمنحهم دولة ولا ينهي وجود المستوطنات الاسرائيلية في الارض العربية ولا عاصمة في القدس العربية. كتبت ان عرفات قد تم تحويله من (ارهابي سوبر) إلى (رجل دولة سوبر) لكن بالامكان وبسهولة اعادته إلى دور (الارهابي السوبر) وقد حدث, بالامس شاركني المتحدث الاسرائيلي آني بازنر حوارا مع محطة (بي بي سي) وصف خلاله عرفات بالارهابي. وللاسف, لم يعد هناك ما يدهش أو ما ينقذ عجزنا المستمر عن ادراك ما يمكن ان يحدث عندما يبقى مجتمع بأكمله في قدر للضغط إلى درجة الانفجار, البارحة كان مسئول في البنتاجون يقول ان الحكومة الامريكية تحاول ان تعرف ما اذا كان للهجوم على المدمرة (كول) صلة بالعنف في الشرق الاوسط, ومرة اخرى: صلة؟ العنف؟ من يشك لحظة في ان محاولة اغراق المدمرة وطاقمها المؤلف من 350 امريكيا كانت موجهة إلى دولة قد تم تحميلها مسئولية عشرات المدنيين الفلسطينيين بواسطة الاسرائيليين؟ ان الولايات المتحدة رغم فخاخ التصفيق التي تنصبها مادلين اولبرايت بالحديث عن (الوسيط النزيه) هي حليفة لاسرائيل. منذ محاولة عرفات مغادرة مقر السفير الامريكي في باريس قبل اسبوعين, وضع الفلسطينيون المسئولية في ذلك على عاتق امريكا, واذا ارادت الولايات المتحدة الاستمرار في دعم حليف يطلق النار ليقتل الفلسطينيين في شوارع الارض المحتلة, فانها تتحمل المسئولية وستدفع الثمن. هذا بالطبع لا يبرر قتل العميلين الاسرائيليين المسلحين أو انتهاك قبر يوسف في نابلس أو بالتأكيد قتل المستوطنين الاسرائيليين, لكن الوحشية الفلسطينية تفسرها الوحشية الاسرائيلية, ان عدد القتلى الفلسطينيين حتى الان ساوى تقريبا عدد القتلى في قانا عام 1996 عندما ذبح الجنود الاسرائيليون برصاصهم 106 من المدنيين اللبنانيين, اسميناها مجزرة, الاسرائيليون قالوا انها (غلطة), عدد القتلى هنا نحو خمسة بالمئة من قتلى مخيمي صابرا وشاتيلا حيث قتلت الميليشيات الاسرائيلية نحو الفي مدني فلسطيني, واسمينا تلك ايضا مجزرة, ومرة اخرى قالت اسرائيل انها غلطة, وهي تقول الان ان قتل الطفل البالغ من العمر 12 عاما وسامي ابوجزر البالغ من العمر سبع سنوات (غلطة). وبالامس, وكأن الصحفيين فقدوا الذاكرة المهنية التي تضيء طريقهم, اعطوا اهمية لمزاعم اسرائيل الغريبة بانها اطلقت النار على (الاهداف العسكرية) فقط وان المدنيين في غزة (نبهوا لاخلاء) المناطق التي سيتم قصفها, لعلني اذكر ان الاسرائيليين عام 1982 في لبنان قالوا انهم يطلقون النار (على الاهداف العسكرية فقط), لكنهم خلفوا كثر من 17000 قتيل من المدنيين خلال شهرين فقط, هل اتذكر ان الاسرائيليين امروا سكان قرية المنصوري باخلائها قبل قصفها عام 1996, ثم هاجموا سيارات السكان على الطريق بعد ذلك, واطلقوا قذيفة صاروخية على سيارة اسعاف وقتلوا اربعة اطفال وثلاث نساء كانوا بداخلها, والقذيفة هي بالطبع من صنع شركة بوينج الامريكية. بقلم: روبرت فيسك عن (الاندبندنت)