اصدر مجلس المطارنة الموارنة في لبنان مؤخرا وبعد اجتماع عقده برئاسة البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير بيانا هاجم فيه استمرار الوجود السوري في لبنان, ودعا الى انسحاب القوات السورية استنادا على قرار مجلس الامن رقم 520. ويلاحظ هنا ان مجلس الموارنة قفز فوق (اتفاق الطائف). و (معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق). لكن معالجة الوجود السوري في لبنان بالقرار 520 اوقعت المجلس في خطأ استراتيجي. ولعل من المفيد قراءة القرار 520 ومعرفة ما اذا كانت حيثياته مازالت قائمة حتى الآن. ينص القرار 520 على التالي: ان مجلس الامن وقد نظر في تقرير الامين العام للامم المتحدة المؤرخ في 15 سبتمبر 1982. واذ يدين جريمة قتل بشير الجميل, الرئيس اللبناني المنتخب للبنان, الذي انتخب وفقا للدستور, وكل جهد يعطل بالعنف استعادة حكومة قوية ومستقرة في لبنان, وقد استمع الى بيان الممثل الدائم للبنان, واذ يحيط علما بتصميم لبنان على ضمان انسحاب كافة القوات غير اللبنانية من لبنان. 1ـ يكرر تأكيد قراراته 508 (1982) , 509 (1982) و 516 ( 1982) في كافة عناصرها. 2ـ يدين الاقتحامات الاسرائيلية الاخيرة في بيروت انتهاكا لاتفاقات وقف اطلاق النار ولقرارات مجلس الامن. 3ــ يطالب بالتراجع الفوري الى المواقع المحتلة من قبل اسرائيل قبل 15 سبتمبر 1982 كخطوة اولى نحو التنفيذ الكامل لقرارات مجلس الامن. 4ــ يدعو من جديد الى الاحترام الصارم لسيادة لبنان وسلامة اراضيه ووحدته واستقلاله السياسي تحت السلطة الوحيدة والمطلقة لحكومة لبنان بواسطة الجيش اللبناني في كل مكان من لبنان. 5ـ يكرر تأكيد قراريه 512 (1982) و 513 (1982) اللذين يدعوان الى احترام حقوق السكان المدنيين من دون تمييز, وينبذ كل اعمال العنف ضد اولئك السكان. 6ــ يدعم جهود الامين العام لتنفيذ القرار 516 (1982) حول نشر مراقبين للامم المتحدة لمراقبة الوضع في بيروت وحولها, ويطلب من كافة الاطراف المعنيين التعاون بشكل تام في تطبيق ذلك القرار. 7ــ يقرر ان يبقي المسألة قيد نظره, ويطلب من الامين العام ابقاء مجلس الامن على علم بالتطورات في اسرع ما يمكن وفي موعد لا يتجاوز اربعا وعشرين ساعة. حدود سبتمبر ذلك نص القرار 520 وادراجه لتبيان انه يستند الى نقطة رئيسية هي مطالبة اسرائيل بالتراجع الى حدود الخامس عشر من سبتمبر 1982 وبالتالي فانه في حال جرى البت بهذه النقطة وتم تنفيذها فان الحيثيات الاخرى للقرار تسقط تلقائيا, باعتبار ان مقولة (احترام سيادة لبنان) تتكرر باستمرار في كافة القرارات الاخرى الصادرة عن مجلس الامن وابرزها, مثلا قراره الرقم 508 والصادر في الخامس من يونيو عام 1982 وفيه: ان مجلس الامن اذ يؤكد من جديد الحاجة الى الاحترام الصادر لسلامة اراضي لبنان وسيادته واستقلاله السياسي داخل حدوده المعترف بها دوليا, يطالب اسرائيل بان تسحب كافة قواتها المسلحة حالا وبدون شروط الى الحدود المعترف بها دوليا. علي اي حال ماذا يقصد القرار 520 بتراجع اسرائيل الى حدود الخامس عشر من سبتمبر 1982؟ يربط احد القادة السياسيين في بيروت بوجوب متابعة بعض الوقائع اليومية التي حصلت آنذاك, ويتوقف عند الواقعة التالية: تقدمت القوات الاسرائيلية في بيروت الغربية, من خلال ستة محاور: الاوزاعي, الجناح, بئر حسن, المتحف, المرفأ, وطريق المطار, وراحت تنتشر في الاحياء تحت غطاء من القصف البحري والبري فوصلت الى محيط السفارة السوفييتية ومطعم (الغوندول) في المزرعة ومحيط فندق كارلتون في الرملة البيضاء ومحلة الفاكهاني ومخيم صبرا حيث دارت اشتباكات عنيفة, وطوقت مخيم شاتيلا, وفي الضاحية الجنوبية وصل الاسرائيليون الى الغبيري حيث جمد تقدمه. وفي 16 سبتمبر اي عشية صدور القرار 520 كانت قوات الاحتلال قد احكمت السيطرة على كل احياء (بيروت الغربية). ويضيف المراقب قائلا ان المفهوم الامريكي لهذا القرار قد ترجم برسالة بعثت بها الادارة الامريكية الى الحكومة الاسرائيلية تطالبها بالانسحاب الفوري من بيروت الغربية وقد بحثت فيها الحكومة الاسرائيلية في 19 سبتمبر, 1982. وكان لاري سبيكس الناطق باسم البيت الابيض, قد تلا بيانا في 16 سبتمبر, من ذاك العام, دعا فيه اسرائيل الى سحب قواتها فورا من بيروت الغربية معتبرا ان وجودها هناك يلحق ضررا كبيرا بجهود السلطات اللبنانية من اجل اعادة سيطرتها على هذا الجزء من العاصمة. ويؤسس المراقب السياسي على تلك المعطيات معتبرا انها وراء مطالبة القوى السياسية بكركي الى سحب القرار 520 من خطابها السياسي, واقفال ابوابها امام من نصحها باثارة هذه النقطة, ليس لانها خاطئة فحسب, وليس لان من شأنها اجهاض مكتسبات اتفاق الطائف المبدئية فحسب ايضا, بل لانها تؤسس ذاتها على مرحلة اسرائيلية سوداء لعبت فيها اطراف حزبية مسيحية دورا متقدما وخطرا ليس من مصلحة احد اعادته الى الواجهة. عودة (للطائف) والمعاهدة وينصح المراقب تلك القوى القيادات المارونية والمسيحية عامة بالتعاطي مع الوجود السوري في لبنان انطلاقا من اتفاق الطائف ومعاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق. فحسب هذا المراقب نفسه ان (الطائف) هو المستند القانوني الوحيد الذي يعالج الموضوع السوري على اساس ان الاتفاق قام على منطلقين واضحين, الاول يتعلق بالمبادىء العامة والاصلاحات, والآخر ببسط سيادة الدولة على كامل الاراضي اللبنانية. ويحدد المنطلق الثاني التعاطي مع ذلك الوجود في البند الذي يلي مباشرة بآخر يتعلق بانهاء مشكلة ظاهرة المهجرين التي افرزتها الحرب الاهلية. والتحديد يتم بالنص القائل في الاتفاق: (تقوم القوات السورية مشكورة بمساعدة قوات الشرعية اللبنانية لبسط سلطة الدولة اللبنانية في فترة زمنية محددة اقصاها سنتان تبدأ بعد التصديق على وثيقة الوفاق الوطني وانتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة الوفاق الوطني واقرار الاصلاحات السياسية بصورة دستورية. في نهاية هذه الفترة تقرر الحكومتان: الحكومة السورية, وحكومة الوفاق الوطني اللبنانية, اعادة تمركز القوات السورية في منطقتي البقاع الغربي في ضهر البيدر حتى خط حمانا, المديرج, وعين داره, واذا دعت الضرورة في مناطق اخرى يتم تحديدها بواسطة لجنة عسكرية لبنانية ــ سورية مشتركة, كما يتم الاتفاق بين الحكومتين على تحديد حجم وزمن تواجد القوات السورية في هذه المناطق. ذلك النص واضح في (اتفاق الطائف) لجهة وضع الوجود السوري وتمرحل اعادة انتشاره, لكن المعروف ان الجانب السياسي المسيحي اعترض على ذلك معتبرا انه ينتقص من السيادة اللبنانية, وعلى هذا الاعتبار تمت المقاطعة المسيحية للانتخابات النيابية التي اعقبت الطائف, وبالتالي رفض المشاركة في الحكم, باية اشكال كانت. لكن المراقبين يرون انه بالامكان تفهم هذه (السلبية) حتى 29 مايو 1991 اي لغاية اليوم الذي اجاز فيه مجلس النواب في القانون الرقم 57 للحكومة اللبنانية ابرام (معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق) بين لبنان وسوريا والتي اوضحت المادة الرابعة فيها مدى الوجود السوري في لبنان بحيث تخطى كليا ادخال الاصلاحات الدستورية المتعلقة بالصلاحيات على الدستور ليصل الى اصلاحات دستورية اخرى, اي الغاء الطائفية السياسية في لبنان. وتنص المادة الرابعة من المعاهدة التي وقعها الرئيس الراحل حافظ الاسد والياس الهراوي في 22 مايو 1991 على التالي: (بعد اقرار الاصلاحات السياسية بصورة دستورية وفقا لما ورد في الميثاق الوطني اللبناني, وعند انتهاء المهل المحددة بالميثاق, تقرر الحكومتان السورية واللبنانية اعادة تمركز القوات السورية في منطقة البقاع, ومدخل البقاع الغربي في ضهر البيدر حتى خط حمانا ــ المديرج, واذا دعت الضرورة في نقاط اخرى يتم تحديدها بواسطة لجنة عسكرية سورية ــ لبنانية مشتركة. كما يتم اتفاق بين الحكومتين يجري بموجبه تحديد حجم ومدة تواجد القوات السورية في المناطق المذكورة اعلاه, وتحديد علاقة هذه القوات مع سلطات الدولة اللبنانية في اماكن تواجدها. ذلك ما تنص عليه المعاهدة. حوارات مع القيادات (بيان الاربعاء) استطلع اراء عدد من القيادات الروحية والسياسية المسيحية حول الموضوع وهم: البطريرك نصرالله بطرس صفير وبطريرك انطاكية وسائر المشرق للروم الارثوذكس اغناطيوس الرابع, والسياسي المخضرم النائب العائد الدكتور البير مخيبر ورئيس حزب الوطنيين الاحرار دوري شمعون والقائد السابق للجيش اللبناني العماد ميشال عون واخيرا الوزير السابق ايلي حبيقة. وكان السؤال: لماذا هذا التجييش الروحي لا السياسي ضد الوجود السوري؟ هل الاجواء هي نفس الاجواء مع الفلسطينيين عام 1974؟ البطريرك صفير رفض الاجابة, مكتفيا بالقول (ما اصدرناه ونصدره للجميع يكفي في الوقت الحاضر).لكن بطريرك انطاكية اجاب على السؤال داعما موقف مجلس المطارنة بل طرح مواقف حادة منها على سبيل المثال: ـ يجب البحث في الحقيقة ومعالجتها, لا ان نكم الافواه. ـ لا اتخيل اننا سنصل الى مرحلة يمنع اللبناني فيها, ايا تكن افكاره, من التكلم في بيته وبلاده فاين تريدونه ان يقول مالديه؟ ـ اعتقد ان بعضهم نسى ان يكون وفيا للبلاد التي يعتاش منها ويقبض منها راتبه, قد تكون هناك معاشات اخرى, لا ادري. واذا كان البطريرك اغناطيوس الرابع يبرر موقف بكركي: لان ليس لدينا من السياسيين المسيحيين من يتكلم الحقيقة حيال سوريا, الا ان السياسي المخضرم النائب العائد الدكتور البير مخيبر كبير السن في المجلس الجديد يقوم باكثر من الواجب على ذلك الصعيد. * ردا على سؤال لـ (البيان) حول (كواليس) موقف بكركي من الوجود السوري؟ قال: يكفي ان ننظر الى ذلك التجمع الكبير من المواطنين الذين تقاطروا الى دار بكركي في مناسبة اليوبيل الذهبي لسياقة غبطة البطريرك الكاردينال نصر الله بطرس صفير (مطلع اكتوبر الجاري) ان هذا التجمع الذي لم يأخذ حقه في الاعلام الرسمي والخاص, يعني ان الشعب اغتنم هذه الفرصة ليقوم بهذا الزحف الوطني تأييدا لمواقف البطريرك الوطنية والتي يمكن اختصارها بطلب خروج (جميع الجيوش غير اللبنانية من ارضه) ومن ثم لافهام الدول العربية والشرق اوسطية والامم المتحدة والعالم, انه في ضوء الازمة النفسية التي ضاقت باللبنانيين جراء (الاحتلالات) اراد الشعب ان يعلن للملأ رفضه الوجود العسكري غير اللبناني على ارضه وان يذكر هذا العالم بان لبنان الدولة استقل قبل غيره من الدول المجاورة, وهو اول الدول العربية والشرق اوسطية الذي اسس الامم المتحدة, وخصوصا انه ساهم في اعلان شرعية حقوق الانسان بوجود رئيس الامم المتحدة في ذلك الوقت شارل مالك الى جانب السيدة ايليونور روزفلت. * لكن المسئولين السوريين لم يعلنوا يوما انهم متمسكون بدورهم العسكري في لبنان وان ما يمليه ضرورات امنية ووطنية تحددها الدولة اللبنانية التي لم تطلب يوما وحتى الآن منهم انهاء ذلك الدور؟ يجيب د. مخيبر: لا بأس, الشيء بالشيء يذكر, لقد وقع نظري على تصريحات لكبار السياسيين من عمدة العهد السوري الجديد, وقد شارك نائب الرئيس عبدالحليم خدام مع الرئيس الدكتور بشار الاسد في اثارة موضوع الحريات اذ قال خدام: الدستور ممتاز بنصوصه, وان القوانين موجودة, لكنها لا تراعي ولا يتم التزامها, وعلى سبيل المثال قانون الانتخابات ممتاز, ولكن التطبيق يصطدم بعقبات تشوه النتائج وتحورها. ـ يتابع مخيبر: كذلك صرح وزير الخارجية السورية فاروق الشرع قائلا (ان سوريا متمسكة بخيار السلام العادل والشامل), واكد ضرورة تعزيز العلاقة مع دول الجوار في البداية, ثم توطيد التضامن العربي. وقد افاض في الحديث عن ضرورة الاستمرار في العلاقات المميزة مع لبنان, كما الح على مزيد من تمتين العلاقة بين الدولتين, وهو ما كان قد قاله خدام مشددا على ضرورة احترام سيادة لبنان واستقلال قراره وخصوصا انه يلتزم التنسيق في المسائل الكبرى التزاما تاما. اعتبر ان هذه التصريحات تستحق التعليق لان نشرها في الصحف اللبنانية له مغزاه ومعناه ولتسمح لي بان اختصر مناقشتي وحواري بالآتي: سررت لاثارة خدام قضية الحريات وانتقاده عدم مراعاة القوانين, ولا يسعني الا ان اشكره على اثارة قضية الحريات علما, ان الديمقراطية ممكنة الا في ظل هذه الحريات. اما تصريح الوزير الشرع المؤيد لتصريح خدام عن احترام سيادة لبنان واستقلال قراره, فهو امر مشجع واقتناع جديد بمطالباتنا. لذلك فانني اغتنم هذا الظرف لدعوة الرئيس بشار الاسد الى تفهم الشعب للبناني وتمسكه بالحريات والاستقلال والسيادة الكاملة والشاملة لكل المناطق اللبنانية. كما ان الشعب اللبناني يرى نفسه الآن وبعد الانسحاب الاسرائيلي على مفترق طرق ليؤمن له انسحاب جميع الجيوش غير اللبنانية عن ارضه, وان انسحاب الجيش السوري يؤمن لسوريا التعاون المخلص مع كل الفرقاء والاستقرار للعهد الجديد. (الاحرار) بين الفلسطيني والسوري وحده رئيس حزب الوطنيين الاحرار دوري شمعون يمسك عن غير قصد عصا المطالبة بانسحاب السوريين بالتذكير بالموقف من الوجود الفلسطيني عام ,1974 لكن من خلال ربط الامور بحديثه عن الانتفاضة والمواجهات الفلسطينية في وجه الجيش الاسرائيلي. في فلسطين المحتلة. فيعتبر ان التظاهرات في لبنان دعما للانتفاضة (فوضى) لافتا في اطار مقابل ومكمل ان الذين رفضوا بيان المطارنة وصفير المطالب بانسحاب السوريين: تعمدوا اثارة الغرائز واستثارة المشاعر. * لماذا يادوري بك؟ ـ بالدرجة الاولى اننا نندد بالاعتداءات الاسرائيلية المستمرة على نطاق واسع ضد الفلسطينيين في الاراضي المحتلة, ونعتبر ان من شأن استمرارها القضاء على المكاسب التي تحققت في المفاوضات والتقدم الذي حصل على صعيد السعي الى حل سلمي للصراع العربي الاسرائيلي, لذا نناشد عواصم القرار ومنظمة الامم المتحدة اطلاق حركة غير تقليدية تؤدي الى وقف حمام الدم وحماية الشعب الفلسطيني والمقدسات المسيحية والاسلامية, وتحديد المسئولية عن المجازر وتهديد المسيرة السلمية. ونطالبها كذلك بممارسة الضغط على الحكومة الاسرائيلية والزامها العودة الى طاولة المفاوضات وتنفيذ القرارات الدولية القائمة على مبدأ السلام في مقابل الارض وايجاد حل عادل للاجئين الفلسطينيين ومراعاة حرمة الاماكن المقدسة. على صعيد آخر, نتقدم باصدق التعازي من اهالي الشهداء الذين سقطوا في المواجهات الدامية, في المقابل نستنكر الاصوات الشاذة التي ارتفعت في لبنان متخذة من مآسي فلسطينيي الداخل ومعاناتهم ذريعة للدعوة الى الفوضى الى حد اعلان نيتها, انتهاك القوانين اللبنانية, في محاولة للعودة الى ماض طوى اللبنانيون صفحته الى الابد بعدما دفعوا ثمن التجاوزات والانتهاكات من دمائهم واستقرارهم وعزة وطنهم. * انطلاقا من ذلك كيف ينظر حزب الوطنيين الاحرار الى الاصوات الرافضة لطرح بكركي الدعوة الى انسحاب السوريين في هذه المرحلة؟ ـ يجيب شمعون بالقول: لدي ملاحظات عدة على هذا الموضوع, اولها ان ردود الفعل على ذلك الطرح تتميز حتى الآن بالخفة والانفعال في محاولتها اليائسة تحويل الانظار عن الواقع الحقيقي الذي وصفه نداء المطارنة (لانسحاب السوريين) من منطلق وطني وبموضوعية وتجرد , بقصد تصحيح المسار ووقف الممارسات المستنكرة من طريق الحوار لتدعيم ركائز الوطن القوي, وتعزيز قواعد المواطنية الصحيحة. الملاحظة الثانية ان الغرائز تعمدت اثارة واستثارة المشاعر, وتعطيل لغة العقل والمنطق خصوصا الردود التي انحدرت الى ادنى مستوى من ادب التخاطب باعتمادها لغة الازمة, وسعت الى اعطاء صورة مشوهة للبنانيين لجماعات عاجزة عن حكم نفسها ويلزمها وحي يدير شئونها ويلجم غرائزها. اما الملاحظة الثالثة, فهي ان تلك الردود تحمل في غالبيتها بصمات من لهم مصلحة في تأجيج الاحقاد وتسعير الانقسامات وتوتير الاجواء, والتهديد بعودة الحروب كلما تجرأ احد اللبنانيين وطالب بخروج الجيش السوري انفاذا للاتفاقات المعقودة والقرارات الدولية, وفي مقدمتها القرار 520. ـ ويتابع رئيس (الاحرار) قائلا: اننا نؤكد ان السواد الاعظم من اللبنانيين براء من ردود فعل من يدعون تمثيلهم او من يوحي لقبهم او منصبهم ذلك, وعندنا ان كل الاعتبارات تسقط امام كلمة حق تقال دفاعا عن الوطن ووحدة ابنائه وعيشهم المشترك, ووفاقهم وحريتهم, خصوصا انها لم تدع يوما الى الخلاف مع سوريا, انما الى اقامة افضل العلاقات معها, على قاعدة الاعتراف المتبادل باستقلال كل من الدولتين وبحق كل منهما في تقرير مصيره واختيار نظامه السياسي, من هنا دعمنا الدائم لمواقف البطريرك صفير. لذلك فاننا نتوجه ايضا الى الذين استغربوا الانتقادات التي طاولت نتائج الانتخابات وحاولوا تحويرها والالتفاف عليها بكلامهم العمومي على صفات النواب الواعدة ومواقفهم المشرفة الموعودة, اننا اذ نستغرب استغرابهم, نذكرهم برأي المرجعيات المعنية الثابت والمعروف في قانون الانتخاب وفي ظروف اجراء الانتخابات, واقدامها مرارا وتكرارا على ادانة التدخلات الخارجية منها والداخلية, سواء بتقسيم الدوائر وفرض التحالفات وتركيب اللوائح او بممارسة شتى انواع الترغيب والترهيب, وهذا ما لا تزال الساحة تكرر صداه وصدى اصوات الرابحين والخاسرين المطالبة بتعديل قانون الانتخاب. ونريد ان نذكرهم, وخصوصا باقتناع هذه المرجعيات ومن تمثل, ان هناك قرارا بتعطيل التمثيل الصحيح للبنانيين عموما, وشكل المشاركة الفعلية, وتحقيق وحدة وطنية صورية ووفاق هش اساسه الارتباط بالخارج والولاء له, لذلك فانه لم يعد امام اللبنانيين سوى رفض الممارسات التي ستؤدي الى افراغ الثوابت من كل مضمون, بما في ذلك ضرب تعددية المجتمع اللبناني والنيل من كيان لبنان وتحويله إلى دولة تابعة. لبنان ليست سوريا القائد السابق للجيش العماد ميشال عون شارك في المداخلات من مقر اقامته في باريس عبر مكتبه في بيروت الذي يحمل اسم : (التيار الوطني الحر), وقد تلقينا منه الموقف التالي للعماد عون من تلك القضايا المطروحة: ليس من مهماتنا تقويم النموذج السوري للديمقراطية ولا من غايتنا تغيير وسائل ما يجري في سوريا, لكن مايهمنا لبنانيا اثبات مواقفنا المبدئية والثابتة الثلاثة التالية: 1ـ في ظل الهيمنة السورية على لبنان ووضع اليد على مجمل نظامنا السياسي, فان عملية المماثلة والمطابقة قد قطعت شوطا بعيدا, بدليل ان ما تبقى من ديمقراطية في لبنان لم يعد يتعدى الطقوسية, وليس بافضل ولا ارقى من مشاهد المبايعة والتصويت برفع الايدي, والانتخابات النيابية لا تعدنا هي الاخرى باقل من المجيء ببرلمان سوري بالكامل لا يكف اعضاؤه عن رفع الايدي امتثالا للاوامر والتعليمات اذا ماظلت الامور على ماهي عليه الآن. 2ـ من علامات تطبيع الواقع مع سوريا تجاه السيادة اللبنانية لم تعد بالامر الذي يستوقف المسئولين اللبنانيين. 3ــ باسم اللبنانيين وبالصوت الاعلى نعلن رفضنا ان يتحول لبنان الى محافظة سورية اخرى تحكمها ايديولوجيا حزب (البعث وسلوكياته). الصوت المسيحي الآخر * في مقابل الرأي المسيحي المعارض لاستمرار الوجود العسكري السوري (وهو من المعارضين اساسا), ماذا يقول في الامر الرأي المسيحي غير المعارض له (والذي كان معارضا في فترة سابقة)؟ ــ يمثل هذا التيار الوزير السابق النائب ايلي حبيقة الذي يقول: لقد ساهمت سوريا في توحيد الارض اللبنانية والقرار اللبناني, وايضا في الغاء الشرذمة اللبنانية ليكون لبنان الى جانب سوريا في الصراع الاقليمي موحدا وغير منقسم واستطاعت ان تحقق هذا الامر من خلال العلاقات التي اقامتها مع الاطراف اللبنانيين فالجميع يلاحظون انه بعد العام 1990 مباشرة لم يعد هناك تدخل عسكري سوري, وبقي للسوريين تأثير في علاقاتهم مع الاطراف اللبنانيين, واستمرار هذه العلاقات اقوى من استمرار وجود الدبابات والعمل العسكري. وبرأيي ان الدور السوري كان انقاذيا للبنان, وفي المبدأ فان اللبنانيين جميعا يطمحون للحرية المطلقة من دون مساعدة ووفق الخيارات التي يحلمون بها ومع ذلك فانني اعتقد ان الدور السوري لا يزال ايجابيا على الارض اللبنانية. اما اذا كان الموضوع يتعلق فقط بالوجود العسكري, فنحن نعلم, وهذا امر معلن لبعض الناس, ان السوريين اتخذوا قرارا بتخفيف التواجد العسكري من الاحياء, واعادة التموضع, وذلك من اكثر من سنة, وهو وضع قيد الممارسة منذ ذلك الوقت, والمفارقة ان السوريين يتعاملون مع قرارهم هذا على انه خيار نابع منهم ولايريدون طرحه من ضمن (الكباش الاقليمي). * لكن الموقف المسيحي المطالب بوجوب الانسحاب الكامل للجيش السوري يستند الى القرار الدولي الرقم ,520 الذي يربط ذلك بمرحلة ما بعد انسحاب الجيش الاسرائيلي واسرائيل قد انسحبت؟ ـ يرد النائب حبيقة: لا يجوز الربط بين الانسحاب الاسرائيلي والبقاء السوري, او تصوير هذا الانسحاب كأنه محطة انتهت معها وبعدها الازمة الشرق اوسطية وان لبنان خرج بالتالي من منطق الصراع الاقليمي, ولكن من الآن وحتى الخروج من هذا الصراع, فان كل ما يتخذ (سواء في حجم الجيش اللبناني, او بالنسبة الى المواقف من قرارات دولية او اتفاقات ثنائية ودولية, او في موضوع العلاقة الثنائية السورية ــ اللبنانية, والعلاقات الدبلوماسية وغير), له علاقة بالمحيط وليس له علاقة بالانسحاب الاسرائيلي فقط, اضافة الى ان مصلحة لبنان الآن تبقى بالحفاظ على الاستقرار الداخلي بأي طريقة. * اذا كان استمرار وجود الجيش السوري يثير حساسيات داخلية, الا يهدد هذا الاستقرار الذي تتحدث عنه؟ ـ يرد حبيقة بالقول: الحساسيات اللبنانية موجودة منذ ما قبل الاستقلال اللبناني من العام 1860 آنذاك لم تكن سوريا موجودة, ثم ان وجود القوة السورية والقوة اللبنانية التي نشأت بمساعدة الاولى سمحت للبنان ان يتخطى مراحل كثيرة من العام 1990 حتى الآن بدون ان يضطر لبنان الى خوض معركة داخلية كبيرة, او ينهار سلمه الاهلي, هناك مواضيع كثيرة شائكة مررنا بها من دون مشاكل او ازمات, او شرخ, وكان لسوريا دور مؤثر في تخطيطها كما ان هناك امورا اخرى قد نواجهها في المستقبل وعلينا تخطيها. موضوع وجود سوريا على ارض لبنان او خارج اراضيه, مسألة لا تهم اللبنانيين فقط بل ايضا قوى كبيرة صديقة لسوريا او مخاصمة لها, وهنا يبرز عندي افتراض ان يكون ثمن خروج السوريين من لبنان الغاء التوطين, لذا اتساءل هل يمكن ان يكون خروج السوريين مطروحا مقابل الغاء التوطين؟ اذن, فالافتراض ان يكون للانسحاب السوري ثمن هو الغاء التوطين, وحل مشكلة لبنان المعقدة من هذا الموضوع, يعني ببساطة انه يصبح من الخطأ ان يتم هذا الانسحاب من دون ثمن, وبالتالي فان هذا الامر يجب ان يكون منسقا بين قيادتين ودولتين ضمن الاطر الصحيحة وسحب الموضوع من التجاذب الاعلامي الحاصل. بيروت ــ وليد زهر الدين