فى الوقت الذى كانت فيه الطائرات الاسرائيلية تمرح فى سماء مفتوحة فوق مدن غزة ورام الله لتضرب أهدافا مدنية بشكل عشوائى مطمئنة الى أن السلطة الفلسطينية لا تملك أسلحة دفاع جوى, كشف جنرال اسرائيلي عمل كطيار فى حرب أكتوبر 73 عن تفاصيل جديدة لفضائح سلاح الطيران الاسرائيلي خلال الحرب التى لاتزال تمثل عقدة خطيرة داخل الشخصية الاسرائيلية. فى ذكرى حرب أكتوبر وعلى خلفية الاعتداءات الوحشية على الفلسطينيين كشفت صحيفة (يديعوت أحرونوت) أن أعضاء أكبر سرب جوى اسرائيلي يلتقون بانتظام منذ سنوات ليتحدثوا عن (الجرح) الذى لا يزال ينزف منذ أكتوبر 73 بعد أن خدعهم ضباط المخابرات الاسرائيلية بتقاريرهم التى تؤكد أن أى حرب قادمة بعد 67 ستكون نزهة لن تزيد على بضعة أيام تنتهى بنصر كبير. أحد منظمى لقاءات الطيارين الاسرائيليين خلال حرب أكتوبر ويدعى (اسحاق اميتاى) قال: تم اسقاط 14 طائرة من طائرات السرب خلال حرب أكتوبر كما لقى 7 طيارين مصرعهم بينما سقط 14 طيارا فى الأسر. واضاف (اميتاى): أسسنا جمعية تحت اسم السرب (201) وفى اجتماعاتنا نتحدث عن الانكسار والجرح الذى تعرضت له اسرائيل فى حرب أكتوبر. ونفترض الأوضاع وتطورها اذا ماحدث تغيير فى مجريات الحرب.. نتذكر تقارير المخابرات عن النصر القريب فى حرب أكتوبر وماحدث بالفعل فى هذه الحرب. نتذكر زميل لقى مصرعه في طائرة اندلعت فيها النيران ثم انفجرت. ويسترسل (اميتاى): لقد علمتنا هذه الحرب اننا يمكن أن نموت فى أى لحظة.. يمكن أن نموت ونحن فى ريعان الشباب يذكر أن (اميتاى) كان قد سافر عام 1971 لتمثيل سلاح الطيران الاسرائيلي فى مهمة بطهران حيث قرر الجيش منحه اسما حركيا لهذا الغرض فحمل الاسم (زتلانى) وكان تخصصه الدقيق الملاحة الجوية حيث كان من اوائل من عملوا على طائرات الفانتوم فى اسرائيل بعد أن تم ضغط فترة اعداده نظرا لاحتياج الجيش الاسرائيلي خلال حرب الاستنزاف لملاحين آخرين. وكان السرب يضم مجموعة من أفضل العناصر خلال حرب يونيو 67. خيبة أمل الجنرال الاسرائيلي (اميتاى) كشف أن أغلب أعضاء السرب الذين لا يزالون على قيد الحياة أدمنوا المشروبات الكحولية وتذكر أنه فى يوم الجمعة السابقة لحرب أكتوبر كان فى منزله حيث تلقى اتصالا هاتفيا عند الظهيرة يستدعيه على عجل.. فى الطريق رجمه المتدينون بالحجارة لانه دنس العيد (الغفران) الذى يتوجب فيه السكون تماما.. لم يكن أحد يعرف لماذا تحركت فى العيد فلم يكن أحد يتخيل أن هناك حربا على وشك الاندلاع. وكنت أحد الذين لم يتخيلوا أن هناك حربا على الأبواب. كان الضباط الاسرائيليون يعتقدون أن استدعاءهم تم لأسباب روتينية أو على الأكثر للقيام باشتباك جوى مع السوريين وليس أكثر. قائد السرب فى هذه الفترة (يفتاح زمار) كان خارج اسرائيل فتولى (رون حو لداى) (رئيس بلدية تل أبيب حاليا) القيادة فجمع أطقم الطيران وأخبرهم بأنه سيتم شن هجمات جوية قوية ضد مطارات سورية. لم يطرح أحد حتى هذا التوقيت كلمة (حرب) فذهب البعض للتسلية بكروت اللعب. فى اليوم التالى اتضح انه لم يصدر اي أمر قتالى بالهجوم وقيل لنا انه من المتوقع أن تندلع اي حرب فى المساء. وجال بخاطرنا على الفور نموذج حرب يونيو وقلنا لأنفسنا لن تزيد الحرب على خمسة أو ستة أيام ننتصر بعدها انتصارا كبيرا مشابها لحرب 67 التى انهى سلاح الطيران الاسرائيلي فيها الحرب فى ساعة ونصف. الغريب أنه رغم كل هذا رفض الملاح الاسرائيلي أن يصف تعاملهم مع انباء قرب اندلاع الحرب بأنه نوع من التكبر والغرور أو الزهو قائلا: كان هناك نوع من التوتر يسود مشاعرنا لكن ماحدث هو خطأ استراتيجى فى تقدير الحرب القادمة. لم نكن مستعدين للسيناريو الذى حدث. خوف الطيارين فى صباح يوم السبت 6 أكتوبر لم يتم منح الأمر العسكرى بالهجوم فبقى السرب فى وضع استعداد للتصدى لهجوم جوى محتمل. فتم استبدال القنابل بصواريخ وفى الساعة الثانية الا ربع ظهرا صدر الأمر للطيارين والملاحين بالتواجد داخل طائراتهم, وبعد عشر دقائق دوت صفارات الانذار وسادت فوضى هائلة. وبعد فترة توالت صرخات الاستغاثة عبر أجهزة اللاسلكى حيث كان الطيارون الاسرائيليون يطلبون, فوق سيناء, أن يرسل لهم الجيش طائرات اضافية لتدافع عنهم.. ساد الخوف بين الطيارين خاصة أنه لم يكن ضباط القوات الجوية قد اعتادوا على استخدام كلمة (الدفاع) فى حياتهم العسكرية وكانت دهشتهم بالغة عندما وجدوا أحد الطيارين الاسرائيليين يستغيث وهو فوق العريش ويطلب حضور مقاتلات اسرائيلية لكى تنقذه.. وعندها أدركوا أن الهجوم الجوى المصرى استطاع التوغل حتى العريش. (اميتاى) وصل لقناة السويس ومعه عددا من الطائرات الاسرائيلية وصدم عندما رأى دخانا وأتربة كثيفة تتصاعد من الجانب الذى تتمركز فيه القوات الاسرائيلية كنتيجة لقصف مصرى يقول: وخلال هذه الطلعة انطلق نحوى صاروخ مضاد للطائرات لكنى تفاديته وأصيبت الطائرة باصابات بسيطة خاصة فى أجهزة الاتصال اللاسلكى. وفى المساء اجتمع بنا قائد السرب وقال لنا: أنتم فى حرب. لذلك ستجدون زملاء يختفون لن تروهم للأبد. المصريون عبروا القناة والمطلوب الآن ايقافهم. من جانبه وصف (اميتاى) ماجرى فى نهاية اليوم الأول للحرب بقوله: لم نستنشق رائحة الجثث المحترقة لكننا رأينا طائرات تنفجر ورفقاء لنا يخبروننا وهم فوق الارض العربية أنهم سيقفزون بالمظلة ويتركون طائراتهم. نحن نعانى داخل كابينة ضيقة فلم نكن داخل طائرة جامبو مدنية. (اسحاق اميتاى) تحدث (ليديعوت أحرونوت) باسم السرب رقم 201 كله وقال أكملت الحرب بعد أن شاهدت الخسائر البشرية الفادحة من حولى لأسباب عديدة اخرها الايمان بالصهيونية فقد اكملت الحرب لأننى رأيت ان زملاء ذهبوا قبلا فلم أسمح لنفسى الا أفعل مثلهم. كما أننى لم أحب أن أفشل. وبالطبع كان الخوف يسيطر على. كارثة اسرائيلية واسترسل الملاح الاسرائيلي قائلا: كان أصعب شئ علينا هو الاستيقاظ من النوم حيث كانت الطلعات الجوية تتم عادة بعد أول ضوء للشمس بساعتين فكان لزاما علينا أن نستيقظ فى الرابعة وكانت تلك مهمة صعبة, فأنت تعرف انك بعد ساعتين ستكون فوق الاراضى المصرية أو السورية ولولا أن الجميع يذهب لرفضت أن أنهض من نومى. ولم تكن فى عقولنا فى ذلك الوقت أية مسئوليات قومية أو شعور بضرورة التصدى لكارثة قومية تهدد اسرائيل بالانهيار الكامل. أما بالنسبة للطلعات التى تمت على الجبهة السورية فقد روى (اميتاى) انه تقرر فى اليوم الثانى للحرب شن غارات على صواريخ سورية تنفيذا لخطة معدة سلفا وقد شاركت بالتوجيه الأرضى وفوجئت ان الخطة الأصلية لم تكن تتوقع أن يتقدم الجيش السورى على الأرض لمسافات قطعها بالفعل فى فترة وجيزة فى اليوم الأول للحرب. فاضطرت طائراتنا للطيران فوق قوات الجيش السورى لمسافة طويلة, وكانت النهاية خسائر فادحة وفشلا ذريعا للخطة حيث تم تدمير خمس طائرات اسرائيلية بنيران المضادات الأرضية السورية, وكنا كمن يصدم رأسه فى حائط خاصة أن المعلومات والخرائط التى امدتنا بها المخابرات الحربية الاسرائيلية كانت كلها قديمة وغير صحيحة. وعندئذ أدركت ــ والكلام لا يزال (لاميتاى) ــ أن هذه الحرب ليست كيونيو 67 وأن الأمور تتعقد جدا. البعض من زملائى الطيارين قالوا متى يجيئ شهر ابريل؟! الذى توقع البعض أن تنتهى الحرب فيه. ساخرين من سيطرة فكرة انتهاء الحرب فى أيام معدودة كما حدث فى 67. وعن مرحلة مابعد الحرب قال الملاح الذى شغل لفترة منصب نائب قائد السرب 201: بعد الحرب طلبت احالتى للتقاعد فقد رأيت ان قيادة سلاح الطيران لم تكن تدرك ماذا تريد وماذا تفعل لقد كانت تتخبط.