ما بين دعاوى التغيير والحفاظ على ثوابت الماضي ازداد الحديث في الآونة الأخيرة عن قضية هامة تتعلق بالوضع السياسي في بعض دول العالم العربي.. ألا وهي قضية الخلافة السياسية في تلك الدول ... حيث شهد العامان الأخيران رحيل جيل من الحكام العرب وتولي جيل آخر مسئوليات الحكم مكانهم, وكانت السمة التي تجمع بين الحكام الجدد وهي سمة الشباب إذ رحل الآباء وجاء الأبناء فتغيرت الزعامة في كل من الأردن والبحرين والمغرب وأخيراً سوريا .. وقد تزامن هذا التغيير مع انتقال العالم من فترة الحرب الباردة إلى مناخ النظام العالمي الجديد, فضلاً عن ثورات العلوم والتكنولوجيا والاتصال التي تجتاح العالم الآن. وقد أثار هذا الوضع مجموعة تساؤلات يمكن أن نوجزها في أمرين الأول :هو أنه ثار نقاش بين من يثقون في قدرة هؤلاء الشباب على خوض غمار الحكم بنجاح وبين من يشفقون عليهم من ثقل المسئولية ... ويتخوفون من قصورهم عن تحمل تكاليفها, فالفريق الأول يعتبر أن الأهلية للاضطلاع بالمسئولية قد تتوافر للمسئول في سن مبكرة وأن شبابه يعينه على تحمل أعبائها بما يحتضنه الشباب من طاقة وجهد لا يقوى عليهما الكبار والشيوخ, أما الفريق الثاني فيعتبر أن حسن التصرف في الشأن العام لا يتم إلا بالحكمة التي لا ينضجها إلا توالي السنين. أما الأمر الثاني .. الذي ثارت حوله التساؤلات من جراء ظهور القادة الشباب يتعلق بالتساؤل حول مدى الاستمرارية وحدود التغيير في النظم التي شهدت تغييراً في الزعامة خاصة وأن انتقال السلطة في كثير من الدول العربية يعظم من احتمالات التحول السياسي, بمعنى آخر هل سيسير القادة الشباب على خطى الآباء في الحكم؟ أم أنهم سيضعون جانباً أو يتجاوزون الاعتبارات والقيود التي كانت تتحكم في قرارات من سبقهم في الحكم؟ .. والملاحظ أن كلا الأمرين السابقين يرتبطان ببعضهما رغم ما يبدو من خلاف ظاهري بينهما .. فإن مدى نجاح القادة الجدد في مواجهة معضلة التغيير أو السير على خطى السابقين سوف يحدد وبدرجة كبيرة مدى نجاح هؤلاء القادة, فإن استطاع الحكام الشباب أن يسيروا نحو التغيير والانفتاح والتحديث بطريقة تحقق مصالح شعوبهم ودولهم فإن ذلك يعني نجاحهم والعكس إن ساروا على خطى السابقين متجاهلين دعاوى الانفتاح والتغيير ولم يحقق ذلك مصلحة الشعوب أو الدول فإن هذا يعني فشلاً لهم. النخبة العربية و الحكام الشباب وقبل الخوض في غمار الحديث حول مدى اتجاه القادة الجدد نحو التغيير والانفتاح أو المضي على درب السابقين فإنه لابد من إلقاء نظرة عامة على واقع العالم العربي.. فمن اللافت للنظر أن معظم النخب الحاكمة في البلاد العربية أو النخب السياسية المحيطة بالحكم قد ولدت قبل الحرب العالمية الثانية وعاشت في ظروف تاريخية وفكرية وسياسية معقدة حيث عاصرت حروباً دامية بين القوى الكبرى وعايشت كذلك الحروب العربية ــ الإسرائيلية واشتبكت بشكل من الأشكال في الصراع العربي-الأوروبي ــ الأمريكي سواء من أجل الاستقلال عن الاستعمار أو من أجل تثبيت السلطة وحدود الدولة الجديدة المستقلة أو من أجل صراع النفوذ الإقليمي والدولي, بل أن هذه النخب قد حكمت في ظل الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي وكذلك الحروب الباردة والساخنة بين النظم العربية الحاكمة ذاتها بحكم اختلاف الانتماءات السياسية والأيديولوجيات في فترة من الفترات.. وقد أدت هذه البيئة المعقدة إلى ارتباط تلك النخب دائماً بالماضي, ومن جهة أخرى يلاحظ أن تلك النخب قد استمرت في الحكم لفترات طويلة .. وهناك ثمة عوامل يذكرها البعض ساعدت على ذلك لعل أهمها تحالف تلك النخب مع الفئات المهيمنة اجتماعياً واقتصادياً والمهتمة بالحفاظ على الأمر الواقع بالإضافة إلى تمرس تلك النخب على مواجهة أي محاولة للصدام معها, وأخيراً كان انتهاء الحرب الباردة وتراجع توظيف الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي (السابق) عناصر المعارضة الداخلية بما يخدم أهدافها .. عاملاً آخر أدى إلى استمرار النخب العربية في الحكم فترات طويلة, وقد أدى ذلك الأمر إلى كبر سن كثير من الحكام العرب وبالتالي فإن انتقال السلطة من هؤلاء الحكام عندما يتم سيكون لمن هم أصغر سناً وهم جيل الأبناء وهو ما يمكن ملاحظته في الحالات التي وقعت حيث تم انتقال السلطة من جيل الكبار سناً إلى جيل الشباب الأصغر سناً (كما حدث في البحرين والأردن والمغرب وسوريا). وقد حاول بعض المحللين تقديم تفسير لظاهرة الحكام الجدد الشباب حيث أشاروا أولاً إلى أن انتقال السلطة إلى جيل الشباب ليس بالأمر الجديد في العالم العربي فكثيراً ما اعتلى السلطة حكام كانوا في سن الشباب (الملك حسين في الأردن ــ الضباط الأحرار في مصر ــ القذافي في ليبيا ــ بورقيبة في تونس ــ الشيخ عيسى في البحرين... وغيرهم) إلا أن الجديد هو أن الخلافة السياسية في القرن العشرين ولأول مرة تكون قد أتمت دورة كاملة وعلى مدى نصف قرن من الزمان (منذ عام1950 وحتى اليوم) وأن دورة جديدة قد بدأت, ومن ثم فمن الطبيعي أن نجد أغلب الدول العربية تشهد تغيير حكامها في غضون عقد واحد من الزمان تقريباً, ومن الطبيعي أيضاً أن نجد الحكام الجدد الذين تولوا السلطة ـ مع بداية دورة جديدة ــ من الشباب كما تولاها من قبل شباب في بداية الدورة السابقة, وبالإضافة إلى ما سبق فإن ثمة أمورا جديدة قد حدثت من الناحية الموضوعية, فالحالات التي شهدت تغييراً في السلطة قدمت نماذج جديدة حيث تم الإعداد الجيد والمسبق لانتقال السلطة بشكل دعا المراقبين إلى الإشارة بسلاسة انتقالها كما تم ذلك من خلال استخدام الآليات السياسية الدستورية, وعلى جانب آخر لم تعرف تلك الحالات صراعاً على السلطة كما لم تشهد هذه النظم فترات فراغ سياسي في كرسي الخلافة, وجرى تسويغ هذه الحالات من الناحية القانونية بدقة.. ومن الجدير بالذكر أن الترتيبات التي تمت لم تكن آنية رغم ما يشير إليه ظاهرها من أنها تتم لساعتها أو لتوها وأن السرعة التي تمت بها لم تكن إلا تحصيل حاصل وأن العملية برمتها لم تكن إلا امتداداً لترتيبات سبق تحديدها وترسيخها. تشابه في الخصائص وعلى جانب آخر هناك مجموعة من الأمور التي تعكس تشابه القادة الجدد في بعض الخصائص... فهناك مجموعة من العوامل التي حكمت عملية التغيير بالنسبة لهؤلاء القادة: أولاً : أن هؤلاء الحكام قد ورثوا الحكم عن آبائهم. ثانياً : لعبت النخب السياسية الدور الرئيسي في عملية انتقال السلطة من الآباء إلى الأبناء ممثلة في تحالف المؤسسة العسكرية مع قوة العصبية ــ مع مجموعات التكنوقراط. ثالثاً : غاب دور مؤسسات المجتمع المدني إلا من مظاهر البيعة واحتفالات إثبات الولاء (على حد قول البعض), وفي هذا السياق يؤكد البعض تلك الأمور حيث يرى هؤلاء أن من الأمور المشتركة بين القادة حدوث ما يمكن تسميته نموذج (التعيين) الذي يمارسه السلف ومعه دوائر صنع القرار حتى في النظم الوراثية أصلاً(حيث يتم تحديد الخلف من بين الورثة المحتملين أو المتطلعين إلى الحكم), وعلى وجه الدقة فإن الذي حسم مسألة الخلافة هو (النخبة) الحاكمة هذه النخبة التي باتت مستقرة لفترة طويلة وبلغ استقرارها مداه وهذه النخبة قد يتغير أفرادها أو عناصرها لكنها كمؤسسة بقيت واستمرت, وبالإضافة إلى ذلك فقد تشابه القادة الجدد في أمور أخرى كثيرة أشار إليها الملك عبدالله الثاني ملك الأردن الذي يقول أنه توصل إلى نغمة متناسقة مع الجيل الجديد من الحكام العرب حيث اننا نشترك في أمور كثيرة.. أغلبنا تعلم في الغرب, ولذلك نحن أقرب بكثير إلى التحول الذي يشهده العالم حالياً لأن الاقتصاد العالمي جيل جديد وثقافة جديدة , وأخيراً يؤكد آخرون أن هؤلاء القادة قد تشابهوا أيضاً في أنهم أبناء مرحلة تاريخية واحدة, فلم يعش هؤلاء الصراعات الدموية ولا الاستقطابات الحادة.. كما لم يعايشوا أيضاً فترة الصدام مع الاستعمار ولا الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي.. كما لم يعاصروا أيضاً فترة انقسام العالم العربي إلى معسكرات متنافسة متناصبة العداء أدت إلى توتر العلاقات بين الدول العربية, بمعنى آخر فإن هؤلاء القادة الجدد إنما هم أبناء مرحلة انبعثت فيها ثورة الاتصالات والمعلومات التي حولت العالم إلى ما هو أصغر من قرية ... تلك المرحلة التي تسودها قيم ومفاهيم وأفكار تتباين تماماً مع تلك القيم والمفاهيم والأفكار التي ظلت سائدة أكثر من نصف قرن مضى. ومن التعميم إلى التخصيص, بالنسبة لظروف كل قائد على حدة, فبالنسبة للمغرب فقد ولد العاهل المغربي الجديد الملك محمد السادس ليخلف أباه وباعتباره الوريث الشرعي للعرش في نظام ملكي كانت كل مؤسسات الدولة تتوقع له أن يتولى الحكم ولذلك كان الدعم الخارجي والداخلي مطلقاً للملك الجديد, وينطبق هذا الأمر بدرجة كبيرة على البحرين التي شهدت سلاسة واضحة في انتقال السلطة, وبالنسبة للأردن فإن الملك عبدالله الثاني لم يكن بداية هو المرشح لتولي الحكم على رغم كونه النجل الأكبر للملك حسين بمعنى أن وصول عبدالله للسلطة لم يكن مخططاً له فقد فوجئ بهذا الأمر قبل وفاة والده والدليل على ذلك قوله (انني لم أحلم أن أصير ملكاً ولا أحبذ التطلع إلى المواقع الأخرى), ومما يؤكد ما سبق ما ذكره البعض من أن الأمير حسن ولي العهد آنذاك هو الذي كان يتولى مقاليد الحكم في غياب أخيه الملك وعلى هذا الأساس كانت مؤسسات الدولة تتطلع إلى الحسن باعتباره الملك القادم إلا أن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن بالنسبة للأمير حيث تجمع لاعبون أساسيون-كما يؤكد المراقبون ــ في المؤسسة الحاكمة لفرض استبدال ولي العهد, وقد حدث إجماع مؤسساتي فرض نفسه على الملك حسين مما جعل ولاية العهد تؤول إلى نجله الأكبر عبدالله, وبالنسبة لسوريا فالأمر مختلف نوعاً ما حيث انها جمهورية وليست مملكة... غير أن الرئيس حافظ الأسد قد بدأ في إعداد نجله بشار لمنصب الرئاسة بعد أن توفي النجل الكبر باسل قبل ست سنوات وقد كان بشار في الرابعة من عمره عندما أصبح والده رئيساً ونشأ في بيئة سياسية يؤمها زعماء سياسيون على مدى عقود وهو يتصف بنفوذ وثقة هادئة مبعثها سنوات من الاحتكاك بلاعبين سياسيين والأكثر من ذلك أن هذه الثقة تأتي من الإدراك بأنه هو وحده يمثل نقطة الالتقاء بالنسبة إلى اللاعبين المختلفين في الدولة فقد اصطف البرلمان وحزب البعث والمؤسستان العسكرية والأمنية والشعب وراء بشار كما تقف عائلته وراءه بثبات. الثبات والتغيير وعلى ضوء هذا الواقع العام بالنسبة لقضية الخلافة السياسية في الوطن العربي, والواقع الخاص بالدول العربية التي شهدت تغييراً في الزعامة يمكن تناول قضية التغيير أو عدم التغيير بالنسبة للقادة الجدد .. وفي هذا الشأن فقد انقسمت آراء المحللين والمراقبين إلى قسمين , الأول: يرى أن هؤلاء القادة لن ينزعوا نحو التغيير والانفتاح والتحديث, والثاني : يرى أن القادة الجدد سوف يتجهون نحو الإصلاح وتغيير السابق. ــ وبالنسبة لأصحاب الرأي الأول ...فإنهم لا يتوقعون تغييراً جوهرياً في نظم الحكم التي شهدت تغيير الزعامة السياسية, وكل ما يمكن أن يحدث هو ''التكيف'' الذي يعني مجرد تغييرات طفيفة مداها محدود أو في أحسن الأحوال تغيرات شكلية وقد يبدو من الصعب تعميم هذا الحكم أو القطع به.. إلا أن هناك من الأسباب ما يحمل على مثل هذا التوقع, ومن أهم هذه الأسباب ما يلي: * ثمة مقولة أساسية في أدبيات انتقال السلطة مؤداها أنه ليس هناك خلف يستطيع أن يقدم على إجراء تغييرات جذرية في نظام أتى به إلى سدة الحكم بالوسائل القانونية, وثمة أسباب أخرى عديدة لكنها لا تخرج عن كونها تنويعات على مضمون هذه المقولة, فمن ناحية فإن هؤلاء القادة الجدد يستمدون شرعيتهم من أسلافهم ومن النظم القائمة ومن الحفاظ على ثوابتها وعليه فثمة تناقض بين ما يحتمله ذلك من التقدير الفائق لإنجازات الماضي وبين ما يفرضه الطلب على التغيير... وفي هذا السياق يؤكد أصحاب هذا الرأي أنه كان منطقياً أن يرفع هؤلاء الحكام الجدد شعار التغيير في وجود أسلافهم الذين كانوا يمثلون التواصل مع الماضي, ولكن مع رحيل هؤلاء السلف وبعد أن أصبح الجدد في موقع المسئولية اعتماداً على شرعية السلف .. فقد أصبح التواصل مع الماضي احترام (الثوابت) مطلوباً تماماً وبنفس قدر الطلب على التغيير. * ربما يستطيع الحكام الجدد إحداث تغييرات جوهرية بعد تمكنهم من السلطة واكتسابهم شرعيتهم الخاصة بهم ولكن ــ وكما يؤكد أصحاب هذا الرأي ــ ذلك ليس مضموناً ويحتاج إلى وقت ليس بالقصير والأرجح أن يظل بعض هؤلاء الحكام الى المزيد من الوقت حتى يتمكنوا من سداد الفراغ الذي طرأ برحيل أسلافهم وأن يظلوا على علاقة طيبة مع النخبة التي أيدتهم في اعتلاء السلطة وأن يظلوا بحاجة إلى مزيد من الخبرة وبالتالي سوف يعني ذلك حاجتهم بصورة أو بأخرى إلى شكل أو صيغة من صيغ القيادة الجماعية بما ينطوي عليه ذلك من تقييد سلطات الخلف في إتمام تحولات جذرية ليس فقط لحاجته إلى النخبة القائمة ولكن أيضاً لأنها سوف تحصل على صلاحيات أو معطيات أوسع في صنع القرار. * بقدر ما يرغب الناس وربما الحاكم في إجراء عمليات تغيير واسعة تؤكد أن هناك بيئة جديدة وعهدا جديدا ..ولكن قد يصعب على الحاكم الجديد فعل ذلك, لأن التغيير الحقيقي المراد بسرعة سوف يؤدي إلى تغيير الأوضاع السائدة الموروثة عن الحاكم السابق (الأب) وسيغير الأساليب والأفكار بل والأشخاص وهو ماقد يصيب بالضرر ليس فقط ومصالح الذين كانوا حول الحاكم السابق بل ويمكن أن يصيب كذلك العهد السابق بأكمله .. ولاشك أن تقاليد المجتمع الأبوي سوف تحكم قدرة التغيير في هذه الحالة وربما تعوقه. * الصراع الذي سينشا بين إرث الماضي وطموح المستقبل أي بين تركة الحاكم الأب بكل ما تمثله من الثبات في أساليب الحكم والتفكير وطرق إدارة السياسة وتسيير الدولة واختيار الأشخاص المعاونين والمستشارين وبين تطلع الحاكم الجديد الابن الوريث في التغيير والتجديد الذي يمتد إلى السياسات والأفكار كما يشمل الأشخاص والمستشارين والمقربين, والمؤكد أن ثمة صراعا علنيا أو خفيا قد ينشب في هذه الحالة بين القديم والحديث وتحديداً بين رجال القديم ورجال الجديد ولاشك أن مثل هذا الصراع حال حدوثه سيعوق الإقدام على أي تغيير أو تحديث, وفي هذا السياق يؤكد البعض ان الحكام الجدد سوف يسعون إلى تحديث مؤسسات الحكم القائمة كي تنسجم مع تطلعات عهدهم والتي لا ترتاح لأي إصلاحات سياسية لابد أن تطول مصالحهم عاجلاً أم آجلاً .. وهي تقاوم مثل هذا التغيير بضراوة وهذا ما يعكس وجود فجوة كبيرة بين الحرس القديم الذي لا يريد التعامل مع متطلبات العصر الحديث وبين القيادات السياسية الشابة. * عدم قدرة الأبناء على التحرر من الولاء الذي و رثوه من الحكام الآباء .. وهي مهمة صعبة حيث قد لا يستطيع الأبناء التحرر من الولاءات القديمة التي حكمت آباءهم وشكلت بالتالي سياساتهم والمقصود هنا هو تحدي تحويل مجتمعاتهم إلى دولة المواطنين والمؤسسات والقانون, ويؤكد ما سبق أن ما قاله الملك محمد السادس عاهل المغرب في حديث لمجلة (تايم) الأمريكية أثناء زيارته في 19/6/2000للولايات المتحدة أنه (من الغريب الاعتقاد أن الجيل الجديد من الحكام سيقلب الأمور رأساً على عقب ذلك أن تراث الماضي في بلادنا يلعب دوراً قوياً للغاية), وفي هذا السياق أيضاً يأتي تأكيد الدكتور بشار الأسد على تمسكه بالثوابت السابقة فقد استبعد الرئيس الشاب فكرة الاقتداء بالديمقراطية الغربية معتبراً أن سوريا لها تجربتها الديمقراطية الخاصة قائلاً انه لا يجوز تطبيق ديمقراطيات الآخرين لأن الديمقراطية الغربية هي محصلة تاريخ طويل نتج عنه عادات وتقاليد وصلت معها مجتمعاتهم إلى حالتهم الراهنة. نحو الانفتاح والتطوير ورغم أن أنصار هذا الرأي السابق قد جاءوا بأسباب تبدو مقنعة إلا أن هناك فريقا آخر يؤكد أن القادة الجدد في سبيلهم نحو التغيير والتطوير والانفتاح وقد جاء هؤلاء أيضاً بأسباب تؤكد وجهة نظرهم .. وفي هذا السياق يؤكد أصحاب هذا الرأي أن الإيجابية الرئيسية في موضوع القادة الجدد هي تجديد شباب القيادة لأنها تمثل انتقالا من الماضي إلى المستقبل فتبشر بالتغيير وربما التحديث ومما يؤكد هذا الطرح أن الحكام الشباب بدأوا عهدهم بإيحاءات واضحة تعكس الرغبة في التغيير والتحديث وتتحدث صراحة عن الانفتاح والديمقراطية وذلك أن كلاً منهم يريد أن يبني دولته ويقدم أوراق اعتماده, وفي هذا السياق كان الترحيب العربي وغير العربي واضحاً وصريحاً بمقدم القادة الجدد لأن عامة الشباب تتصور أنهم يمثلون جيلاً مختلفاً عن جيل آبائهم ويملكون فكراً وأسلوباً مغايراً بالضرورة لمن سبقوهم ومن ثم فإنهم سيختلفون بحكم نشأتهم وتعليمهم وفكرهم وانفتاحهم على الثقافات والحضارات الأخرى وممارسة الحكم والتعامل مع الناس وسيعملون حتماً على نقل دولهم من الماضي إلى المستقبل تأثراً على الأقل بالتطورات السارية الآن بقوة طاغية. ــ ويستند أصحاب هذا الرأي على مجموعة من الأسباب التي تدفع اتجاه القادة الشباب نحو التغيير والانفتاح, وأهم هذه الأسباب هي ما يلي: * ان الحكام الجدد ولدوا وعايشوا ثورات العلوم والتكنولوجيا والاتصال وثورات الأعلام والمعلومات صاحبة السيطرة الكبرى في صياغته وتوجيه التغيير والتقدم الإنساني, ومع أن الحكام الآباء كان في وسعهم أن ينأوا بأنفسهم عن الحرب العالمية وأن يتجنبوا الحرب الباردة وأن يفرضوا الرقابة على وسائل الإعلام الخارجية فإن الحكام الأبناء يواجهون المستحيل إن فكروا في شيء من ذلك الآن.. بل أنهم إن استطاعوا إغماض العين مؤقتاً عن ثورة علوم الجينات والاستنساخ مثلاً فإنهم لن يستطيعوا إلا التعامل المباشر مع ثورة الإعلام والمعلومات وهذه الأخيرة ساحقة التأثير على الحكام والشعوب. * ان العالم قد تغير كثيراً في السنوات العشر الأخيرة حتى راح البعض يتساءل عما بقي من ذلك العالم الذي عرفه الحكام الآباء .. وإن كان يجوز تسمية الثوابت السابقة بـ(ثوابت) الآن؟ فقد حدثت تحولات عربية جوهرية طيلة العقود الثلاثة الماضية سواء فيما يخص الصراع العربي-الإسرائيلي أو فيما يتعلق بشعارات القومية والوحدة والاشتراكية .. حيث اعتمد العرب استراتيجية السلام وتتابعت الاتفاقيات الخاصة بذلك ومع قدوم التسعينيات حدثت تطورات علمية واقتصادية مذهلة من الصعب على أي حاكم أن يتجاهلها ..وتكشف تلك الأحداث والتطورات عن اختلاف في الثوابت العقائدية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمسك بها جيل الحكام العرب السابقين. * قد لا يكون للحكام العرب الشباب كل السلطة أو الحرية في التقرير أو التصرف التي كانت لآبائهم لعدة أسباب أولها : هو أن بلادهم وكل البلدان العربية باتت اليوم أوفر مؤسسات وديمقراطية مما كانت قبل 30عاماً.. هذه المؤسسات بطبيعة الحال أكثر مراقبة للحكم ومشاركة فيه, وثانيها: هو أن الشعوب العربية بحكم انتشار التعليم والتطور الاجتماعي باتت أكثر مطالبة ومحاسبة لحكامها. وثالثها: ان الاتجاه العام هو نحو اعتماد الديمقراطية والحرية واحترام حقوق الإنسان وحكم القانون معياراً هاماً في العلاقات بين الدول, وفي ضوء ذلك ليس من المتصور ألا يكون الحكام الجدد غير ديمقراطيين في تفكيرهم ومواقفهم وطريقة حكمهم خاصة وأن الديمقراطية أصبحت مطلباً شعبياً ضاغطاً بقوة فضلاً عن أنها مطلب دولي ضاغط بقوة أكثر لأنها شرط التأييد والمساعدة بل شرط البقاء والاستمرار. * أن مجرد وصول الحكام الشباب إلى السلطة يرفع معه الآمال بإمكانية التغيير السلمي وبإمكانية الانفتاح الديمقراطي والإصلاح السياسي وبإمكانية التحدي الاقتصادي ... ومما يزيد من ارتفاع الآمال أن الأجيال الجديدة تنتظر من الزعماء الجدد القيام بانفتاح داخلي بين أبناء البلد يترافق معه انفتاح اقتصادي مما يفتح الباب للقضاء على البطالة وتبني سياسات تقلل من السيطرة الشاملة على مقاليد الأمور وتحد من تدخل المؤسسة العسكرية في السياسة ومن دور الأجهزة الأمنية في التضييق على الحريات والرأي الآخر, ولاشك أن الأجيال الجديدة وخاصة الشباب تعتبر سببا قويا لدفع الحكام الجدد نحو التفكير جدياً في اتجاه الانفتاح والتغيير والتحديث ذلك أن الشباب يمثلون قوة لا يستهان بها وبالتالي فإن تجاهل هذه القوة قد يعني تجاهلاً لقطاع عريض من المجتمع .. وفي هذا السياق يحذر البعض من عدم المقدرة على إحداث التغيير, فالفشل في إنجاز التحديث والانفتاح هو الأخطر على المستقبل العربي .. فلو وقع هذا الفشل فسوف يؤدي إلى حالة خوف من المستقبل وإلى احباط يساهم في نشوء أجواء من التمرد وسط الأجيال الجديدة قد يكون هو صفة المستقبل إن فشلت وعود الإصلاح والتغيير .. أي أن عدم نجاح القادة الجدد في إحداث الانتقال يعني فتح الباب أمام حالة هي مزيج من الفوضى والعنف. الصعيد الاقليمي وعلى الصعيد الإقليمي وقضاياه, يرى البعض أن القيادات الشابة التي تسلمت مسئوليات الحكم في بلدانها ليست بعيدة عن الترتيبات الدولية في اتجاه تثبيت الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وإنجاز عملية السلام مع إسرائيل ..وقد كان من الصعب على القيادات السابقة المضي في خطة بهذا الشأن بالنسبة إلى الموروثات التي تكتف بها ذاكرة تلك القيادات والتي يصعب عليهم العمل إذا ما طلب منهم تجاوزها أو إهمالها خصوصاً وأن هذا التجاوز كان من المحرمات الوطنية التي يسيء ارتكابها إلى المكانة الوطنية ويجيز الاتهام بالخيانة .. ولا تحمل القيادات الجديدة مثل ذلك الإرث وذاكرتها مربوطة بالحاضر والمستقبل ولا يوجد ما يشدها إلى الماضي الحافل بالصراعات والعداءات, وفي هذا السياق تدرك القيادات أن عدم الاستقرار في الشرق الأوسط يشكل مصلحة إسرائيلية تستفيد من دوله المنهكة بالحروب ومتهالكة الاقتصاد والمسدودة عليها الطرق في اتجاه التنمية لكن عندما تستقر المنطقة فإن دوله ستزدهر اقتصادياً وتتطور سياسياً وستأخذ الشعوب طريقها نحو الكفاية والخروج من مستويات الفقر .. وهو ما سيضع إسرائيل في ''شرنقة'' مغلقة ولا شك أن تلك الأوضاع تدفع القادة الجدد نحو التغيير والانفتاح من أجل رفعة شعوبهم ودولهم في مواجهة الدولة العبرية في المنطقة. -وفي سبيل التأكيد على صحة رأيهم أشار أصحاب ذلك الرأي إلى وجود مجموعة من المؤشرات الأولية التي تعكس اتجاه القادة العرب نحو التغيير والانفتاح فعلاً.. فيرى البعض أن القادة الجدد خلال فترة حكمهم القصيرة قد تمكنوا من إرساء أصول جديدة للعبة الحكم في بلادهم, وتجاوز التركات الثقيلة التي ورثوها عن أسلافهم وهم في ذلك ربما قد انتبهوا إلى اللغة التي بدأت تسود في البلدان وهي لغة جديدة بمقاييس عدة وذلك على الرغم من كل الإشارات التي قد تعكس للملاحظ انطباعاً بأن شيئاً لم يتغير .. وعلى جانب آخر فقد اتجه الحكام العرب الجدد إلى الطابع التصالحي في علاقاتهم مع جيرانهم كما مالوا إلى نبذ الخلافات والعداوات وتغليب المصالح المشتركة والمتبادلة مهما كانت ضئيلة كما افتقدت اللهجة الشديدة التي كانت تميز الخطاب السياسي لجيل الآباء وحلت محلها لغة واضحة في توجهاتها السلمية وأصبح يُشار إلى السلام باعتباره خيارا استراتيجيا. المستوى الاستراتيجي وعلى المستوى السياسي الداخلي , فإن أهم ما يميز خطاب الجيل الجديد من الحكام هو ذلك التركيز على التعددية وحقوق الإنسان والانفتاح على المعارضة والنظر إليها على أنها جزء أصيل من مكونات المجتمع وأنها تمثل ركناً أساسياً من أركان النظام وأن المعارضين ليسوا (شراذم من الخونة) كما كان يذهب الخطاب القديم في أقصى تطرفه ... وبالطبع فقد تباينت درجات الانفتاح على المعارضة بين بلد وآخر بين السماح لها بالعودة من دون شرط مع بعض الاستثناءات كما في البحرين, وبين السماح لها بالعمل ضمن شروط القانون في الأردن, والسماح لها بالمشاركة في الحكم كما في المغرب. ومن جهة أخرى فقد كان حديث العفو مع الخصوم وإعادة ترتيب البيت الداخلي وإعلان البلاد وطناً للجميع ومع الإقرار بحق الاختلاف وبارتفاع الصوت المدافع عن حقوق الإنسان قاسماً مشتركاً بين الخلفاء وليس هناك ما يشير إلى أن مسيرة بشار الأسد سوف تكون مغايرة لما حدث في البلدان الثلاثة الأخرى(البحرين-الأردن-المغرب) خلال الفترة الماضية إلا بقدر ما تختلف سوريا عن تلك البلدان, أو بصفة عامة بأنه يمكن القول ان الحكام الجدد الذين تولوا الحكم في بعض البلاد العربية قد استطاعوا أن يملأوا الفراغ بسرعة حتى أن شعوبهم قد أحست بالتغييرات التي حدثت وبمحاولة حكامهم تطوير المجتمع .. فبالنسبة للمغرب فقد واصل الملك الشاب سياسات أبيه في ميدان الشئون الخارجية ويتوقع ألا يتعرض لأي ضغوط لتغيير الوجهة الخارجية لبلاده وبالتالي تمكن الملك محمد السادس من أن يركز اهتماماته على الصعيد الداخلي حيث منحه ذلك الوضع أفضلية على صعيد الثقة والمرونة في التعامل مع قضايا أكثر إثارة للجدل .. فهو لم يتردد في اتخاذ خطوات تعكس إقدامه على التغيير فأقال مثلاً وزير الداخلية المكروه من منصبه وأطلق سراح سجناء سياسيين, وبذلك فإن البلاط الملكي يكون قد أطلق إشارة نحو الانفتاح ونحو استعداد أكبر للحوار الداخلي. وبالنسبة للأردن , فقد كان على الملك عبد الله الثاني أن يعمل على بناء قاعدة الدعم التي يستند إليها وسط العائلة والشعب والعسكريين وأجهزة الأمن وهو نجح فيه كما أنه واصل سياسة أبيه في سياق السياسة الخارجية .. أما على الصعيد الداخلي فقد بدا يواجه تحديات ضخمة في التعامل مع قضيتي البطالة والفقر .. حيث يعمل جاهداً نحو إحداث نهضة اقتصادية تخلص البلاد من الهموم الاقتصادية التي يعانيها, ويؤكد المراقبون أن الملك الأردني الشاب يستطيع أن يتحرك بسرعة اكبر من الآخرين لاستيعاب التحديث والعولمة وأن قضية السلام عولجت بالفعل. وبالنسبة لسوريا , فالوضع جد مختلف فهي بلد ذو دور محوري بالنسبة لعملية السلام في الشرق الوسط إلا أنها رفضت توقيع اتفاق يعطي أقل مما تنص عليه قرارات الأمم المتحدة ورفض الرئيس السوري الراحل أواخر أيامه أن يوقع اتفاقاً يعيد لسوريا اغلب أراضي الجولان (باستثناء نسب ما بين 3-5% وبعض التعديلات الاخرى).. وفي هذا السياق جاء الإرث الذي تركه الرئيس الراحل لإبنه بشار هو (إعادة كل شبر من الأرض) ويؤكد المراقبون أنه من المشكوك فيه إلى حد كبير أن يكون بشار أو العناصر الأخرى في بنية السلطة أو الشعب السوري على استعداد للتنازل أو الانحراف عن هذا الإرث, ورغم أن البعض يتوقع أن يخرج الدكتور بشار الأسد الذي تلقى دراسته العليا في بريطانيا على التقاليد الموروثة ويظهر مرونة أكبر بالمقارنة مع والده إلا أن آخرين يؤكدون أن هذه التوقعات مغالى فيها في ضوء التفاف المؤسسات المختلفة للسلطة حول بشار باعتباره الرمز لاستمرارية الرؤية التي تبناها والده في أن تكون سوريا مستقلة ولها مكان خاص في الشرق الأوسط, أما على الصعيد الداخلي فمن المرجح أن يسعى بشار إلى تعزيز قدرات فئات أوسع من الشباب وتمثل التكنولوجيا والتحديث والحكم النظيف أهدافاً يسعى لتحقيقها.. والاهتمام الذي يبديه بتكنولوجيا الاتصال وخصوصاً (الإنترنت) معروف على نطاق واسع,وفي هذا السياق يؤكد المراقبون أن سوريا على المدى المتوسط ستكون (أقل انغلاقاً) وليس (أكثر انفتاحاً) على الصعيد الاقتصادي.. ويعكس ما سبق أن بشار الأسد وإن كان سيواصل سياسة سلفه الخارجية إلا أنه سيكون له شأن آخر على الصعيد الداخلي حيث من المؤكد أنه سيقوم بإحداث تغيير داخلي ينفتح على ثورات الاتصال والإعلام وهو ما سيتبعه بالطبع انفتاح داخلي في أمور السلطة والحكم إلا أنه من غير المتصور أن يتم ذلك بين ليلة وضحاها بل أن الأمر قد يستغرق وقتاً قد لا يكون قصيراً, وهذا ما يمكن أن ينطبق على البلدان الأخرى التي شهدت تغييراً في الزعامة في العامين الأخيرين.