تواجه الرئيس اليوغسلافي الجديد فويسلاف كوستونيتشا تحديات كثيرة مثلما يواجهه واقع مر تركته الحروب التي خاضها هذا البلد. واهم التحديات بل واكثرها خطورة قوة الجيش واقليم الجبل الاسود وكوسوفو, فعلى الرئيس الجديد ان يحول قوة الجيش بدءا الى قوة سياسية لينهي ثورته التي قد تشعل الحرب الطائفية. اما اقليم الجبل الاسود وكوسوفو, فانهما رغم اختلاف قضيتهما الا انهما يسعيان كل على حدة للاستقلال, وهو ما لايريده الرئيس الجديد, كما لا تريد دول الغرب وامريكا استقلال كوسوفو بالذات. وعدا عن هاتين المشكلتين يأتي الاقتصاد اليوغسلافي الذي تركه الناتو والرئيس المخلوع ميلوسيفيتش عاريا من كل غطاء, فالناتو دمر البنية التحتية, وبسبب الحرب التي شنت خسر ميزان المدفوعات التجاري وميزانية الدولة النشاط الاقتصادي وحلت البطالة. اما ميلوسيفيتش فكما هو معروف فقد سخر ثلاثة ارباع الميزانية, بل ارهقها, بالاستعداد للحرب وخوضها, عدا عن انه نهب الدولة اليوغسلافية وسخر بعض مواردها لمنفقاته الضخمة.. وعندما تقرأ اولويات الرئيس الجديد تجده يحددها بما يلي: 1ـ تسوية الخلافات القائمة منذ فترة طويلة بيت جمهوريتي الصرب والجبل الاسود وهما الشريكتان الاخيرتان في ما تبقى في يوغسلافيا بعد عقد من الصراع العرقي الذي ادى الى تفتت الاتحاد اليوغسلافي. 2ــ الغاء الحصار الاقتصادي الصربي على الجبل الاسود, وقد فعل ذلك في اول قرار اصدره بعد ادائه اليمين الدستورية, كما الغى الرسوم الجمركية التي تم فرضها قبل عامين ردا على قرار الجبل الاسود باستخدام المارك الالماني كعملة بديلة. 3ــ دعم يوغسلافيا كدولة بمعنى دعم العلاقة بين صربيا والجبل الاسود (مونتنيجرو) والعمل على استعادة سيادة يوغسلافيا على اقليم كوسوفو الذي يخضع الآن لحماية دولية. 4ــ تطبيع علاقات يوغسلافيا مع العالم وكذلك الوضع داخل البلاد, وهنا يمكن الاشارة الى ان الرئيس الجديد فوجىء بحركة اعادة علاقات المجتمع الدولي مع يوغسلافيا والزيارات العديدة للدبلوماسيين الاوروبيين مما جعل العلاقات بين صربيا والجبل الاسود التي كانت اولوية تتراجع للمرتبة الثانية وتتقدم عليها علاقات يوغسلافيا مع العالم. 5ــ وجوب فرض الاحترام بين الحكم والمعارضة وقبول مبدأ الخسارة والفوز في الانتخابات وهو مبدأ ديمقراطي يدعو له كوستونيتشا مثلما يدعو للمساواة بين الاعراق التي يضمها اتحاده. 6ـ اعادة بناء البنية التحتية والاقتصاد اليوغسلافي الذي عانى الكثير جراء العقوبات الدولية التي فرضتها الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة على البلاد منذ 1992 بسبب دور الحكومة السابقة في نزاع البوسنة ومن ثم في كوسوفو. الكرة في ملعب الناتو ولم يختلف كوستونيتشا عن سلفه في قضية يعدها شأنا داخليا وهي قضية ميلوسيفيتش فقد رفض الرئيس الجديد تسليم سلفه لمحكمة الجزاء الدولية في بادىء الامر, وقال بشكل واضح: (رفضت رفضا قاطعا تقديم ميلوسيفيتش لمحكمة الجزاء الدولية). وكان مبرره امام المجتمع الدولي الذي يسعى لاعادة علاقاته معه ان لديه امورا كثيرة تشغله في الوقت الحاضر لاعادة بناء بلده بطريقة ديمقراطية بحيث ليس لديه متسع من الوقت للتفكير بموضوع محكمة الجزاء الدولية, التي وصفها بانها وسيلة ضغط سياسية للادارة الامريكية. الرئيس اليوغسلافي الجديد لم يفته ان ينقل الكرة الى ملعب الناتو عندما كال اليه الاتهامات بتدمير بنية يوغسلافيا التحتية والتسبب بتشريد الالاف , وله في ذلك اسانيد كثيرة ليس اهمها الوثيقة الرسمية التي نشرت يوم العاشر من نوفمبر للعام 1999 والتي ادان فيها وزير الدفاع الفرنسي موقف الولايات المتحدة الامريكية خلال عمليات القصف على صربيا حيث جرى قسم من العمليات العسكرية خارج الاطار المحدد لحلف شمال الاطلسي, وهو ما اعترضت عليه واشنطن. والملاحظ ان الحدود الخطرة بينه وبين الناتو ودول العالم هي مونتنيجرو (الجبل الاسود) وكوسوفو, فهما مقاطعتان او اقليمان يريدان الاستقلال عن صربيا لكن تعامل العالم مع كل منهما يختلف, فدول اوروبا وامريكا تدعم استقلال الجبل الاسود لكنها ترفض اعطاء كوسوفو استقلالا والاسباب كثيرة في ذلك. وجمهورية الجبل الاسود صغيرة بحجمها, اذ يبلغ عدد سكانها حوالي 650 الف نسمة ولا تعدو مساحتها حيين او ثلاثة من احياء صربيا وهي الجمهورية الوحيدة التي بقيت من الاتحاد اليوغسلافي السابق مع صربيا والفت معها سنة 1992 ما يسمى بجمهورية يوغسلافيا الفيدرالية. بدأ المراقبون يتابعون التطورات في الجبل الاسود باهتمام منذ 1997 مع الدعوة الى الانتخابات الرئاسية هناك حيث فشل المرشح مومير بولافيتش المدعوم من الرئيس اليوغسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش امام مرشح الاصلاح الديمقراطي ميلوجوكاوفيتش. ومع نجاح الاخير اخذت التطورات تتسارع بنحو مثير, وينبغي الاشارة هنا الى ان هذه الجمهورية كانت تتميز منذ اكثر من قرن بالتنافس بين تيارين: الاول يعبر عن نزعة استقلالية قوية ومنافسة لصربيا, والثاني يعبر عن انتماء صربي وحماس للتعاون والتداخل مع صربيا في كيان واحد. وهكذا اخذت تبرز سلسلة من الاصلاحات الديمقراطية المصحوبة بنزعة استقلالية متزايدة اخذت تبعد هذه الجمهورية عن صربيا, ووصل هذا التباعد ذروته مع تفاقم الوضع في كوسوفو, حيث انتقد جوكانوفيتش سياسة ميلوسيفيتش في ذلك الاقليم فوقفت مونتنيجرو ضد يوغسلافيا في مارس 1999 خلال التدخل الدولي ولم تتخذ موقفا مع صربيا. وخلال التدخل الدولي تزايدت نزعة الاستقلال التي صارت تحظى بتأييد من الغرب لكنها عادت فخففت فيما بعد وبتأييد من الغرب ايضا على ما يبدو, وتقول وجهة النظر الغربية التي تراجعت عن دعم نزعة الاستقلال, ان استقلال الجبل الاسود الذي تربطه اللغة والثقافة مع صربيا سيقود وفورا الى استقلال كوسوفو التي لا تربطها اللغة والثقافة الواحدة عن صربيا. ورقة ضغط غربية واذا كان الغرب يعتبر الجبل الاسود ورقة ضغط قوية ضد ميلوسيفيتش لان استقلالها يحجب صربيا عن البحر والعالم ويحولها الى دولة داخلية معزولة, الا انه يعرض نفسه للاتهام من دول مثل روسيا والصين بأن الهدف من تدخله هو تفتيت يوغسلافيا, كما انه هنا يضع نفسه في مأزق اذا ما عارض استقلال كوسوفو. ويصعب القول ان يوغسلافيا موجودة, فهي اليوم عبارة عن ثلاثة انظمة مختلفة, هي: صربيا التي كانت تخضع لنظام ديكتاتوري, والجبل الاسود التي تتمتع بنظام ديمقراطي, وكوسوفو التي تعيش حالة استقلال واقعي عن يوغسلافيا. واليوم مع قدوم الرئيس الجديد الذي يوصف بالديمقراطي, يجد المراقبون ان ازمة الجبل الاسود ستتصاعد وتتصاعد معها مخاوف من توترات جديدة غير محسوب حسابها, فساسة الجبل الاسود يفكرون بشكل استراتيجي طويل المدى بانفصال سلمي عن يوغسلافيا ويلقى رئيسها كل الدعم من اوروبا, وفي المقابل فان الرئيس الجديد ليوغسلافيا كوستونيتشا يلقى نفس الدعم ويزيد يضاف اليه ان الجبل الاسود وقفت ضد ميلوسيفيتشس في الانتخابات, فقاطعتها وقد حسب ذلك لصالح كوستونيتشا, الذي هنأه قادة الجبل الاسود بفوزه على خصمه وخصمهم معا. اما قضية كوسوفو فهي تعد الاكثر خطرا من الجبل الأسود. ففي كوسوفو يتعايش الالبان والصرب بشكل يستحيل وصفه بالسلمي, اذ لم ينس الالبان الذين يشكلون اكثر من 90% من سكان الاقليم ظلم واستبداد الاقلية الصربية التي لم يتجاوز عددها 6% من مليوني نسمة هم اجمالي سكان كوسوفو. في حين تهدف المؤسسات الدولية الى ايجاد ما يسمى بالتعايش القومي المشترك, وتمارس ضغوطا على الالبان لنسيان معاناتهم التي استمرت اكثر من عشرين عاما على يد الصرب. صعوبة استقلال كوسوفو تكمن في اسباب متعدده اهمها: اولا: قرار الامم المتحدة/ 1244/ ثانيا: اهمية كوسوفو الاستراتيجية رغم كونها بعيدة عن البحر. ثالثا: العامل القومي الذي يقلق دول الغرب . تسيطر القوة الدولية على كوسوفو وفق القرار 1244 الذي شكلت بموجبه ادارة ذاتية للاقليم والقرار لا يشير بالاسم الى يوغسلافيا سوى كونها اطار يتمتع فيه الالبان بحكم ذاتي كبير. وفي هذا الاطار كان من اهم القرارات تكريس المارك الالماني كعملة رسمية في كوسوفو وتحويل (جيش تحرير كوسوفو ) الى (فيلق حماية كوسوفو) وتأسيس قوات شرطة امن تتكون من غالبية البانية ووسائل اعلام مستقلة ووسائل اتصال (طيران) مستقلاً مع العالم حتى اصدار طوابع خاصة تحمل رموز خاصة بكوسوفو. توجت هذه القرارات باجراء احصاء للسكان واصدار وثائق / جوازات سفر خلال ربيع ـ صيف هذا العام يمهد لاجراء انتخابات محلية وتشريعية حتى نهاية هذا العام يفترض ان تحسم الوضع المقبل (لكوسوفو) بعد تبلور الوضع في بقية يوغسلافيا (صربيا والجبل الاسود). وعكس كل ما يقال من ان كوسوفو معزولة ولا يشكل موقعها اية اهمية استراتيجية كونها بعيدة عن البحر, فان كوسوفو تحتوي على ثروات معدنية ضخمة ومهمة بل واستراتيجية في وسط اوروبا. وتحتوي كوسوفو على مصادر طبيعية وثروة معدنية كالبترول والغاز الطبيعي, والفحم, والكروم, والنحاس, والغابات التي تصدر الاخشاب والنيكل اضافة للقوة الهيدروليكية التي توفرها الشلالات الساقطة من جبالها. سيناريو الخريف والسيناريو المحتمل لخريف الانتخابات القادمة الذي يحل نهاية اكتوبر الحالي يستند الى فوز المعارضة بقيادة كوستونيتشا والذي تم وهو يستند الى اعلان حكومة الجبل الاسود استقلالها, ولكنها ستضيف الى ذلك دخولها في مفاوضات مع صربيا الديمقراطية على اساس هيكلي جديد بعيد عن مستوى الكونفدرالية. وحتى في هذه الحالة ستتجه كوسوفو وهي في ظل حماية الامم المتحدة ــ الى استخدام حقها في الاستفتاء لتحديد استقلالها المستقبلي, وحينئذ, لن يستبعد المحللون السياسيون وصول قوات حلف الاطلسي الى العاصمة الصربية لتهدئة الوضع ومنع اي صدامات ممكنة بين الصرب ومواطني الجبل الاسود, او بين مواطني كوسوفو والصرب. ويتوقع ان يحمل هذا الخريف في طياته انتخابات بلقانية مشتعلة لبرلمان الاتحاد الفيدرالي ــ البوسنة الهرسك ــ والمجلس الوطني لسربيتشا ومجالس كانتونات الاتحادات الفيدرالية للجمهورية الكوسوفية, والانتخابات البلدية لسربيتشا. ازمة البلقان قد لا تنتهي في منطقة الجبل الاسود التي ستمثل آخر محطة تعلن استقلالها عن يوغسلافيا وحينئذ ستبقى صربيا وحدها, وسيتعين عليها خوض جميع المراحل الديمقراطية والاجراءات الدولية التي بدأت فعلا والتي لن يكون آخرها دعوة مجلس الامن لان تستعيد يوغسلافيا الاتحادية مقعدها في الامم المتحدة, لكنها في هذه الحالة لن تكون يوغسلافيا مرة رابعة بل ستفقد مسماها هذا الى الابد.