قلائل جدا في هذا العالم هم الذين عاشوا تلك اللحظات الفاصلة بين الحياة والموت, والشاب إياد مسلم من قرية تلفيت في محافظة نابلس هو واحد منهم. فقد اختطفت قطعان المستوطنين هذا الشاب البالغ من العمر 29 عاما أثناء رعيه الأغنام قرب مستوطنة (ألون موديه) واحتجزوه في المستوطنة حتى العاشرة والنصف ليلا ثم نقوله إلى مستوطنة في الأغوار, وفي الطريق أوقفتهم سيارة عسكرية وحل الجنود وثاقه ليفر هاربا منهم إلى قرية مجاورة. روى إياد الذي عاد سالما إلى أسرته وبيته تفاصيل تلك الساعات الـ15 من الرعب والخوف والقلق اللانهائي الذي عاشه بين أيدي خاطفيه من المستوطنين قائلا: كنت أرعى الغنم في مراعي قرية (بيت دجن) على بعد حوالي نصف كيلومتر من المستوطنة, وفجأة شاهدت ستة مستوطنين مسلحين بالبنادق والعصي يتقدمون نحوي, وعندما وصلوا إليّ حاصروني من جميع الجهات وضربني أحدهم بعصا على رأسي فسقطت على الأرض, ثم قيدوا يدي وعصبوا عيني بقطعة قماش وسحبوني إلى المستوطنة. وأضاف يقول: وطوال الطريق إلى المستوطنة كانوا يضربونني على مختلف أجزاء جسدي, وكلما هممت بسؤالهم عما يفعلونه بي أسكتوني بالقوة قائلين بالعربية: لا تتكلم. وبسبب القيود المعصوبة على عينيه لم يتمكن إياد من رؤية أي شيء حوله أثناء نقله إلى المستوطنة, لكنه سمع صوت باب يفتح, يعتقد انه باب مخزن, قبل ان يلقى به على الأرض في داخله ويغلق الباب ثانية. وفي هذا المخزن عاش إياد ساعات طويلة من الرعب والخوف والقلق, فقد كان على يقين بأنه ماض إلى حتفه خصوصا انه سمع عن الاعتداءات الكثيرة التي قام بها المستوطنون على المواطنين العزل في الأيام الأخيرة, ومنها جرائم اختطاف وقتل ارتكبت بدم بارد مثل جريمة اختطاف وقتل الشهيد عصام جودة من قرية (أم الصفا) وقتل الطفلة سارة من قرية قصرة وغيرها. لقد مت في هذه الساعات الـ 15 مليون مرة, فقد كنت في كل لحظة منها انتظر ان يأتوا إليّ ويقتلونني كما فعلوا مع غيري. قال إياد. ولهذا فقد ظل تفكير إياد طوال هذه الساعات الطويلة منحصرا في أسرته خصوصا ابنه الطفل الصغير (عقاب) وفي الطريقة التي سيقضى بها. (أقنعت نفسي بأنني مثل هؤلاء الشهداء الذين يسقطون كل يوم برصاصهم, لكن كان هناك شيء يؤلمني كثيرا وهو التفكير بطفلي وأسرتي وكيف سيكون وقع الخبر عليهم). غير ان إياد وإن كان أقنع نفسه بأنه مثل الكثيرين من الشهداء الذين يسقطون برصاص الاحتلال إلا ان الانتظار الطويل جعل معاناته أشد وأكبر فإن يسقط إنسان ما في لحظة ما, أمر يختلف كثيرا عن ان ينتظر تنفيذ الإعدام به. هذا صحيح, قال إياد: لكنني أغلقت عقلي وقلبي عن أية هواجس أخرى وبقيت انتظر, فإذا كان لابد من الموت فمن العار ان تموت جبانا, وبقي إياد على هذه الحالة من الانتظار والترقب لوقت طويل يقدره بثلاث عشرة ساعة حتى جاءه خاطفوه عند حوالي العاشرة والنصف ليلا ووضعوه في ذات السيارة وهو معصوب العينين ومقيد اليدين ونقلوه إلى منطقة قريبة يخمن أنها قد تكون نقطة استيطانية تقع شرق مستوطنة ايتمار وهناك أخذ المستوطنون يتحدثون مع بعضهم البعض, وسمعت كلمة (جيتيت) تتردد على ألسنتهم عدة مرات, فأدركت انهم سينقلونني إلى مستوطنة تحمل هذا الاسم وتقع في الغور. وفي الطريق شعر إياد بالسيارة تقف فجأة وسمع أصواتا تتعالى دون ان يدرك حقيقة ما يجري ليفاجأ بجندي اسرائيلي بلباسه العسكري يفك العصبة عن عينيه والقيد عن يديه, حيث كانت دورية عسكرية أوقفت سيارة المستوطنين لفحص هوية ركابها وعندما وجد جنود الدورية شخصا مقيدا ومعصوب العينين فيها أصروا على معرفة هويته وقاموا بحل وثاقه. ويتابع إياد: عند اللحظة التي حلت فيها القيود عن يدي والعصبة عن عيني, وبينما كان الجنود والمستوطنون يتحدثون مع بعضهم بصوت مرتفع قفزت من مقعدي ووليت هاربا, ورفضت الانصياع لطلب الجنود بالتوقف فأطلقوا النار في الهواء من أجل ايقافي لكنني مضيت مسرعا عبر التلال إلى ان وصلت قرية عقربا التي كانت تبعد عن الموقع حوالي 400 متر. نابلس ـ عبدالرحيم الريماوي