نسى الذين نظروا لأسباب الحروب سببا جلياً جدا، لعل جلاءه الشديد، هو الذي اعشى ابصارهم وافكارهم ان تدركه، وكما قال الامام البوصيري قديما فإن من شدة الوضوح الخفاء!! وهكذا ذهل هؤلاء المنتظرون عن عامل تجارة السلاح كسبب أساسي من اسباب اندلاع الحروب. تطويع الرأي العام هذا العامل يتجاهله المنظرون السياسيون، ويتجاهله المجتمع الدولي، مثلما تتجاوزه الحكومات التي تصدر السلاح، ولايكاد احد يستمع الى صوت المنظمات غير الحكومية، التي نذرت نفسها للتنديد بتلك التجارة البغيضة، التي تنشر الرعب على كل المستويات، فإذا كانت اسلحة الدمار الشامل تنشر الرعب بمجرد وجودها قبل استخدامها، فإن اسلحة المدى الوسيط هي ادوات الحروب الاقليمية والحروب ما بين الدول، وهي التي تودي بأرواح المئات والآلاف من السكان، وأما الاسلحة الصغيرة فهي ادوات الحروب الاهلية، وأدوات القمع الداخلي وهي الاسلحة الاكثر انتشارا، وهي التي توليها تلك المنظمات العالمية »غير الحكومية« الاهمية الكبرى. لكن من يستمع لأمثال تلك المنظمات الطوعية ذات النفع العام، طالما ان شركات ضخمة لصنع الاسلحة تسيطر على محطات التلفزة في امريكا وغيرها وتملك قدرة فذة على تسخير الكونجرس والبيت الابيض، بل والرأي العام نفسه، لخدمة اهداف او على الاقل مماشاتها، كان الرئيس الامريكي الاسبق ايزنهاور هو اول من واجه ضغوط تلك الشركات بشكل سافر، وهو اول من نطق في مواجهتها بعبارته الاصطلاحية التي سارت مثلا، عندما سمى تلك الشركات بمجمع الصناعات العسكرية وهو المجمع الذي يخترق الجيش الامريكي، وقيادته في البنتاجون، ويخترق مجلس الشيوخ، ويؤثر على نمط تصويته، ويخترق ارادة الرأي العام ويسيرها حسب مصالحه. هذه الشركات مع انها تبدد جزءا ضخما من الدخل القومي الامريكي الذي يذهب لميزانية الدفاع، الا انها تفلح ـ وهذا من مهازل الديمقراطيات ـ في اقناع قطاعات كبيرة من الشعب بأنها تعمل لصالحها لا سيما عندما تفتتح مصانع كبرى للأسلحة في مناطق معينة، او عندما ينشىء الجيش قواعد عسكرية، هناك، فتخلق بالتالي فرص عمل متكاثرة ويهيأ الاقتصاد المحلي لمزيد من الازدهار، ويقوم نواب تلك المناطق في الكونجرس لدعم تلك الشركات، وتمرير مطالبها بزيادة ميزانيات الدفاع، وتقوم وزارة الدفاع بدور مماثل لما تقوم به تلك الشركات، فهي تنظر بعين الرضا الشديد لكل النواب الذين يصوتون بأسلوب منتظم لصالح زيادة ميزانية الدفاع، وتقوم الوزارة بتخصيص جزء مقدر من تلك الميزانية، لينفق في اغراض الوزارة في المناطق التي يمثلها اولئك النواب! مسألة متأصلة وهكذا فإن المسألة متأصلة جدا واذا كانت تلك الاصول، لا تظهر فلأنها واضحة جدا، كما أسلفنا، لأن الناس مسوقون بمصالحهم المادية العاجلة فإنهم يحبون ان يغضوا الطرف عنها وليركزوا على مصالحهم العاجلة، وغالباً ما يكون ذلك على حساب مصالحهم الآجلة. والامريكيون لا يتعظون ابدا بمواقفهم التاريخية القديمة، فقد اكتشفوا في ،1934 وعقب دراسات وبحوث وتحقيقات برلمانية ان السبب الاساسي الذي دفع بأمريكا لدخول الحرب العالمية الاولى، لم يكن سياسيا ولا استراتيجيا بالدرجة الاولى، وانما كان الدافع الاكبر والاول هو شركات التصنيع الحربي، والبنوك التي تقف وراء تمويل صفقات السلاح، فهي التي مثلت أداة الضغط التي اقنعت صناع القرار باتخاذ قرار الدخول في تلك الحرب، التي كانت فاتحة تدخلات امريكا التي لا تكاد تنتهي في كل شأن صغر او كبر من شئون العالم اليوم، وهي التدخلات التي تنذر كما يرى كثير من علماء الحرب، باستنفاد قدرات امريكا كلها على المدى البعيد. لقد وجدت شركات مجمع الصناعة العسكرية في الحرب العالمية الاولى والثانية مصدرين جيدين للربح الطائل، ولم تكن الحربان تضيران أمريكا كثيرا، ولكن ما بالك بحرب فيتنام التي استهلكت ارواح اكثر من ستين الف شاب امريكي، لقد اكتشف الامريكيون مؤخرا كما اكتشف روبرت ماكنمارا الذي شغل منصب وزير الدفاع في تلك الفترة لمدة ثماني سنوات متصلة، بأن تلك الشركات كان لها دور كبير في اذكاء نار الحرب وتسعيرها وتفخيم العمل الايديولوجي والاستراتيجي في المخيلة الامريكية عن طريق الاعلام حتى لا يعترض معترض على استمرار امريكا في تلك الحرب رغم ان كل المؤشرات كانت تفيد بحتمية خسارة امريكا لها في النهاية. وبالطبع فما كان يهم شركات مجمع الصناعات العسكرية سوى تحقيق الارباح الهائلة من حصيلة بيعها للأسلحة والطائرات الحربية لوزارة الدفاع الامريكية، وذلك مثلما كانت شركات أسرة »كروب« في اوروبا تبيع الاسلحة لمختلف الدول، ايام الحروب الاوروبية، وتجتهد في اختلاق اسباب النزاعات وتضخيمها واشعال شرارات الحروب، والسهر على امضائها واشعالها كلما شارفت على الأفول واليوم يعتقد كثير من المؤرخين الاوروبيين ان تلك الاسرة الشرهة، مسئولة عن ذبح عدة اجيال من الاوروبيين، ما بين عسكر ومدنيين! ان كثيراً من مفارقات السياسة الخارجية الامريكية مسئولة عنها تلك الشركات. صحيح ان الكونجرس يصنع سياسة عامة لاستحقاق الدول الاجنبية لشراء الاسلحة الامريكية من اهمها سجل تلك الدول في مجال حقوق الانسان، ولكن بمراجعة القوائم يتضح ان كثيرا من الدول التي تشتري السلاح الامريكي، هي ذات سجلات شائنة في مجال حقوق الانسان، والغريب ان شركات صنع السلام قد ضغطت على الكونجرس، ليتراجع بشكل غير معلن عن تلك السياسة فقام لذلك بتفويض البيت الابيض، ووزارة الدفاع بالتقرير في مدى استحقاق الدول لشراء السلاح الامريكي، فالكونجرس لم يتراجع مباشرة في الحقيقة عن تلك السياسة، وانما ترك للجهاز التنفيذي حرية ان يتراجع عنها بالنيابة عنه. العالم النامي هكذا يصل نفوذ تلك الشركات الى حد مزعج حقا، فإذا كانت امريكا الرسمية لا تستطيع مكافحة تجار الاسلحة في داخلها، فكيف لها ان تكافح تجارة الاسلحة على مدار العالم اجمع. لقد اغرت الارباح المهولة لتلك الشركات الامريكية شركات شتى في دول بعضها نام للانخراط في مجال صنع وبيع الاسلحة وها هي جنوب افريقيا يصل عائدها من بيع الاسلحة الى نحو مليون دولار اي ما يوازي محصول مبيعات شركة ماكدونالد ودوجلاس الامريكية المتخصصة في بيع الطائرات العسكرية وها هي اسرائيل تعتبر ـ وان كانت الاحصاءات غير دقيقة ـ احدى اكبر دول العالم الثالث في مجال تجارة السلاح وقد كادت ان تفشل ضغوط امريكا عليها عندما تعدت كل الخطوط الحمراء ببيعها للرادارات للصين وهي التي كان بإمكانها قلب موازين القوى الاستراتيجية بالكلية بين الصين وتايوان الأمر الذي يهدد بشكل مباشر الوجود الامريكي في الباسفيكي. وها هي الصين تعتبر بيع السلاح احد افضل الموارد لدعم اقتصادها الوطني وكذا تفعل البرازيل، اما روسيا فتعتقد ان بيع اسلحتها حتى المستعمل منها وسيلة جيدة للمحافظة على ما بقي من اقتصادها! في وضع كهذا يصعب على امريكا ضبط حركة تلك التجارة العالمية، لا سيما انها لا تقدم القدوة الحسنة فهي اكبر مصدر للأسلحة في العالم بلا مقارنة، وتليها في ذلك حليفتها بريطانيا ثم فرنسا، ثم انها تفضل في احيان كثيرة بيع الاسلحة للطرف المعتدي وتمتنع عن بيعها لمن يدافع عن نفسه وازمته فتجتاح مبادىء سياستها المعلنة عن حقوق الانسان. ان تسلح عديد من الدول امر لا غبار عليه. وتسلح الدول العربية هو من هذا القبيل، بل هو واجب اكيد وذلك بسبب دخولها المتأخر في هذا المجال، وبسبب وجود تهديدات عليها من اسرائيل وغيرها، لكن هذا هو الاستثناء من القاعدة، فالقاعدة اصبحت متفجرة الى حد مذهل، وستظل هذه التجارة مسئولة عن كثير من المذابح وعن قيام الانظمة العسكرية في العالم، حيث تفضل تلك الانظمة تسليح جيوشها، لذا تدعمها سياسيا شركات صنع وتصدير السلاح، كما انه مجرد وجود حروب اقليمية هو ادعى الى قيام انقلابات عسكرية تجعل مبررها تجييش البلاد وحمايتها. وان اضرار تلك الشركات بالجنس البشري لا حدود لها. ومع ذلك يحلو لعلماء العلاقات الدولية، المتخصصين في قضايا الحرب، ان يتجاهلوا موضوعها، وإذا عرفت السبب بطل العجب، فكثير من هؤلاء العلماء تدعم ابحاثهم بنود مالية تبرعت بها تلك الشركات. د. محمد وقيع الله