بالرغم من مرور اكثر من عقد على توقيع اتفاقية التعاون المشترك بين دول مجلس التعاون الخليجي والمجموعة الاوروبية (1988) فإن العلاقات الخليجية ـ الاوروبية لم تتمأسس في مؤسسات وأطر اقتصادية وسياسية وثقافية بعد، حيث خضعت هذه العلاقات الى مجموعة من الاحداث والعوامل والابعاد الموضوعية والذاتية التي ابقت هذه العلاقات في اطار المقاربات الاقتصادية المرتبطة بالنفط وعقود الاسلحة والاستثمارات، ويمكن القول ان اهم العوامل والابعاد التي حدت من نمو العلاقات بين الطرفين تمثلت فيما يلي: ـ هيمنة نفوذ الولايات المتحدة على منطقة الخليج العربي اثر عاصفة حرب الصحراء والمحاولات الامريكية المستمرة لابقاء الاتحاد الاوروبي بعيدا عن مسار العملية الاقتصادية السياسية الامنية الجارية في الخليج رغم محاولة بعض دول الخليج الابتعاد عن محور القطب الامريكي واقامة علاقات فاعلة مع دول الاتحاد الاوروبي وبصفة اساسية دول الامارات العربية المتحدة وقطر. ـ افتقار دول الاتحاد الاوروبي الى مركز واحد لصنع السياسة الخارجية بالرغم من مرور سنوات على ولادة الاتحاد، اذ ان السياسة الخارجية للمجموعة الاوروبية في مجالات التجارة والزراعة والتنمية الخارجية تفتقر الى القوة والقدرات والوسائل والتكامل، وعلى المستوى السياسي تفتقر الى التماسك، فضلا عن انشغال الاتحاد بالقضايا الاوروبية والاصلاحات الهيكلية والوضع الامني في اوروبا الشرقية، حيث حرم هذا الضعف والانشغال اوروبا من القيام بسياسة فاعلة تجاه الخليج العربي على الرغم من اعتماد اوروبا على نفط الخليج فهي تحظى بأكثر من 22 بالمئة من اجمالي صادرات النفط الخليجي. ـ على الجانب الخليجي يمكن القول ان دول الخليج ايضا افتقرت الى سياسة واحدة حيال الاتحاد الاوروبي لاسباب تتعلق بسياسة كل دولة واولوياتها والاحداث التي تشغلها بالرغم من ان جميع الدول الخليجية عقدت صفقات صخمة لمعظم انواع الاسلحة مع الدول الاوروبية وخصوصا فرنسا وبريطانيا. ـ تخوف الدول الخليجية من سياسة اوروبية مغايرة للقيم والسلوكيات الثقافية والاجتماعية التي تشكل مجتمعة الهوية الحضارية لشخصية الخليج، خصوصا وان الاوروبيين ومثلهم الامريكيين يعتقدون ان ثقافتهم السياسية والاجتماعية والثقافية لها طابع عالمي يمكن الاقتداء بها من قبل المجتمعات الاخرى، ولعل التخوف الخليجي مبرر في ظل ثورة العولمة والاتصالات التي تعتقد اوروبا انها افضل وسيلة غير معلنة لاثبات صحة مقولة المركزية الاوروبية. ـ غياب المبادرات المتكاملة المتبادلة، وعدم عقد قمم على مستوى الرؤساء والملوك من اجل وضع منظومة شاملة متكاملة للعلاقات بين الطرفين وتنمية هذه العلاقات من خلال التنوع الوظيفي للعلاقات الاقتصادية والمالية والتجارية على شتى الصعد والمجالات، وعليه فإن الاجتماعات التي عقدت بين الطرفين على مستوى وزراء الخارجية في اعوام 1995 ـ 1996 ـ 1998 واقامة المجلس المشترك لم تحقق حتى الآن ما جاء في اتفاقية التعاون المشترك على مستوى التعاون السياسي والاقتصادي والتجارة الحرة، اذن ان دول الاتحاد الاوروبي تشكو من بطء تنفيذ دول الخليج الخطوات المطلوبة في مجال التجارة الحرة بين الطرفين واقامة السوق الحرة المشتركة فيما تشكو الدول الخليجية من ان المجموعة تعزف عن استثمار الاموال الفائضة في منطقة الخليج فضلا عن عدم نقل التكنولوجيا والخبرات واقامة المشاريع المشتركة وتنويع البدائل الوظيفية للتجارة. وفي الواقع رغم ان هذه العوامل والابعاد قد حدت من تطور العلاقات الخليجية ـ الاوروبية طوال المرحلة الماضية الا انه في ضوء المستجدات الاقتصادية والسياسية الجارية فإن هذه العلاقات مرشحة الى مرحلة جديدة في ضوء ازدياد الحاجة الى النفط وارتفاع اسعاره الامر الذي سبب بحدوث احتجاجات اجتماعية واسعة في العديد من الدول الاوروبية اذ تتوقع المصادر الاوروبية ان تزيد ايرادات الصادرات النفطية لدول الخليج على 8 مليارات دولار في نهاية العام الجاري، ويؤكد التقرير الصادر عن مركز دراسات الطاقة العالمية في لندن اخيرا ان دخل منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) سيرتفع الى نحو 145 مليار دولار العام الجاري مقابل 120 مليار دولار العام الماضي مما يعني ان عائدات دول مجلس التعاون الخليجي ستتجاوز 80 مليار دولار على اساس انها تنتج اكثر من نصف اجمالي انتاج اوبك باستثناء العراق الذي يخضع انتاجه الى اتفاق (النفط مقابل الغذاء) مع الامم المتحدة، ومن شأن ارتفاع الايرادات النفطية اتاحة الفرصة لدول الخليج تقليص العجز في موازناتها بسبب الخسائر التي لحقت بهذه الدول جراء انخفاض اسعار النفط عام 1999 والتي قدرت بنحو 30 مليار دولار. يمكن القول انه في ضوء ارتفاع اسعار النفط وازمة الطاقة في اوروبا ستعمل الدول الاوروبية من اجل الاستئثار بنصيب الاسد من الاستثمارات الخليجية في الخارج بحيث يعاد تشغيل اكبر نسبة من عائدات النفط في الاسواق الاوروبية، اعتقادا ان ذلك سيرتب فوائد مشتركة وايجابية على جهود التعاون بين الاتحاد الاوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي في المدى المنظور على شكل تحويل الثروة والاستثمارات والمشاريع المشتركة الى تنمية اقتصادية دائمة، سواء في استكمال مشاريع البنية التحتية او التنوع الاقتصادي الوظيفي في مجال الصادرات وزيادة الناتج الوطني الاجمالي لا ان تكون العائدات النفطية مجرد ثروة طارئة ناتجة عن ارتفاع الاسعار تؤدي الى ارتفاع قيمة المواد الصناعية والغذائية المستوردة وتؤثر سلبا على الاجور والمداخيل والقوة الشرائية. في الواقع مع الصدمة النفطية الحالية التي تتمثل في ارتفاع اسعار النفط اتجهت الانظار الى مجلس التعاون الخليجي مجددا من كل حدب وصوب كأحد اهم التجمعات الاقليمية اقتصاديا بوصفه يملك نصف احتياطي النفط في العالم النامي وله دور رئيسي في التجارة الدولية والتمويل الدولي والعربي فضلا عن اهمية الفترة المقدرة لنضوب النفط، ففي الوقت الذي تقدر المصادر الدولية للطاقة فترة نضوب النفط بنحو 100 الى 110 اعوام نجد ان هذه الفترة في الولايات المتحدة لا تتجاوز 10 سنوات وفي معظم دول الاوبك تقدر ما بين 40 و80 سنة. ان حقيقة تعاظم الدور الاقتصادي لمجلس التعاون الخليجي يكشف عن قصور السياسة الخارجية للاتحاد الاوروبي في التعامل مع منطقة الخليج كمنطقة ملحقة بالسياسات الاوروبية حيال الشرق الاوسط والمتوسط، في حين ان التعاون الوظيفي بين المنظومتين الخليجية والاوروبية يحتاج الى سياسة شاملة كلية بالخليج تقوم على مجموعة من المؤسسات والآليات والاجتماعيات الدورية وتفعيل عمل المجلس المشترك الاوروبي ـ الخليجي بغية تجاوز العقبات التي تحول دون تطور العلاقات بين المنظومتين بعيدا عن مفاهيم المركزية الاوروبية. بقلم: خورشيد دلي _ كاتب سوري